اضهار العصر لأسرار أهل العصر
Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وكنت يوم الجمعة حادي عشر الشهر، لما عملت الميعاد في الجامع الظاهري بالحسينية في قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا}[الأنعام:136]، وكان ختامه: { إن الله لا يهدي القوم الظالمين}[الأنعام:144]، وكانت عادتي أن أختم الميعاد بما تيسر من الدعاء ففاض على لساني من الدعاء على الظلمة، ما لم يكن خطر لي قبل ذلك الحين، وطال الأمر فيه، وعلتني كينة ووقار مع أني كنت كأني منذر جيش، علا صوتي، واشتد غضبين واستحضرت أذى الأجلاب للناس، واستحسان الأكابر، السلطان فمن دونه عليهم، فعظمت الرغبة، وصدق التوجه، وضج الناس بالتأمين، فكانت ساعة مشهودة، وكان من جملة ذلك أن قلت: «اللهم، إنه قد زاد الأمر وطغى واشتد الخطب وبغى، اللهم، وإنهم لا يعجزونك، قد أهلكت قوم نوح، وكانوا أقوى أمرا، وأعظم جمعا، ثم أهلكت عادا وكانوا أشد أبدانا، وأقوى قلوبا، وأعظم أجسادا، وأهلكت من بعدهم ولم تغن عنهم جموعهم، ولا نفعتهم حصونهم، ولا دروعهم، اللهم، فأنزل عليهم سطوتك وبأسك ونقمتك، اللهم، زلزل بهم ودقهم دق البيض على الصفا». ونحو هذا من الكلام، فغلب على ظني أنه مستجاب؛ فإنه كان يكاد أن يكون من غير صنيع مني، وأنه أمر رباني أجراه على لساني لأمر قضاه، وحكم قدره وأمضاه، فلم تمض جمعة حتى ألقى الله بأس الأجلاب بينهم، واستمرت الحرب بينهم قائمة، وسبب ذلك على ما قيل: أنهم اختلفوا في قيص النفقة عليهم، فاقتتلوا يوم الأربعاء سادس عشري هذا الشهر، فقتل بينهم واحد أو اكثر على ما قيل، وكثرت الجراحات، وعجز السلطان في الإصلاح بينهم، واستمرت الحرب بينهم قائمة، وسبب ذلك على ما قيل: أنهم اختلفوا في قبض النفقة عليه من وقيل: بل في اثنين جاؤوا في هذه السنة فأراد بعضهم كونهما عندهم، وأراد آخرون ذلك، فأدى الحال ببعضهم إلى أن ضربوا نائب مقدم المماليك إلى أن أشفى على الموت، فتعصب له ناس منهم، فشرى الأمر وانتشر الحرب، اللهم فأشغلهم عنا بأنفسهم، وألق بأسهم بينهم، وأعذنا من شر حربهم وسلمهم آمين، ثم طلب السلطان يوم الأحد سلخ الشهر ذينك المملوكين، فأرسلهما إلى ولده، فسكنت الفتنة.
صفحه ۲۲