14
ويمضي ابن حيان في حديثه هذا فيقول: إننا إذ نقول عن الطبائع الأولية إنها لا توجد وعن الجوهر إنه لا يوجد، فما ذاك إلا لأن كلا منها لا يوجد منفردا، ولا يرى منفردا؛ وإذا حسبنا أنه لا وزن له، فذلك للطافته ودقته؛ وأما أن نسمع فلاسفة يعدمون هذه الأشياء وزنها ووجودها ورؤيتها فذلك قول منهم بلغ من الخطأ أقصاه.
وأما الكمية فهي الحاصرة المشتملة على كل ما نقوله عن المقدار العددي لشيء ما، وعن الأعداد بصفة مطلقة، كأن تقول: إن عددا مساو لعدد، أو إن عددا مخالف لعدد، مع تطبيق هذا التساوي والاختلاف العدديين على الأوزان والمكاييل وما إلى ذلك.
وأما الكيفية فهي التي تتناول الشيء من حيث كونه طويلا أو قصيرا، منحرفا أو قائما، حارا أو باردا، وسائر ما فيه من صفات؛ فلئن كان الكم منوطا بمقداره، فالكيف منوط بأوصافه؛ فإذا سألنا عن الأول سألنا بكلمة: كم؟ وإذا سألنا عن الثاني سألنا بكلمة: كيف؟ فإذا سألت عن إنسان: كم هو؟ كان الجواب: هو واحد، أو سألت كم يكون وزنه؟ قيل لك إنه كذا وكذا رطلا؛ أما إذا سألت عنه بقولك: كيف هو؟ كان الجواب: هو يقوم ويقعد ويتكلم ويضحك، وهو أسمر أو أبيض أو أسود أو أحد الألوان، وله شعر وله جلد وله عروق ... فما كان من صفة دخل تحت الكيفية، وما كان من مقدار دخل تحت الكمية.
15 «وأما الزمان فهو الذي يقطع به من حال إلى حال؛ مثل أن تكون قاعدا فأنت في زمانك قاعد ثم تقوم، فذلك الذي منه ابتداء قيامك من جلوسك هو الزمان، وهو واحد ما دمت قائما، وإذا جلست فهو أيضا زمان وأنت فيه؛ والزمان واحد.»
16
فليس اختلاف أزمنة الحوادث في الأشياء المختلفة بمقتضى التعدد في الزمان من حيث طبيعته؛ إذ هو زمان واحد وفيه يحدث التغير من حال إلى أخرى؛ وللزمان كم وكيف، فكميته هي التي يجاب بها عن مثل سؤالنا: كم مقدار ما كان زيد قاعدا؟ وأما في الكيف فهو أن تقول: كان الزمان حارا أو باردا؛ ولذلك وجب أن نقدم الكم والكيف على الزمان والمكان.
17 «وأما المكان فهو الذي ليس يخلو شيء من أن يكون في مكان بتة.»
18
فلا مندوحة للشيء عن أن يكون في موضع ما حتى يتاح له أن يحمل هذه الصفة أو تلك. (4) خمسة فروض لتركيب الكائنات
صفحه نامشخص