1133
امتناع عمر ومن معه من إحضار كتاب للنبي ﷺ في مرضه
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول أحد أصدقائي الشيعة إن عمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق ﵄ قد عصيا النبي محمد ﷺ عندما كان في فراش موته، طلب النبي ﷺ وقتها من الصحابة أن يحضروا ورقة، وقلَمًا، ولكنهم رفضوا أن يحضروهما، ووفقًا لما يقوله الشيعة فإن الصحابة قد ضلوا بعد موت النبي ﷺ، وأن النبي ﷺ قد أوصى بأن يكون عليّ ﵁ خليفة من بعده، وقد أثبتوا لي هذه الأمور بالحديث الذي يقول بأن عمر بن الخطاب عصى محمَّدًا ﷺ، وأنك كنت ترى الغضب على وجهه، وأريد أن أقول بأن صديقي هذا قد أثَّر في أحد أصدقائي الذين ليس لديهم أية معلومات عن الإسلام. هل يمكنكم أن تشرحوا لي لماذا عصى عمر ﵁ رسولَ الله ﷺ؟ وهل يمكنكم أيضا أن تخبروني كيف التعامل مع أمثال هؤلاء؟ . أرجو أن تقدموا لي المصادر. شكرًا جزيلًا لكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
لا يجوز لك مصادقة أحد أفراد تلك الطائفة التي تنتسب إلى الإسلام، ثم هي تطعن في أصوله وحملته الذين بلغوه للناس، وتعتقد تحريف القرآن، والعصمة للبشر، وتحكم على الصحابة بالردة إلا قليلًا منهم.
والواجب عليك تجاه هؤلاء وأمثالهم أن تهجرهم، وتحذر الناس من شرهم وضلالهم.
وينظر أجوبة الأسئلة (٩١٦٦٥) و(٩٦٢٣١) و(١٢٦٠٤١) .
ثانيا:
لفظ الحديث الذي وردت فيه القصة التي يذكرها لك الرافضي هو:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: (هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (قُومُوا عَنِّي) .
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.
رواه البخاري (٦٩٣٢) ومسلم (١٦٣٧) .
١. أمر النبي ﷺ لأصحابه الذين حضروه في مرضه بإحضار ورقة وقلم ليملي عليهم شيئًا لم يكن يتعلق بوحي جديد، لم يبلغه للناس، ولا بأمر شرعي يحتاجه الناس في دينهم، ثم ترك إعلامهم به لأجل ما حصل. والدليل على ذلك أمور:
أ. أن هذه الحادثة كانت يوم الخميس، وقد توفي النبي ﷺ يوم الإثنين، أي: بعده بأربعة أيام، وكان بإمكانه الطلب من آخرين كتابة ذلك الكتاب، فلما لم يفعل ﷺ: علمنا أنه لم يكن وحيًا فيكتمه.
ب. أن الله تعالى قد أثنى على نبيه ﷺ بأنه قد بلَّغ ما أوحي إليه، وقد امتنَّ الله تعالى على هذه الأمة بإكمال الدين، وإتمام النعمة، والقول بأن ما لم يكتبه النبي ﷺ هو من الدِّين الذي تحتاجه الأمة عامة، فيه اتهام للنبي ﷺ بعدم تبليغ الرسالة، وفيه تكذيب للرب تعالى في خبره بإكمال الدين وإتمام النعمة على العباد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه، أو بلغه في ذلك الوقت؛ إذ لو كان كذلك: لمَا ترك ﷺ ما أمره الله به.
" منهاج السنة النبوية " (٦ / ٣١٥، ٣١٦) .
وقال – ﵀:
ولا يجوز له ترك الكتاب لشك مَن شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته: لكان النبي ﷺ يبيِّنه، ويكتبه، ولا يلتفت إلى قول أحدٍ؛ فإنه أطوع الخلق له، فعُلم أنه لما ترك الكتاب: لم يكن الكتاب واجبًا، ولا كان فيه من الدِّين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب: لفعله.
" منهاج السنة النبوية " (٦ / ١٢) .
