1055

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

وكم من ماجد لهم كريم

ومن ليث يعزز في الندي

وكان الفراء يقول: العزر الرد عزرته رددته: إذا رأيته يظلم، فقلت: اتق الله أو نهيته، فذلك العزر. وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: نصرتموهم، وذلك أن الله جل ثناؤه قال في سورة الفتح:

إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه

[الفتح: 8-9]. فالتوقير: هو التعظيم. وإذا كان ذلك كذلك، كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه التعظيم، وكان النصر قد يكون باليد واللسان فأما باليد فالذب بها عنه بالسيف وغيره، وأما باللسان فحسن الثناء، والذب عن العرض، صح أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كل قائل قال فيه قولا مما حكينا عنه. وأما قوله: { وأقرضتم الله قرضا حسنا } فإنه يقول: وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم، { قرضا حسنا } يقول: وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدود الله وما ندبكم إليه وحثكم عليه إلى غيره. فإن قال لنا قائل: وكيف قال: { وأقرضتم الله قرضا حسنا } ولم يقل: إقراضا حسنا، وقد علمت أن مصدر أقرضت: الإقراض؟ قيل: لو قيل ذلك كان صوابا، ولكن قوله: { قرضا حسنا } أخرج مصدرا من معناه لا من لفظه، وذلك أن في قوله: أقرض معنى قرض، كما في معنى أعطى أخذ، فكان معنى الكلام: وقرضتم الله قرضا حسنا، ونظير ذلك: والله أنبتكم من الأرض نباتا إذ كان في أنبتكم معنى فنبتم، وكما قال امرؤ القيس:

ورضت فذلت صعبة أي إذلال

إذ كان في رضت معنى أذللت، فخرج الإذلال مصدرا من معناه لا من لفظه. القول في تأويل قوله تعالى: { لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار }. يعني جل ثناؤه بذلك بني إسرائيل، يقول لهم جل ثناؤه: لئن أقمتم الصلاة أيها القوم الذين أعطوني ميثاقهم بالوفاء بطاعتي، واتباع أمري، وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائر ما وعدتكم عليه جنتي { لأكفرن عنكم سيئاتكم } يقول: لأغطين بعفوي عنكم وصفحي عن عقوبتكم، على سالف إجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم { ولأدخلنكم } مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة { جنات تجري من تحتها الأنهار } فالجنات: البساتين.

وإنما قلت: معنى قوله: { لأكفرن }: لأغطين، لأن الكفر معناه الجحود والتغطية والستر، كما قال لبيد:

في ليلة كفر النجوم غمامها

يعني: «غطاها».فالتكفير التفعيل من الكفر. واختلف أهل العربية في معنى «اللام» التي في قوله: { لأكفرن } فقال بعض نحويي البصرة: اللام الأولى على معنى القسم، يعني اللام التي في قوله: { لئن أقمتم الصلاة } قال: والثانية معنى قسم آخر. وقال بعض نحويي الكوفة: بل اللام الأولى وقعت موقع اليمين، فاكتفى بها عن اليمين، يعني باللام الأولى: لئن أقمتم الصلاة. قال: واللام الثانية، يعني قوله: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } جواب لها، يعني للام التي في قوله: { لئن أقمتم الصلاة }. واعتل لقيله ذلك بأن قوله: { لئن أقمتم الصلاة } غير تام ولا مستغن عن قوله: { لأكفرن عنكم سيئاتكم }. وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يكون قوله: { لأكفرن عنكم سيئاتكم قسما مبتدأ، بل الواجب أن يكون جوابا لليمين إذ كانت غير مستغنية عنه. وقوله: { تجري من تحتها الأنهار } يقول: يجري من تحت أشجار هذه البساتين التي أدخلكموها الأنهار. القول في تأويل قوله تعالى: { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل }. يقول عز ذكره: فمن جحد منكم يا معشر بني إسرائيل شيئا مما أمرته به، فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي، { فقد ضل سواء السبيل } يقول: فقد أخطأ قصد الطريق الواضح، وزل عن منهج السبيل القاصد. والضلال: الركوب على غير هدى وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. وقوله: { سواء } يعني به: وسط السبيل، وقد بينا تأويل ذلك كله في غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

صفحه نامشخص