555

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

قال: ضرب الله مثلا له، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض. القول في تأويل قوله تعالى: { له ما في السموات وما في الارض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه }. يعني تعالى ذكره بقوله: { له ما في السموات وما في الارض } أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود. وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنما هو طوع يد مالكه، وليس له خدمة غيره إلا بأمره.

يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه. وأما قوله: { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } يعني بذلك: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم. وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي. القول في تأويل قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }. يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم: { يعلم ما بين أيديهم } الدنيا { وما خلفهم } الآخرة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { يعلم ما بين أيديهم } ما مضى من الدنيا { وما خلفهم } من الآخرة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج قوله: { يعلم ما بين أيديهم } ما مضى أمامهم من الدنيا { وما خلفهم } ما يكون بعدهم من الدنيا والآخرة. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يعلم ما بين أيديهم } قال: ما بين أيديهم فالدنيا { وما خلفهم } فالآخرة. وأما قوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } فإنه يعني تعالى ذكره أنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه، وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه فأراد فعلمه. وإنما يعني بذلك أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم، يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها يعلمها، لا يخفى عليه صغيرها وكبيرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولا يحيطون بشيء من علمه } يقول: لا يعلمون بشيء من علمه إلا بما شاء هو أن يعلمهم.

القول في تأويل قوله تعالى: { وسع كرسيه السموات والارض }. اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السموات والأرض، فقال بعضهم: هو علم الله تعالى ذكره. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب وسلم بن جنادة، قالا: ثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وسع كرسيه } قال: كرسيه: علمه. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله، وزاد فيه: ألا ترى إلى قوله: { ولا يؤوده حفظهما }؟ وقال آخرون: الكرسي: موضع القدمين. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، قال: ثني محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، عن أبي موسى، قال: الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وسع كرسيه السموات والارض } فإن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش، وهو موضع قدميه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله: { وسع كرسيه السموات والارض } قال: كرسيه الذي يوضع تحت العرش، الذي يجعل الملوك عليه أقدامهم. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، قال: الكرسي: موضع القدمين. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { وسع كرسيه السموات والارض } قال: لما نزلت: { وسع كرسيه السموات والارض } قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا الكرسي وسع السموات والأرض، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالى:

وما قدروا الله حق قدره

[الأنعام: 91] إلى قوله:

سبحانه وتعالى عما يشركون

[يونس: 18] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وسع كرسيه السموات والارض } قال ابن زيد: فحدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس "

قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض "

صفحه نامشخص