جامع البيان في تفسير القرآن

طبری d. 310 AH
235

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

خضب ما أنف خاطب بدم

ورغم أنه يعني: خضب أنف خاطب بدم، وأن «ما» زائدة. وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في «ما» في الآية، وفي البيت الذي أنشده، وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت «ما» كلمة تجمع كل الأشياء ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها. وهذا القول عندنا أولى بالصواب لأن زيادة «ما» لا تفيد من الكلام معنى في الكلام غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه. ولعل قائلا أن يقول: هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون من الإيمان قليل أو كثير فيقال فيهم فقليلا ما يؤمنون؟ قيل: إن معنى الإيمان هو التصديق، وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله وبالبعث والثواب والعقاب، وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به لأنه في كتبهم، ومما جاءهم به موسى فصدقوا ببعض هو ذلك القليل من إيمانهم، وكذبوا ببعض فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به. وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قيل: { فقليلا ما يؤمنون } وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط، وقد روي عنها سماعا منها: مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل، يعني: ما تنبت غير الكراث والبصل، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة، والمعنى فيه نفي جميعه.

[2.89]

يعني جل ثناؤه بقوله: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم }: ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم، { كتاب من عند الله } يعني بالكتاب: القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، { مصدق لما معهم } يعني مصدق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم } وهو القرآن الذي أنزل على محمد مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم } وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل. القول في تأويل قوله تعالى: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به }. يعني بقوله جل ثناؤه: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } أي وكان هؤلاء اليهود الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان، كفروا به يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الاستفتاح: الاستنصار يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه أي من قبل أن يبعث. كما: حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة، يعني: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية، ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون: إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قتل عاد وإرم فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. يقول الله: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به }. حدثنا بن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته.

فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين }. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، مثله. حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } يقول: يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يعني بذلك أهل الكتاب فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه. وحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي في قول الله: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } قال: اليهود، كانوا يقولون: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس { يستفتحون } يستنصرون به على الناس. حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، على عن الأزدي وهو البارقي في قول الله جل ثناؤه: { وكانوا من قبل يستفتحون } فذكر مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } كانت اليهود تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به }. حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم فلما بعث الله محمدا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين }. حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في التوراة، ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلوا معه العرب فلما جاءهم محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } قال: كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجون أن يكون منهم. فلما خرج ورأوه ليس منهم كفروا، وقد عرفوا أنه الحق وأنه النبي. قال: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين }. قال: حدثنا ابن جريج، وقال مجاهد: يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم تقول أنه يخرج، { فلما جاءهم ما عرفوا } وكان من غيرهم، { كفروا به }. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: وقال ابن عباس: كانوا يستفتحون على كفار العرب. حدثني المثنى، قال: حدثني الحماني، قال: حدثني شريك، عن أبي الحجاب، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير قوله: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } قال: هم اليهود عرفوا محمدا أنه نبي، وكفروا به. حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } قال: كانوا يستظهرون يقولون نحن نعين محمدا عليهم، وليسوا كذلك يكذبون. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله عز وجل: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } قال: كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون: أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى أحمد لكان لنا عليكم. وكانوا يظنون أنه منهم والعرب حولهم، وكانوا يستفتحون عليهم به ويستنصرون به { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وحسدوه. وقرأ قول الله جل ثناؤه:

كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق

[البقرة: 109] قال: قد تبين لهم أنه رسول، فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج. فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم }؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في جوابه، فقال بعضهم: هو مما ترك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن. وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة فتحذف أجوبتها لاستغناء سامعيها بمعرفتهم بمعناها عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه:

ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا

[الرعد: 31] فترك جوابه. والمعنى: «ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن» استغناء بعلم السامعين بمعناه. قالوا: فكذلك قوله: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم }. وقال آخرون: جواب قوله: { ولما جاءهم كتاب من عند الله } في «الفاء» التي في قوله: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وجواب الجزاءين في «كفروا به» كقولك: لما قمت فلما جئتنا أحسنت، بمعنى: لما جئتنا إذ قمت أحسنت. القول في تأويل قوله تعالى: { فلعنة الله على الكافرين }. قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة وعلى معنى الكفر، بما فيه الكفاية. فمعنى الآية: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه المنكرين، لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود بما أخبر الله عنهم بقوله: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد قيام الحجة بنبوته عليهم وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم.

صفحه نامشخص