فأمَّا قولُه: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)، فإنه أيضا غيرُ منافِ
لإخبار اللهِ عنه بتصديقِه وسكونِ قلبِه، لأن تلكَ الخيفةَ طباعية بشرية غيرُ
كسبيةِ اختيارية، وليست من الشك في قوله: (خُذْهَا وَلَا تَخَفْ) .
في شيءِ ولا من جنسِه ولكنها خيفة بشرية، ويمكن أن يكون أوجسَ خيفةَ في
غير الوقت الذي قال له فيها لا تخف، إما قبل أن يقولَ لهُ ذلك إلى أن قال
خذها ولا تخف، أو بعد ذلك الوقت، لأنه لم يقلْ لا تخافُ أبداَ فلا تعلقَ
لهم في ذلك، ويمكنُ أن يكون تأويلُ الآية أنه خاف أن يُفتَتَنُ قومُه ويظنونَ
أن ما أتى به سحر كقول السحرة فقال له: لا تخف إنك أنت الأعلى، أي إن آيتك تنكشفُ عن صدقِكَ وتزيلُ كل ريبِ من قلوب أتباعِك المؤمنينَ فيكونَ كذلك أعلى بالحجة والبراهين.
فأمَّا قولُه تعالى: (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى)، فإنه غير متناقض.
لأنه لم يُرد أنه يكون غيرَ ميتِ ولا حي وإنما عنى وهو أعلم أن حياتَه لا
تنعدمُ فيستريحُ من العذاب وإدراك الآلام، ولا يحيى حياةَ طيبةَ يسلَم فيها
من العذاب وإدراك الآلام.
قال الشاعر:
ألا مَنْ لِنفسِ لا تموتُ فينقَضي قَضاها ... ولا تَحيَا حَياةَ لها طَعمُ
ولم يُردِ أنَّها غيرُ حيةِ ولا ميتة، وإنَّما أرادَ المعنى الذي وصفناه.
وأما قوله تعالى: (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)، فإنه ليس بخبرِ
باطلِ على ما توهموه، لأن الغيظَ لا يُسمع، لأنه قد يمكنُ أن يخلق لهم في
2 / 623
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه