292

اضهار العصر لأسرار أهل العصر

Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr

ژانرها
General History
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان

وفي بكرة يوم الخميس هذا طلع الشيخ المعتقد، أحمد العداس الدمشقي، أحد الأمارين بالمعروف بالشام على يد ناظر الخاص الجمال يوسف، فأكرمه السلطان، وأحله، ورفع رتبته ومحله، وقال له: الأمر بالمعروف ركن الدين، الذي لم يقم إلا بهن فلا تتهاون فيه، مهما صعب عليك أعلمني به؛ لأبعث لك مراسيم بما يشد عضدك، ويقوي أمرك هذا معنى ما قال بكثير من ألفاظه، فكتبت للشاميين أعلمهم بذلك؛ لما لهم إليه من التشوق، ووجهت الخطاب إلى قاضي الشافعية، الجمال الباعوني، فحكيت لهم مجلسه مع السلطان، وقلت: «فنظر بعينه، وسمع ما تكلم به من فمه بإذنه موافقا كما كنت أخبره عنه، مما يكذب ما أشاعه الفسقة، من أنه قال: دعوا الناس يفعلون ما أرادوا، وأمر بأن يكتب له ما أراد من المراسيم فكان مما كتب له مرسوم بما سئل في تلك القصة السالفة، من الأمر بالمعروف، وكان ذلك بحضرة أعيان العسكر، في إيوان الدهيشة، وأطال معه الكلام، وأمره بالجلوس، بعد أن قام لينصرف، وما أبقى من الأفعال والأقوال الدامغة لمن أشاع تلك الأكذوبة عنه ممكنا، وبالله أقسم ما أشاعها إلا الذي نادى برفيع صوته، يوم أحد ألا إن محمدا قد قتل، والمرجو من المليك الديان، العزيز الجبار، أن يجعل أمره إلى بوار، وإجلابه بخيله ورجله إلى إدبار، فالله الله في الاعتناء بأمر هذا المرسوم، وجمع جميع الحكام لسماعه بقراءة أفصح الناس، وأعلاهم صوتا، وأخشعهم قلبا، وإن لم يوجد صييت خاشع وعظ وذكر إلى أن يخشع، فيقرأ، ثم تشاع المناداة، بما تضمنه في جميع نواحي البلد، وما تباعد من أطرافها، وليصدق سيدي قول المرسوم بفعل مهول في جمع كبير لئلا يكون كطبل تحت كساء، وبرق دونه غشاء، وذلك بأن يجمع سيدي جميع الحكام، ويدوروا في كثير من أقطار البلد، وامامهم المنادون، ومعهم أناس من الطلبة ركابا يتلون بعض الأحاديث، فتكون فعلة خارقة للعادة، فتكون أوقع في النفوس، وأثبت في الصدور، وأهيب في القلوب، على أنه قد فعل مثلها في القاهرة؛ عندما توقف النيل، فسيدي يشمر عند ساعده، ويصلت عضب همته، ويشرع سنان عزمه، ليكون لهذا المرسوم في أول هذه الدولة، من الفخامة، كوقعة بدر في غرة الإسلام، فجدد - رعاك الله - أعلام دينه، فوالله إن الله معل أمورك، فأنت ملاذ هذه العصابة، وعصام هذه الكتيبة، والله لا يفل جمع أنت فيه، ولا يفض جند أنت حاميه، ولينصرن الله من ينصره، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز، وإن جندنا لهم الغالبون، ألا إن حزب الله هم المفلحون، ولله عاقبة الأمور. وسيدي بعد أن يندب في هذا الأمر كل من يقدر عليه لأن المرء كبير بأخيه كبير بمواليه؛ يبرز نفسه، ولا يقاتل بسواه، وليكن كأمير القوم، إذا صاحت الأبطال نزال نزال، فإن غير سيدي لا يقوم هذا المقام، ولا يدنو من هذا المجال، فليست النائحة المستأجرة كالثكلى، ولا المتكحلة العينين كالكحلاء، على أنه غير خاف عن العبد، أن المبالغة في ذلك غير محمودة، والإكثار منه ليس بلائق، فإن الزمان غير قابل، والوقت غير مساعد، وما أكثر الناس، ولو حرصت بمؤمنين، وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين، فهذه مرة على المفسدين مرة، وواقعة للفاسقين قامعة، والمواصلة بمثل هذا المرسوم إن شاء الله متيسرة، ووجوه المسؤولين فيما هو من طرازه لا تزال ضاحكة مستبشرة، فلقد فرج اللهن وله أتم الحمد بزوال من كان يمنع أمثال هذه المثوبة، ويسد باب أشكال هذه القربة، وأنعم بإثبات من يملأ العيون منظره، والقلوب خبره ومخبره، القاضي محب الدين بن الشحنة حماه الله من كل آفة ومحنة، فعندما عرض العبد ذلك عليهن وأومأ بلحظه إليه، أجاب السؤال، وحقق الظنون والآمال، وصرح بأن التوقف فيه ضلال، على أنه من أكبر محبي مولانا، فيجب أن تعطر المجالس بطيب تذكاره، وتملأ أقطار المملكة بجميل أخباره؛ ليكون ذلك داعيا له إلى الخير، وقائدا إلى الحق، وسائقا إلى المعروف، وحاثا إلى الإحسان، وحاديا إلى المالي، ومحرضا على البر، ومرغبا في الجميل، ومحييا في الدين، وإن قاسى فيه الأهوال، وعانى الشدائد، فلم يزل جند الله كذلك في كل زمان، والعاقبة للمتقين، وكذا المقر الأشرف ناظر الخاص، ولقد كانت له في هذا الأمر اليد البيضاء، والهمة العليا، وهو ممن يحب إشاعة ذكره بالخير، ودعاء الناس له بما أسداه من النفع، وأبداه من الجميل، والمسؤول من فضل مولانا، أن يشيع أن السلطان هو القائم في هذا الأمر بنفسه، من غير تحريك محرك، لأن هذا الوجه أحد لشوكة أهل الدين، وأردع للمفسدين، وأزجر للمعاندين، والله تعالى المسؤول أن يمده بتوفيقه، ويسعده بمعونته».

نظر ابن أصيل للجوالي:

وفي يوم السبت منتصف الشهر لبس ناصر الدين بن أصيل، موقع ابن السلطان (وكان موقع أبيه قبل) خلعة، بنظر الجوالي، عن شرف الدين الأنصاري، لما أصر عليه من قلة الخير، وسوء التدبير، بمنع المستحقين وكثرة الأخذ من أهل الذمة، مع عدم الخدمة للسلطان، وكثرة الأيمان المتحققة الحنث باللهن وبالطلاق، فلم يدع عنه أحدا راضيا، بل أغضب الله بظلم المسلمين، وأهل الذمة، والناس، بالمنع، فأدام الله علته، وأطال خزيه، ولا أخرجه من دائرة السوء.

صفحه ۴۳۹