جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها
[الطلاق: 7] وكما: حدثني المثنى، قالك ثنا سويد، قال:أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع وله ولدا، فتراضيا على أن ترضع حولين كاملين، فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة، لا نكلف نفسا إلا وسعها. حدثني علي بن سهل الرملي، قالك ثنا زيد، وحدثنا ابنحميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قوله، { والولدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } والتمام: الحولان { وعلى المولود له } على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } قال: على الأب. القول في تأويل قوله تعالى: { لا تكلف نفس إلا وسعها } يعني تعالى ذكره بذلك: لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لايضيق عليها ولا يتعذر عليها وجوده إذا ارادت.وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: لا يوجب الله على الرجال مننفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات منهم إلا ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل، كما قال تعالى ذكره:
لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله
[الطلاق: 7]. كما: حدثنا ابنحميد، قال ثنا مهران، وحدثني علي قال: ثنا زيدجميعا، عن سفيان: { لا تكلف نفس إلا وسعها إلا ما أطاقت. والوسع:الفعل من قول القائل: وسعني هذا الأمر، فهو يسعني سعة، ويقال: هذا الذي أعطيتك وسعي، أي ما يتسع لي أن أعطيك فلا يضيق علي إعطاؤكه وأعطيتك من جهدي إذا أعطيته ما يجهدك فيضيق عليك إعطاؤه. فمعنى قوله { لا تكلف إلا وسعها } هو ما وصفت من أنها لا تكلف إلا ما يتسع لها بذل ما كلفت بذله، فلا يضيق عليها، ولا يجهدها، لا ما أظنه جهلة أهل القدر منأن معناه: لا تكلف النفس إلا ما قد أعطيت عليه القدرة من الطاعات، لأن ذلك لوكان كما زعمت لكان قوله تعالى ذكره:
انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا
[الإسراء: 48] إذا كان دالا على أنهم غير مستطيعي السبيل إلى ما كلفوه واجبا أن يكون القوم في حال واحدة قد أعطوا الاستطاعة على مامنعوها عليه. وذلك من قائله إن قاله إحالة في كلامه، ودعوى باطل لا يخيل بطوله.وإذا كان بينا فساد هذا القول، فمعلوم أن الذي أخبر تعالى ذكره أنه كلف النفوس من وسعها غير الذي أخبر أنه كلفها مما لا تستطيع إليه السبيل.
القول في تأويل قوله تعالى: { لا تضار والدة بولضدها ولا مولود له بولده }. اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأ عامة قراء أهل الحجاز والكوفة والشام: { لا تضار والدة بولدها } بفتح الراء بتأويل لا تضارر على وجه النهي وموضعه إذا قرئ كذلك جزم، غير أنه حرك، إذ ترك التضعيف بأخف الحركات وهو الفتح، ولوحرك إلى كسر كان جائزا إتباعا لحركة لام الفعل حركة عينه، وإن شئت فلأن الجزم إذا حرك حرك إلى الكسر. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض أهل البصرة: " لا تضار والدة بولدها " رفع. ومن قرأه كذلك لم تحتمل قراءته معنى النهي، ولكنها تكون بالخبر عطفا بقوله { لا تضار } على قوله: { لا تكلف نفس إلا وسعها }.وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى من رفع لا تضار والدة بولدها هكذا في الحكم، أنه لا تضار والدة بولدها، أي ما ينبغي أن تضار، فلما حذفت " ينبغي " وصار " تضار " في وضعه صار على لفظه، واستشهد لذلك بقول الشاعر:
على الحكم المأتي يوما إذا قضى.....قضيته أن لا يجور ويقصد
