اسلام و تمدن بشری
الإسلام والحضارة الإنسانية
ژانرها
وليس في كتاب «الأندلس في ظل الإسلام» غير القليل مما لم يرد في المطولات من أخبار الترف والبذخ وظواهر الرغد والرخاء التي اشتهر بها في ذلك الفردوس المفقود، ولكن هذا الكتاب الحديث يورد أنباء البذخ والترف، ويتخللها هنا وهناك بنادرة أو عبرة تنم على إدراك لمعنى الحياة، موكل بالصفو الرفيع من لذات الروح وأشواق العاطفة الإنسانية، يتفقده الأندلسي المثقف ولو خلصت له متعة الجاه والثراء، ومسرة الملك والسطوة. فكان عبد الرحمن الناصر «يقيم نفسه مقام الحكم المطاع بين ملوك المسيحية، ويستقبل في عزته وعليائه وفودهم المتنازعة، كما يستقبل الملوك أنفسهم أحيانا وقد حنوا أعناقهم العصية لمراسم الاستقبال في بلاط الخلافة. ولكنهم وجدوا بين أوراقه بعد وفاته أنه لا يذكر من أيام حكمه الطويل - نحو خمسين سنة - غير أربعة عشر يوما يعدها من أيام الصفو التي لا تشوبها سحابة». •••
كانت حضارة متاع ونعمة، وكانت حضارة عقل وفهم وعاطفة.
كانت حضارة «إنسانية» كاملة، تلك الحضارة التي وصفها صاحب كتاب «الأندلس في ظل الإسلام» متوخيا لها الإنصاف غاية ما يستطيعه الكاتب الأوروبي المعتز بحضارته العصرية في القرن العشرين.
أما الذي فاته أن ينصفه من تلك الحضارة فهو الذي فاته أن يفهمه من خيرة المأثورات عنها، وهو بلاغتها الشعرية الشائقة: بلاغة الموشحات والألحان.
يقول صاحب الكتاب في الفصل الذي خصصه للكلام على الشعر الأندلسي: «إن أكثر هذه المنظومات مما لا يطيقه العقل الغربي، وهو رأي يصرح به الخبراء بتلك المنظومات، ولا نعرف من هو أحق بالحكم عليها من جارسيا جوميز
Garcia Gomez
الذي يجمع بين الأستاذية في العلم والذوق عقده للكلام على ابن قزمان أحد الشعراء المتأخرين: إن الصناعة اللفظية هي موضع العناية الكبرى في الأدب العربي، بين نثر مقيد بالأسجاع وبين ألوان من المجازات والأشباه والطلاوات واللوازم، تعوزها الحرارة والشعور، وكأنما هي كلها عرض من العروض المقنعة بالبراقع، حيث البسمات لآلئ والعيون أزهار بنفسجيات والرياحين جواهر والجداول سيوف. وإن القارئ ليجتهد اجتهاده بين ترجمات بير
أو شاك
Schack
فينوء ذهنه بما يطبق عليه من النسق المتفق المتواتر! خصور كالأغصان تنبثق من آكام الرمال، أو شاعر يشبه نفسه بالطير الذي أثقل ندى الممدوح جناحيه فأعياه أن يطير، أو برق يومض بين الغمام كأنه ضرام العشق في قلب الشاعر يتوهج من خلل دموعه، ونصفها - أو أكثر من نصفها - قوالب منقولة يحكيها النظامون من وحي الذاكرة.»
صفحه نامشخص