جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
يقول تعالى ذكره: أقسم لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص وتوحيدنا، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه وأرسلنا إليهم بذلك رسلا، ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيل من الثواب، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديد من العقاب، كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبتهم كذبوا منهم فريقا ويقتلون منهم فريقا، نقضا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجراءة علينا وعلى خلاف أمرنا.
[5.71]
يقول تعالى: وظن هؤلاء الإسرائيليون الذين وصف تعالى ذكره صفتهم أنه أخذ ميثاقهم وأنه أرسل إليهم رسلا، وأنهم كانوا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبار بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون. { فعموا وصموا } يقول: فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي بحسبانهم ذلك وظنهم، وصموا عنه. ثم تبت عليهم، يقول: ثم هديتهم بلطف مني لهم، حتى أنابوا ورجعوا عما كانوا عليهم من معاصي وخلاف أمري، والعمل بما أكرهه منهم إلى العمل بما أحبه، والانتهاء إلى طاعتي وأمري ونهيي. { ثم عموا وصموا كثير منهم } يقول: ثم عموا أيضا عن الحق والوفاء بميثاقي الذي أخذته عليهم من العمل بطاعتي والانتهاء إلى أمري واجتناب معاصي، { وصموا كثير منهم } يقول: عمي كثير من هؤلاء الذين كنت أخذت ميثاقهم من بني إسرائيل باتباع رسلي والعمل بما أنزلت إليهم من كتبي عن الحق، وصموا بعد توبتي عليهم واستنقاذي إياهم من الهلكة. { والله بصير بما يعملون } يقول: بصير فيرى أعمالهم خيرها وشرها، فيجازيهم يوم القيامة بجميعها، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وحسبوا أن لا تكون فتنة }...الآية، يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاء فعموا وصموا، كلما عرض بلاء ابتلوا به هلكوا فيه. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا } يقول: حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الحق وصموا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مبارك، عن الحسن: { وحسبوا أن لا تكون فتنة } قال بلاء. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { وحسبوا أن لا تكون فتنة } قال: الشرك. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا } قال: اليهود. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد: { فعموا وصموا } قال: يهود. قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال: هذه الآية لبني إسرائيل. قال: والفتنة: البلاء والتمحيص.
[5.72]
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن بعض ما فتن به الإسرائيليين الذين أخبر عنهم أنهم حسبوا أن لا تكون فتنة. يقول تعالى ذكره: فكان مما ابتليتهم واختبرتهم به فنقضوا فيه ميثاقي وغيروا عهدي الذي كنت أخذته عليهم، بأن لا يعبدوا سواي ولا يتخذوا ربا غيري، وأن يوحدوني، وينتهوا إلى طاعتي عبدي عيسى ابن مريم، فإني خلقته وأجريت على يده نحو الذي أجريت على يد كثير من رسلي، فقالوا كفرا منهم: هو الله. وهذا قول اليعقوبية من النصارى، عليهم غضب الله يقول الله تعالى ذكره: فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به أشركوا بي قالوا لخلق من خلقي وعبد مثلهم من عبيدي وبشر نحوهم معروف نسبه وأصله مولود من البشر يدعوهم إلى توحيدي ويأمرهم بعبادتي وطاعتي ويقر لهم بأني ربه وربهم وينهاهم عن أن يشركوا بي شيئا، هو إلههم جهلا منهم الله وكفرا به، ولا ينبغي لله أن يكون والدا ولا مولودا. ويعني بقوله: { وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } يقول: اجعلوا العبادة والتذلل للذي له يذل كل شيء وله يخضع كل موجود، ربي وربكم، يقول: مالكي ومالككم، وسيدي وسيدكم، الذي خلقني وإياكم. { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } أن يسكنها في الآخرة، { ومأواه النار } يقول: ومرجعه ومكانه الذي يأوي إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكا في عبادته نار جهنم. { وما للظالمين } يقول: وليس لمن فعل غير ما أباح الله له وعبد غير الذي له عبادة الخلق، { من أنصار } ينصرونه يوم القيامة من الله، فينقذونه منه إذا أورده جهنم.
[5.73]
وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل أنه لما ابتلاهم بعد حسبانهم أنهم لا يبتلون ولا يفتنون، قالوا كفرا بربهم وشركا: الله ثالث ثلاثة. وهذا قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكانية والنسطورية، كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبا والدا غير مولود، وابنا مولودا غير والد، وزوجا متتبعة بينهما. يقول الله تعالى ذكره مكذبا لهم فيما قالوا من ذلك: { وما من إله إلا إله واحد } يقول: ما لكم معبود أيها الناس إلا معبود واحد، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود، بل هو خالق كل والد ومولود. { وإن لم ينتهوا عما يقولون } يقول: إن لم ينتهوا قائلوا هذه المقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة، { ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } يقول: ليمسن الذين يقولون هذه المقالة، والذين يقولون المقالة الأخرى هو المسيح ابن مريم لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم. ولم يقل: «ليمسنهم عذاب أليم»، لأن ذلك لو قيل كذلك صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصا لقائل القول الثاني، وهم القائلون: الله ثالث ثلاثة، ولم يدخل فيهم القائلون: المسيح هو الله. فعم بالوعيد تعالى ذكره كل كافر، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله وقد شمل كلا الفريقين من بين إسرائيل ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه. فإن قال قائل: وإن كان الأمر على ما وصفت فعلى من عادت الهاء والميم اللتان في قوله: «منهم»؟ قيل: على بني إسرائيل. فتأويل الكلام إذ ان الأمر على ما وصفنا: وإن لم ينته هؤلاء الإسرائيليون عما يقولون في الله من عظيم القول، ليمسن الذين يقولون منهم إن المسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكل كافر سلك سبيلهم عذاب أليم بكفرهم بالله. وقد قال جماعة من أهل التأويل بنحو قولنا في أنه عنى بهذه الآيات: النصارى. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } قال: قالت النصارى: هو المسيح وأمه، فذلك قول الله تعالى:
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } نحوه.
[5.74]
صفحه نامشخص