جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
فأنزل الله فيهم: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة } وعبد مؤمن خير من مشرك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، قال: قال ابن جريج في قوله: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } قال: المشركات لشرفهن حتى يؤمن. القول في تأويل قوله تعالى : { ولو أعجبتكم }. يعني تعالى ذكره بذلك: وإن أعجبتكم المشركة من غير أهل الكتاب في الجمال والحسب والمال فلا تنكحوها، فإن الأمة المؤمنة خير عند الله منها وإنما وضعت «لو» موضع «إن» لتقارب مخرجيهما ومعنييهما، ولذلك تجاب كل واحدة منهما بجواب صاحبتها على ما قد بينا فيما مضى قبل. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم }. يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله قد حرم على المؤمنات أن ينكحن مشركا، كائنا من كان المشرك من أي أصناف الشرك كان. فلا تنكحوهن أيها المؤمنون منهم فإن ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن مصدق بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك ولو شرف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه. وكان أبو جعفر محمد بن علي يقول: هذا القول من الله تعالى ذكره، دلالة على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة. حدثنا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي، قال: أخبرنا حفص بن غياث عن شيخ لم يسمه، قال أبو جعفر: النكاح بولي في كتاب الله. ثم قرأ: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } برفع التاء. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والزهري في قوله: { ولا تنكحوا المشركين } قال: لا يحل لك أن تنكح يهوديا أو نصرانيا، ولا مشركا من غير أهل دينك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: { ولا تنكحوا المشركين لشرفهم حتى يؤمنوا }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } قال: حرم المسلمات على رجالهم يعني رجال المشركين. القول في تأويل قوله تعالى: { أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }. يعني تعالى ذكره بقوله: { أولئك } هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم يدعونكم إلى النار، يعني يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله. يقول: ولا تقبلوا منهم ما يقولون، ولا تستنصحوهم، ولا تنكحوهم، ولا تنكحوا إليهم، فإنهم لا يألونكم خبالا ولكن اقبلوا من الله ما أمركم به، فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنة.
يعني بذلك: يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم فيعفو عنها، ويسترها عليكم. وأما قوله: { بإذنه } فإنه يعني أنه يدعوكم إلى ذلك بإعلامه إياكم سبيله وطريقه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة ثم قال تعالى ذكره: { ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } يقول: ويوضح حججه وأدلته في كتابه الذي أنزله على لسان رسوله لعباده ليتذكروا فيعتبروا، ويميزوا بين الأمرين اللذين أحدهما دعاء إلى النار والخلود فيها والآخر دعاء إلى الجنة وغفران الذنوب، فيختاروا خيرهما لهم. ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبي الرأي، مدخول العقل.
[2.222]
يعني تعالى ذكره بقوله: { ويسألونك عن المحيض } ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض وقيل «المحيض» لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل: ضرب يضرب، وحبس يحبس، ونزل ينزل، فإن العرب تبني مصدره على المفعل والاسم على المفعل مثل المضرب والمضرب من ضربت، ونزلت منزلا ومنزلا. ومسموع في ذوات الياء الألف والياء المعيش والمعاش والمعيب والمعاب، كما قال رؤبة في المعيش:
إليك أشكو شدة المعيش
ومر أعوام نتفن ريشي
وإنما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لنا عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضا في بيت، ولا يؤاكلونهن في إناء، ولا يشاربونهن، فعرفهم الله بهذه الآية أن الذي عليهم في أيام حيض نسائهم أن يجتنبوا جماعهن فقط دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن ومآكلتهن ومشاربتهن. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ويسألونك عن المحيض } حتى بلغ: { حتى يطهرن } فكان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضا، وأحل ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم ويأتونهن في أدبارهن. فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم إذا تطهرن من حيضهن في إتيانهن من حيث أمرهم باعتزالهن، وحرم إتيانهن في أدبارهن بكل حال. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: ثني مجاهد، قال: كانوا يجتنبون النساء في المحيض، ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: { ويسألونك عن المحيض } إلى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } في الفرج ولا تعدوه. وقيل: إن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابت بن الدحداح الأنصاري. حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي. القول في تأويل قوله تعالى: { قل هو أذى }. يعني تعالى ذكره بذلك: قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض هو أذى. والأذى: هو ما يؤذى به من مكروه فيه، وهو في هذا الموضع يسمى أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى غير واحدة.
وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض، فقال بعضهم قوله: { قل هو أذى } قل هو قذر. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله : { قل هو أذى } قال: أما أذى: فقذر. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { قل هو أذى } قال: قل هو أذى، قال: قذر. وقال آخرون: قل هو دم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } قال: الأذى: الدم. القول في تأويل قوله تعالى: { فاعتزلوا النساء في المحيض } . يعني تعالى ذكره بقوله: { فاعتزلوا النساء في المحيض } فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهن في محيضهن. كما: حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: { فاعتزلوا النساء في المحيض } يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن. واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض، فقال بعضهم: الواجب على الرجل اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا عوف، عن محمد، قال: قلت لعبيدة: ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضا؟ قال: اللحاف واحد، والفراش شتى. حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: ثنا محمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة، مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحرث، أو حفصة ابنة عمر، إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابة من قبل النساء، فوجدت فراشها معتزلا فراشه، فظننت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشه فراشها، فقالت: إني طامث، وإذا طمثت أعتزل فراشي. فرجعت فأخبرت بذلك ميمونة أو حفصة، فردتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه، وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوب ما يجاوز الركبتين. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال: قلت لعبيدة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يرد عليها من ثوبه رد عليها منه. واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهن، ولم يخصص منهن شيئا دون شيء، وذلك عام على جميع أجسادهن واجب اعتزال كل شيء من أبدانهن في حيضهن.
وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن موضع الأذى، وذلك موضع مخرج الدم. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، قال: ثنا مروان الأصغر، عن مسروق بن الأجدع، قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا عن عائشة أنها قالت: وأين كان ذو الفراشين وذو اللحافين؟ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: فرجها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أن مسروقا ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته فقالت عائشة: أبو عائشة مرحبا فأذنوا له، فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني. فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت له: كل شيء إلا فرجها. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت له: ما فوق الإزار. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع: أن عائشة قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب ، عن أبي معشر قال: سألت عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ فقالت: كل شيء إلا الفرج. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال: قال ابن عباس: إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبا أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا يزيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه سئل: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قال: ما فوق الإزار. حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا الحكم بن فضيل، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اتق من الدم مثل موضع النعل. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أم سلمة، قالت في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج يعني وهي حائض قال: يبيتان في لحاف واحد، يعني الحائض إذا كان على الفرج ثوب. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن. قال: يبيتان في لحاف واحد يعني الحائض إذا كان على الفرج ثوب. حدثنا تميم، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن ليث، قال: تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال: اطعن بذكرك حيثما شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة، ما لم يكن في الدبر أو الحيض. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال: يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ قال: إذا كفت الأذى. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثني عمران بن حدير، قال: سمعت عكرمة يقول: كل شيء من الحائض لك حلال غير مجرى الدم. وعلة قائل هذه المقالة، قيام الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن حيض، ولو كان الواجب اعتزال جميعهن لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: { فاعتزلوا النساء في المحيض } هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قبلها دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها. وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن في حال حيضهن ما بين السرة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح، قال له: ما فوق السرة. وذكر الحائض. حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن الحائض: ما لزوجها منها؟ فقال: ما فوق الإزار. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال: قال شريح: له ما فوق سرتها. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال: سئل سعيد بن المسيب: ما للرجل من الحائض؟ قال: ما فوق الإزار. وعلة من قال هذه المقالة صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما: حدثني به ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني وحدثني أبو السائب، قال: حدثنا حفص، قال: ثنا الشيباني، قال: ثنا عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: سمعت ميمونة، تقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض أمرها فاتزرت».
صفحه نامشخص