264

اضهار العصر لأسرار أهل العصر

Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr

ژانرها
General History
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان

وفي هذا العام زاد ظلم الظاهر جقمق، واشتد حتى تجاوز الحد، وامتدت عينه إلى أخذ الأموال بالباطل، مع تبذيرها في غير مواضعها، وكان من أعظم قبائحه فيها الأمر بسجن قاضي المالكية في المقشرة لسجنه ساعة من نهار يهوديا شركسيا؛ أبى الانقياد للشرع المحمدي، وبلغ به الهرم إلى أن صار كالخشبة الجافة، وكان كلما ظهر كبره زاد تجبره إلى أن حم في ذي الحجة هذا، وأناخت به أمراض مختلفة، وعلل متلفة فجف يده اليسرى، وظهر على يده اليمنى الضعف، ولم ينقطع لشيء من ذلك إلا عن الخدمة في القصر، وتمادى به آخرا إلى أن أغمي عليه في هذا الشهر، فشاع موته، ثم أفاق، وهو في غاية ما يكون من إظهار القوة والجبروت والعسف ليخفي مرضه ويتم في التجبر غرضه، بحيث أمر في هذا الشهر بضرب أسرى طلبوا منه مالا يعينهم به على فكاكهم، وضرب بيده القاضي جلال الدين بن الأمانة لحكمه على امرأة، أنها لا تعارض غريمها إلا بالشرع، وركب إلى زيارة ابنته خارج القلعة في سويقة العزي؛ ليرى الناس شخصه، فيكذبوا ما شاع من رمضه.

وتجلدي للشامتين أريهم

أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها

ألفيت كل تميمة لا تنفع وقال بعض مشائخنا في ذلك، وهو علامة زمانه الشيخ أبو الفضل المشدالي المغربي البجائي رحمه الله.

أيا جقمق كم لي أراك مكابرا

وقد عضك الموت الهجوم بنابه فإن تقتدر يوما على زورة ابنة

فسوف تزور القبر رهن ترابه وسوف ترى في اللحد حالك عندما

يصب عليك الله سوط عذابه أفق أيها السكران واصح بتوبة

لتدرك فيها الفوز قبل ذهابه ولم يزل الناس في عسفه وجوره إلى أن دخلت سنة سبع فكانت كاسمها أناخت على الفراعنة ببلائها، وسقمها، وناصبتهم بسيفها وسهمها، ومحت أثر الجبارة بعينها ورسمها، وخفضت الطغام اللئام، ورفعت كل أسد ضرغام، فأخذ العبد في مستهلها تدريس القراءات بالمدرسة المؤيدية، وعمل في سابع محرمها الإجلاس لذلك بكلام ابتكره خضعت له الرقاب، وحارت لدقته أولوا الألباب، وذلك أنه مزج المنقول بالمعقول، فلم تبلغ ذلك من كثير منهم العقول، وذكر تعريف العلم، ثم موضوعه، ثم فائدته، ثم قسمته إلى وسائل ومقاصد، ثم قسمة كل منهما، ثم وجه الضبط، ومحط الربط على طريقة تخرج منها تعاريف جميع أبواب العلم، وسر وضعها في مواضعها، فكان كلاما جامعا لجميع أشتات الفن، على وجه كلي بديع، بعبارة رشيقة، بعد خطبة أنيقة، فدهش لذلك الحاضرون، وكانوا زيادة على مائتي نفس.

صفحه ۴۰۷