1117

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

يعني تعالى ذكره بقوله: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، { وما أنزل إليهم من ربهم } يقول: وعملوا بما أنزل إليهم من ربهم من الفرقان الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب ونسخ بعضها بعضا؟ قيل: وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متفقة في الأمر بالإيمان برسل الله والتصديق بما جاءت به من عند الله فمعنى إقامتهم التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم تصديقهم بما فيها والعمل بما هي متفقة فيه وكل واحد منها في الخبر الذي فرض العمل به. وأما معنى قوله: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } فإنه يعني: لأنزل الله عليهم من السماء قطرها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها فأخرج ثمارها. وأما قوله: { ومن تحت أرجلهم } فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من بركة ما تحت أقدامهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حبها ونباتها وثمارها، وسائر ما يؤكل مما تخرجه الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم } يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارا. { ومن تحت أرجلهم }: تخرج الأرض بركتها. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } يقول: إذا لأعطتهم السماء بركتها والأرض نباتها. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } يقول: لو عملوا بما أنزل إليهم مما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنزلنا عليهم المطر فأنبت الثمر. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم } أما إقامتهم التوراة: فالعمل بها، وأما ما أنزل إليهم من ربهم: فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه. يقول: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } أما من فوقهم: فأرسلت عليهم مطرا، وأما من تحت أرجلهم، يقول: لأنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } قال: بركات السماء والأرض.

قال ابن جريج: لأكلوا من فوقهم المطر، ومن تحت أرجلهم من نبات الأرض. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { من فوقهم ومن تحت أرجلهم } يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينزل من السماء، { ومن تحت أرجلهم } يقول: من الأرض. وكان بعضهم يقول: إنما أريد بقوله: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } التوسعة، كما يقول القائل: هو في خير من فرقه إلى قدمه. وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيدا على فساده. القول في تأويل قوله تعالى: { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون }. يعني تعالى ذكره بقوله: { منهم أمة }: منهم جماعة. { مقتصدة } يقول: مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم قائلة فيه الحق إنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غالية قائلة إنه ابن الله، تعالى عما قالوا من ذلك ولا مقصرة قائلة هو لغير رشدة. { وكثير منهم } يعني من بني إسرائيل من أهل الكتاب، اليهود والنصارى. { ساء ما يعملون } يقول: كثير منهم سيىء عملهم، وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وتزعم أن المسيح ابن الله، وتكذب اليهود بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما، فقال الله تعالى فيهم ذاما لهم: { ساء ما يعملون } في ذلك من فعلهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { منهم أمة مقتصدة } وهم مسلمة أهل الكتاب { وكثير منهم ساء ما يعملون }. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: ثنا عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا يقول: تفرقت بنو إسرائيل فرقا، فقالت فرقة: عيسى هو ابن الله، وقالت فرقة: هو الله، وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه وهي المقتصدة، وهي مسلمة أهل الكتاب. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: { منهم أمة مقتصدة }: يقول: على كتابه وأمره. ثم ذم أكثر القوم، فقال: { وكثير منهم ساء ما يعملون }. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { منهم أمة مقتصدة } يقول: مؤمنة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } قال: المقتصدة أهل طاعة الله. قال: وهؤلاء أهل الكتاب. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } قال: فهذه الأمة المقتصدة الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا. قال: والغلو: الرغبة، والفسق: التقصير عنه.

[5.67]

وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قص الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجتراءهم على ربهم وتوثبهم على أنبيائهم وتبديلهم كتابه وتحريفهم إياه ورداءة مطامعهم ومآكلهم وسائر المشركين غيرهم، ما أنزل عليه فيهم من معايبهم والإزراء عليهم والتقصير بهم والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذرا منهم أن يصيبه في نفسه مكروه، ما قام فيهم بأمر الله، ولا جزعا من كثرة عددهم وقلة عدد من معه، وأن لا يتقى أحدا في ذات الله، فإن الله تعالى كافيه كل أحد من خلقه، ودافع عنه مكروه كل من يتقي مكروهه. وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصر عن إبلاغ شيء مما أنزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك وإن قل ما لم يبلغ منه، فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذنب بمنزلته لو لم يبلغ من تنزيله شيئا. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } يعني: إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلغ رسالتي. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }... الآية، أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت فقال:

" والله لأبدين عقبي للناس ما صاحبتهم "

حدثني الحارث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد، قال: لما نزلت: { بلغ ما أنزل إليك من ربك } قال:

" إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجتمع علي الناس "

فنزلت: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }... الآية. حدثنا هناد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا تحرسوني إن ربي قد عصمني "

حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت: { والله يعصمك من الناس } خرج فقال:

صفحه نامشخص