1035

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

وينزل من السمآء من جبال فيها من برد

[النور: 43]. قال: وهو فيما فسر: وينزل من السماء جبالا فيها برد. قال: وقال بعضهم: وينزل من السماء من جبال فيها من برد أي من السماء من برد، بجعل الجبال من برد في السماء، وبجعل الإنزال منها. وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول: لم تدخل «من» إلا لمعنى مفهوم لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به، وذلك أنها دالة على التبعيض. وكان يقول: معنى قولهم: «قد كان من مطر، وكان من حديث»: هل كان من مطر مطر عندكم، وهل من حديث حديث عندكم. ويقول: معنى ويكفر عنكم من سيئاتكم أي ويكفر عنكم من سيئاتكم ما يشاء ويريد، وفي قوله: وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيجيز حذف «من» من برد ولا يجيز حذفها من «الجبال»، ويتأول معنى ذلك: وينزل من السماء أمثال جبال برد، ثم أدخلت «من» في البرد، لأن البرد مفسر عنده عن الأمثال: أعني: أمثال الجبال، وقد أقيمت الجبال مقام الأمثال، والجبال وهي جبال برد، فلا يجيز حذف «من» من الجبال، لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد، وأجاز حذف «من» من «البرد»، لأن «البرد» مفسر عن الأمثال، كما تقول: عندي رطلان زيتا، وعندي رطلان من زيت، وليس عندك الرطل وإنما عندك المقدار، ف«من» تدخل في المفسر وتخرج منه.

وكذلك عند قائل هذا القول: من السماء، من أمثال جبال، وليس بجبال. وقال: وإن كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالا، ثم حذف «الجبال» الثانية و«الجبال» الأول في السماء جاز، تقول: أكلت من الطعام، تريد: أكلت من الطعام طعاما، ثم تحذف الطعام ولا تسقط «من». والصواب من القول في ذلك، أن «من» لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم، وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام عليها، فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها، فذلك قد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صح من الكلام. ومعنى دخولها في قوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم } للتبعيض إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه وحرم عليهم فرثه ودمه، فقال جل ثناؤه: { فكلوا مما أمسكن عليكم } جوارحكم الطيبات التي أحللت لكم من لحومها دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك مما لم أطيبه لكم، فذلك معنى دخول «من» في ذلك. وأما قوله:

ويكفر عنكم من سيئاتكم

[البقرة: 271] فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وأما دخولها في قوله:

وينزل من السمآء من جبال

[النور: 43] فسنبينه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: { واذكروا اسم الله عليه }. يعني جل ثناؤه بقوله: { واذكروا اسم الله } على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد. كما: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { واذكروا اسم الله عليه } يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله، وإن نسيت فلاحرج. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي ، قوله: { واذكروا اسم الله عليه } قال: إذا أرسلته فسم عليه حين ترسله على الصيد. القول في تأويل قوله تعالى: { واتقوا الله إن الله سريع الحساب }. يعني جل ثناؤه: واتقوا الله أيها الناس فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه، وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلمة أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها، أو تطعموا ما لم يسم الله عليه من الصيد والذبائح مما صاده أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوحد الله من خلقه، أو ذبحوه، فإن الله قد حرم ذلك عليكم فاجتنبوه. ثم خوفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره فقال: اعلموا أن الله سريع حسابه لمن حاسبه على نعمته عليه منكم وشكر الشاكر منكم ربه، على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى، لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم فيحيط به، لا يخفى عليه منه شيء، فيجازي المطيع منكم بطاعته والعاصي بمعصيته، وقد بين لكم جزاء الفريقين.

[5.5]

يعني جل ثناؤه بقوله: { اليوم أحل لكم الطيبات }: اليوم أحل لكم أيها المؤمنون الحلال من الذبائح والمطاعم، دون الخبائث منها. قوله: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل، وأنزل عليهم، فدانوا بهما أو بأحدهما { حل لكم } يقول: حلال لكم أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام، فإن من لم يكن منهم ممن أقر بتوحيد الله عز ذكره ودان دين أهل الكتاب، فحرام عليكم ذبائحهم. ثم اختلف فيمن عنى الله عز ذكره بقوله: { وطعام الذين أوتوا الكتاب } من أهل الكتاب، فقال بعضهم: عنى الله بذلك ذبيحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والإنجيل، أو ممن دخل في ملتهم فدان دينهم وحرم ما حرموا وحلل ما حللوا منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنا عكرمة، قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقرأ هذه الآية:

يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود

صفحه نامشخص