ج. ويؤيد ما ذكرناه: اختلاف الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ في فهم أمره، والوقوف على حقيقة معناه؛ وإلا لسارع الجميع إلى تنفيذه، وقد ثبت عنهم أنهم خلعوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيته ﷺ يخلع نعله فيها، ودون أن يأمرهم بذلك، فهل مثل هؤلاء يخالفون أمرًا يعتقدونه من الوحي؟! حاشاهم، ولذلك قام بعضهم بإحضار ورقة وقلم، كما طلب منهم نبيهم ﷺ، وامتنع آخرون، ظانين أنه ﷺ قد يكون غلبه الوجع، أو يكون أمره إرشاد.
قال أبو العباس القرطبي – ﵀:
وقوله: (ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده): لا شك في أن (ائتوني) أمرٌ، وطلبٌ، توجَّه لكل مَن حضر، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال، ولا سيما وقد قرنه بقوله: (لا تضلُّون بعده)، لكن ظهر لعمر ﵁، ولطائفة معه: أن هذا الأمر ليس على الوجوب، وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء، كما قال تعالى: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)، مع ما كان فيه رسول الله ﷺ من الوجع، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه، فظهر لهم: أن الأوَّلى ألا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى: أن يكتب؛ متمسِّكة بظاهر الأمر، واغتنامًا لزيادة الإيضاح، ورفع الإشكال.
فيا ليتَ ذلك لو وقع، وحصلَ! ولكن قدَّر الله، وما شاءَ فعل، ومع ذلك: فلا عتب، ولا لوم على الطائفة الأولى؛ إذ لم يعنفهم النبي ﷺ، ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: (دعوني فالذي أنا فيه خير) .
" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (١٥ / ١٨) .
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك: لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لِما قام عنده من القرائن بأنه ﷺ قال ذلك عن غير قصد جازم.
" فتح الباري " (٨ / ١٣٣، ١٣٤) .
٢. عزمه ﷺ على الكتابة: إما أن يكون بوحي نسخ، أو باجتهاد تبين أن المصلحة في تركه.
قال النووي – ﵀:
وكان النبي ﷺ همَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحى إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.
" شرح مسلم " (١١ / ٩٠)، ونقل نحوه الحافظ ابن حجر عن المازري. ينظر: " فتح الباري " (٨ / ١٣٤) .
٣. الرافضة يزعمون أن النبي ﷺ قد أوصى بالخلافة بعده لعلي بن أبي طالب ﵁، فما لهم ولهذه الحادثة، وما حاجتهم للتلاعب بها، وادعاء أنه ﷺ أراد أن يكتب وصية لعلي ﵁ بعده؟! ولماذا لا تكون الوصية التي كانت ستكتب في هذا الكتاب: هي وصيته لأبي بكر ﵁ بالخلافة من بعده؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومَن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي: فهو ضال، باتفاق عامة الناس، من علماء السنَّة، والشيعة، أما أهل السنَّة: فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن عليًّا كان هو المستحق للإمامة: فيقولون: إنه قد نُصَّ على إمامته قبل ذلك نصًّا جليًّا ظاهرًا معروفًا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب.
" منهاج السنَّة النبوية " (٦ / ١١) .
٤. قد ثبت بأصح إسناد أن النبي صلى الله عليه أراد أن يوصي لأبي بكر الصدِّيق بالخلافة بعده، ثم ترك الأمر، وقال بأن المؤمنين لن يرضوا بغيره خليفة، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ (لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ؛ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ - أَوْ: يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ -) رواه البخاري (٥٣٤٢) – واللفظ له - ومسلم (٢٣٨٧) بلفظ:
(وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) .
ولسنا بالذي يهتم لهذا، لأنه قد أبى الله والمؤمنون أن يكون خليفة رسول الله ﷺ إلا أبا بكر.
