1170

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

وقد تأولت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى: «فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان» أنهما رجلان آخران من المسلمين، أو رجلان أعدل من المقسمين الأولين. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن شريح في هذه الآية:

يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم

قال: إذا كان الرجل بأرض غربة، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان، فشهدا بخلاف شهادتهم، أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فإن عثر } أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: كان ابن عباس يقرأ: «من الذين استحق عليهم الأولين» قال: كيف يكون «الأوليان»، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين؟ حدثنا هناد وابن وكيع، قال: ثنا عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان يقرأ: «من الذين استحق عليهم الأولين» قال: وقال: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين، كيف يقومان مقامهما؟ قال الإمام أبو جعفر: فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانيين، أو عدلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأولين أو المقسمين. وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى: { فآخران يقومان مقامهما } أولى به. وأما قوله { الأوليان } فإن معناه عندنا: الأولى بالميت من المقسمين الأولين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف «فيهما» والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضا إذا كان جوابا لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك. وقال ابن زيد: معنى ذلك: الأوليان بالميت. حدثني يونس، عن ابن وهب، عنه.

القول في تأويل قوله تعالى: { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهم وما اعتدينا إنا إذن لمن الظالمين }. يقول تعالى ذكره: فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما بخيانتهما مال الميت الأوليان باليمين والميت من الخائنين: { لشهادتنا أحق من شهادتهما } يقول: لأيماننا أحق من أيمان المقسمين المستحقين الإثم وأيمانهما الكاذبة في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميتنا، وكذا في أيمانهما التي حلفا بها. { وما اعتدينا } يقول: وما تجاوزنا الحق في أيماننا. وقد بينا أن معنى الاعتداء: المجاوزة في الشيء حده. { إنا إذن لمن الظالمين } يقول: إنا إن كنا اعتدينا في أيماننا، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين، { لمن الظالمين } يقول: لممن عدا ومن يأخذ ما ليس له أخذه، ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس.

[5.108]

يعني تعالى ذكره بقوله: { ذلك }: هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء إذا ارتبتم في أمرهم واتهمتموهم بخيانة المال من أوصى إليهم من حبسهم بعد الصلاة، واستحلافكم إياهم على ما ادعى قبلهم أولياء الميت { أدنى لهم أن يأتوا بالشهادة على وجهها } يقول: هذا الفعل إذا فعلتم بهم أقرب لهم أن يصدقوا في أيمانهم، ولا يكتموا، ويقروا بالحق، ولا يخونوا. { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } يقول أو يخافوا هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقوا إثما في أيمانهم بالله، أن ترد أيمانهم على أولياء الميت بعد أيمانهم التي عثر عليها أنها كذب، فيستحقوا بها ما ادعوا قبلهم من حقوقهم، فيصدقوا حينئذ في أيمانهم وشهادتهم مخافة الفضيحة على أنفسهم وحذرا أن يستحق عليهم ما خانوا فيه أولياء الميت وورثته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وقد تقدمت الرواية بذلك عن بعضهم، نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعض من بقي منهم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:

فإن عثر على أنهما استحقا إثما

يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا،

فآخران يقومان مقامهما

يقول: من الأولياء، فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم. وليس على شهود المسلمين إقسام، وإنما الإقسام إذا كانوا كافرين. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة }... الآية، يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم، وأن يخافوا العقاب. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } قال: فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمان هؤلاء. وقال آخرون: معنى ذلك: تحبسونهما من بعد الصلاة، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، وعلى أنهما استحقا إثما، فآخران يقومان مقامهما. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم أجز لكما شهادة وعاقبتكما. فإن قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.

صفحه نامشخص

جامع البيان في تفسير القرآن | اصول