618

جلیس صالح

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

ویرایشگر

عبد الكريم سامي الجندي

ناشر

دار الكتب العلمية

ویراست

الأولى ١٤٢٦ هـ

سال انتشار

٢٠٠٥ م

محل انتشار

بيروت - لبنان

جَبَلَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا أَكْثَرَ فُقَهَاءَهُمْ وقلَّل جُهَّالَهُمْ، حَتَّى إِذَا تكلَّم الْعَالِمُ وَجَدَ أَعْوَانًا، وَإِذَا تكلَّم الْجَاهِلُ قُهِرَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا كَثَّرَ جُهَّالَهُمْ، وَقَلَّلَ فُقَهَاءَهُمْ، حَتَّى إِذَا تكلَّم الْجَاهِلُ وَجَدَ أَعْوَانًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَقِيهُ قُهِرَ ".
قَالَ الْقَاضِي: قَدْ وَرَدَ عَنِ النبيِّ ﷺ نَظِيرُ مَا أَتَى بِهِ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طرقٍ كَثِيرَةٍ بألفاظٍ مختلفةٍ فِي صُوَرِهَا مُتَّفِقَةٍ فِي مَعَانِيهَا، وممَّا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ إِخْبَارُهُ أنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَقَدْ فَشَا هَذَا الأَمْرُ الْمُنْكَرُ الْمَذْمُومُ فِي زَمَانِنَا وَصَارَ الْجَاهِلُ فِيهِ مقدَّمًا مَتْبُوعًا، وَالْعَالِمُ الْمُتَقَدِّمُ فِي عِلْمِهِ مقصيًّا حتّى يتسرَّع إِلَى الْفُتْيَا فِي الدِّينِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَمْ يُعْنَ بِدِرَاسَةِ الْفِقْهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ بِمُجَالَسَةِ أَهْلِهِ، وَلا مُجَاثَاةِ الْخُصُومِ فِيمَا اخْتلف أيمة الْفِقْهِ فِيهِ، وَمُنَاظَرَتِهِمْ وَمُجَارَاتِهِمْ وَمُذَاكَرَتِهِمْ. وَسَالَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ المضلَّلة الْمُحْتَقَرَةُ الْمُسْتَرْذَلَةُ بَعْضَ مَنْ قَدِ اشْتُهِرَ طَلَبُهُ لِلْعِلْمِ وَمُذَاكَرَتُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَاتِّفَاقُ أَصْحَابٍ لَهُ يَأْخُذُونَ عَنهُ ويرجعون إِلَى تَلْخِيصِهِ الْمُشْكِلِ مِنْهُ لاخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَمُعَاشَرَتُهُمْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمُمَالأَةُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ عَلَى مَا يُؤْثِرُهُ، وَوُقُوفُ كلِّ حزبٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا يَرْغَبُ عَنْهُ ذُو الدِّينِ وَيُنْكِرُهُ، فَصَارُوا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي قَالَ فِي أَهْلِهِ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: افْتَضَحُوا فَاصْطَلَحُوا، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:؟؟؟؟؟؟؟؟ ذَهَبَ الرِّجَالُ الْمُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ وَالْمُنْكِرُونَ لكلَّ أمرٍ مُنْكَرِ
وَبَقِيتُ فِي خلفٍ يزيِّن بَعْضُهُمْ ... بَعْضًا لِيَدْفَعَ مُعْوِرٌ عَنْ مُعْوِرِ
وَلَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلا اسْتَفْتَى بَعْضَ أَهْلِ زَمَانِنَا فِي شيءٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خصمٍ لَهُ، فَأَفْتَاهُ بِمَا فِيهِ حجَّةٌ لَهُ فِيمَا استفتاء عَنهُ، وَإِنْكَارا عَلَى خَصْمِهِ مَا حَاوَلَ مُنَازَعَتَهُ فِيهِ، فَلَمَّا ولَّى لَقِيَهُ بَعْضُ أَنْسِبَاءِ الْخَصْمِ الْمُسْتَفْتَى عَلَيْهِ فَأَخَذَ صَحِيفَةَ الْفُتْيَا مِنْ يَدِهِ وَأَخْبَرَ الْمُفْتِي أَن ذَلِك أستفتاه المستفتي فِيهِ شيءٌ همَّ الْخُصُومُ فِيهِ، وَمَا أَفْتَى بِهِ ممَّا يَكْرَهُونَهُ ويستضرُّون بِهِ، فَارْتَجَعَ الْفُتْيَا مِنْ صَاحِبِهَا، وَأَلْحَقَ بِهَا مَا عَادَ عَلَى فُتْيَاهُ الأُولَى فَنَقَضَهَا وَقَلبَهَا عَنْ جِهَتِهَا. وَلَنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ كلامٌ قَدْ أَثْبَتُّهُ وَوَصَلْتُهُ بِأَبْيَاتٍ حَضَرَتْنِي، وَأَوْدَعْتُ ذَلِكَ كِتَابِي المسمَّى " تَذْكِيرُ الْعَاقِلِينَ وَتَحْذِيرُ الْغَافِلِينَ " وَالأَبْيَاتُ:
تَسَالَمُ الْقَوْمَ لَمَّا ... عَادُوا دُعَاةَ السَّلامه
تَفَاسُدُوا ثُمَّ أَبْدَوْا ... صُلْحًا بِغَيْرِ اسْتِقَامَهْ
والصُّلح مَا لَمْ يُهَذِّبْ ... عداوةٌ مُسْتَدَامَهْ
وكلُّ ودٍّ سقيمٍ ... فَمُنْتَهَاهُ النَّدَامَةْ
أول من قَالَ برح الخفاء
حدَّثنا مُحَمَّدُ بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ: أَخْبرنِي عمي عَنْ أَبِيه عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: كَانَ

1 / 622