فزعم أنه رفع يقصد بمعنى ينبغي. والمحكي عن العرب سماعا غير الذي قال وذلك أنه روي عنهم سماعا فتصنع ماذا، إذا أرادوا أن يقولوا:فتريد أن تصنع ماذا، فينصبونه بنية " أن " وإذا لم ينووا " أن " ولم يريدوها، قالوا: فتريد ماذا، فيرفعون تريد، لأن لا جالب ل: " أن " قبله، كما كان له جالب قبل تصنع، فلوكان معنى قوله لا تضار إذا قرئ رفعا بمعنى: ينبغي أن لا تضار، أوما ينبغي أن تضار حذف ينبغي وأن، وأقيم تضار مقام ينبغي لكان الواجب أن يقرأ إذا قرئ بذلك المعنى نصبا لا رفعا، ليعلم بنصبه المتروك قبله المعني المراد، كما فعل بقوله فتصنع ماذا، ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على لا تكلف ليست تكلف نفس إلا وسعها، وليست تضار والدة بولدها، يعني بذلك أنه ليست ذلك في دين الله وحكمه وأخلاق المسلمين. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بالنصب، لأن نهي من الله تعالى ذكره كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه له حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين، فلو كان ذلك خبرا لكان حراما عليهما ضرارهما به كذلك. وبما قلنا في ذلك منأن ذلك بمعنى النهي تأوله أهل التأويل. ذكر منقال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبوعاصم، عن عيسى، عن ابن أب نجيح، عن مجاهد: { لا تضار والدة بولدها } لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه، ولا تضار الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها. حدثني المثنى، قال: ثنا أبوحذيفة، قال:ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عنمجاهد مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا بن زريع، قال: ثنا سعيد،عن قتادة قوله: { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } قال: نهى الله تعالى عن الضرار وقدم فيه، فنهى الله أن يضار الوالد فينتزع الولد من أمه إذا كانت راضية بما كان مسترضعا به غيرها، ونهيت الوالدة أن تقذف الولد إلى أبيه ضرارا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال:أخبرنا عبد الراق، قال:أخبرنا معمر، عن قتادة في قول: { لا تضار والشدة بولدها } ترمي به إلى أبيه ضرارا { ولا مولود له بولده } يقول: ولا الولد فينتزعه منها ضرارا إذا رضيت من أجر الرضاع ما رضي به غيرها، فهي أحق به إذا رضيت بذلك. حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن ابي جعفر، عن أبيه، عن يونس، عن الحسن: { لا تضار والدة بولدها } قال: ذلك إذا طلقها، فليس له أن يضارها، فينتزع الولد منها إذا رضيت منه بمثل ما يرضى به غيرها، وليس لها أن تضاره فتكلفه مالا يطيق إذا كان إنسانا مسكينا فتقذف إليه ولده. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { لاتضار والدة بولدها } لا تضار أم بولدها، ولا أب بولده. يقول: لا تضار أم بولدها فتقذفه إليه إذا كان الأب حيا أو إلى عصبته إذا كان الأب ميتا، ولا يضار الأب المرأة إذا أحبت أن ترضع ولدها ولا ينتزعه. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لا تضار والدة بولدها } يقول: لا ينزع الرجل ولده من امرأته فيعطيه غيرها بمثل الأجر الذي تقبله هي به، ولا تضار والدة بولدها فتطرح الأم إليه ولده تقول لا أليه ساعة تضعه، ولكن عليها من الحق أن ترضعه حتى يطلب مرضعا. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب، وسئل عن قول الله تعالى ذكره: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين إلى لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده }. قال ابن شهاب: والوالدات أحق برضاع أولادهن ما قبلن رضاعهن بما يعطى غيرهن من الأجر وليس للوالدة أن تضار بولدها فتأبى رضاعة مضارة وهي تعطى عليه ما يعطى غيرها من الأجر، وليس للمولود له أن ينزع ولده من والدته مضارا لها وهي تقبل من الأجر ما يعطاه غيرها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال ثنا زيد جميعا، عن سفيان في قوله: { لا تضار والدة بولدها } لا ترم بولدها إلى الأب إذا فارقها تضاره بذلك، { ولا مولود له بولده } ولا ينزع الأب منها ولدها، يضارها بذلك. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } قال: لا ينزعه منها وهي تحب أن ترضعه فيضارها، ولا تطرحه عليه وهو لا يجد من ترضعه ولا يجد ما يسترضعه به.
صفحه نامشخص