٥. وما يحصل من مراجعة بعض الصحابة للنبي ﷺ في بعض المسائل لا يعكر على صفة الاستجابة، والمتابعة للشرع؛ لأنهم يراجعونه ﷺ حتى يأتي الوحي بالجزم بما أخبرهم به النبي ﷺ، فيسارعون بعدها لتنفيذ الأمر.
قال النووي – ﵀:
قال الخطَّابي: وقد كان أصحابه ﷺ يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة: فلا يراجعه فيه أحد منهم.
" شرح مسلم " (١١ / ٩١) .
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور، ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم: امتثلوا.
" فتح الباري " (١ / ٢٠٩) .
٦. قول عمر ﵁ " حسبنا كتاب الله ": لم يكن خطابًا مع النبي ﷺ، بل هو أجلُّ من أن يفعل ذلك، وإنما كان مخاطبًا من اعترض عليه بالامتناع عن إحضار كتاب.
قال النووي – ﵀:
وقول عمر ﵁ " حسبنا كتاب الله ": ردٌّ على من نازعه، لا على أمر النبي ﷺ.
" شرح مسلم " (١١ / ٩٣) .
٧. وقد وجَّه العلماء ﵏ امتناع عمر ﵁ عن إحضار كتاب ليكتبه النبي ﷺ بتوجيهات عديدة، منها:
أ. إشفاقه على النبي ﷺ من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب، وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال: " إن النبي ﷺ اشتد به الوجع ".
ب. خشيته من طعن المنافقين ومن في قلبه مرض، في ذلك الكتاب، والتشكيك بناقليه، والطعن فيهم، وفي عدالتهم.
ج. خشيته " أن يكتب أمورًا يعجزون عنها، فييقعوا في الحرج بالمخالفة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، وحكم النظر، وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطئ مأجورًا ".
انظر: " دلائل النبوة " (٧ / ١٨٤)، " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " للقاضي عياض (٢ / ١٩٤)، " شرح مسلم " للنووي (١١ / ٩١)، " فتح الباري " (١ / ٢٠٩) .
٨. وأما كلام ابن عباس ﵄: فليس فيه طعن بالصحابة ﵃، وهو ممن بايع الصدِّيق، والفاروق بعده، وإنما أراد أن الحائل نفسه كان مصيبة؛ لظهور الفتنة بعد ذلك، والطعن في أولئك الأعلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وقول ابن عباس " إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب الكتاب ": يقتضي أن هذا الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصدِّيق، أو اشتبه عليه الأمر؛ فإنه لو كان هناك كتاب: لزال هذا الشك، فأما مَن علم أن خلافته حق: فلا رزية في حقه، ولله الحمد.
" منهاج السنة النبوية " (٦ / ١١) .
١٠. وقول ابن عباس ﵁ هذا إنما هو اجتهاد منه، ولا شك أن عمر أعلم وأجل من ابن عباس، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ترك الكتابة، وعدم إنكار النبي ﷺ على عمر، هو ترجيح لرأيه، وتصويب لفعله.
قال النووي – ﵀:
فكان عمر أفقه من ابن عباس، وموافقيه.
" شرح مسلم " (١١ / ٩٠) .
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر: إشارة إلى تصويبه رأيه، وأشار بقوله " حسبنا كتاب الله " إلى قوله تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله ﷺ لما رأى ما هو فيه من شدة الكرب، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون عنه؛ إذ لو كان من هذا القبيل: لم يتركه ﷺ لأجل اختلافهم.
ولا يعارض ذلك قول بن عباس " إنَّ الرزيَّةَ " الخ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا.
" فتح الباري " (٨ / ١٣٤) .
وبه يتبين لك بطلان ادعاء الرافضة، في طعنهم في الصحابة ﵃، وخصوصًا عمر بن الخطاب ﵁، ويتبين صدق السلف في أنهم أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام، فاحذرهم على دينك أخي السائل، ونسأل الله لك الثبات على الإسلام والسنَّة.
وانظر – للمزيد حول عقائد الرافضة – أجوبة الأسئلة: (١١٣٦٧٦) و(٤٥٦٩) و(١١٤٨) و(٢١٥٠٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب

1 / 1132