وكانت الغرفة لا ينيرها إلا بصيص من النور يدخل من شقوق الباب والنوافذ، والقادين تتكلم همسا وشيرين تستغرب ما تسمعه، وقد داخلها الشك لحظة في صدقها، لكنها لما رأتها تكشف لها سرها ولا تطلب منها كشف خبرها غلب عليها تصديقها فقالت: «إذا أتيح لي الخروج من هذا الأسر مع رامز، فثقي أني باذلة جهدي فيما تريدين. إن القوم العاملين مع رامز على نيل الحرية إذا نجحوا - وهم ناجحون بإذن الله - كانت نجاتك محققة، وثقي بأني أفديك بروحي.»
فأظهرت القادين أنها صدقتها وقالت: «إنك صادقة مخلصة ما في ذلك شك، وأعتقد أن حبيبك مثلك، وأما بقية أعضاء تلك الجمعية فلا، وثقي بأني أعلم منك بهم، فكثيرا ما سمعنا بجمعيات قامت تطالب بالدستور أو الحرية ثم رأيناهم يأتون ويسلمون أنفسهم للسلطان طمعا في المناصب، وإنما يضام منهم الأحرار الصادقون الذين يعملون لخدمة الحقيقة. ولا أظن جمعية سلانيك إلا مثل سوابقها في باريس وغيرها، ومع ذلك دعينا نؤمن بنجاحها ...» ثم قطعت الحديث وانتقلت إلى سواه لتوهم شيرين أنها لا تطالبها بكشف السر - وذلك أدعى إلى الحصول عليه - فقالت: «قد شردنا عن الموضوع الذي جئت من أجله، فأول كل شيء أني واثقة بمحافظتك على السر، ثم إني جئت لأعتذر لك عن تأخري في استقصاء خبر حبيبك لأني لا أستطيع أن أتظاهر بذلك، ولا بد من اغتنام الفرصة.» وسكتت.
فقالت شيرين: «ألم توفقي إلى فرصة بعد؟»
قالت: «سنحت لي فرصة لم يوفق إليها غيري، قلت لك: إن نساء السلطان لا يؤذن لهن في الخروج من قصورهن، ولا أن يأتي إليهن أحد غير الخصيان والجواري، ولذلك رأيتنا نشغل أنفسنا بتلك الألعاب الصبيانية كمهارشة الديكة وملاعبة السنانير، إلا أنا فإن السلطان أذن إذنا فوق العادة لطبيب من أطباء القصر أن يتردد إلينا منذ بضعة أيام يسألني عن صحتي وكنت أشكو انحرافا عالجني منه. فهذا الطبيب أشعر أنه صادق، وقد غمرته بالجوائز والنعم، وأنا مع ذلك مستغربة الإذن له في الدخول إلى هذا القصر، ولا أجسر على مخاطبته بشأنك لئلا أعرض نفسي للخطر، ولكنني رأيت رأيا أظنك توافقينني عليه، وذلك أن أعرفه بك بحجة أنك منحرفة المزاج، فمتى أتى للاستفهام منك عما تشكين تدرجت بالحديث معه حتى تسأليه عن محل رامز. ولا بأس عليك إذا فعلت ذلك، فإن السلطان نفسه يعلم قلقك عليه، فلعله يخبرك عن مكانه، وإذا أفلحت فأخبريني الخبر . وها أنا ذا الآن ذاهبة وسأرسل الخادم ليضيء هذه الغرفة، فامكثي في الفراش وأنا أشيع في القصر أنك منحرفة الصحة.»
وخرجت ثم جاء الخادم وأضاء الغرفة وهي ساكنة في الفراش كالمريضة وما بها مرض، وقد أدت إليها هواجسها وأحست أن القادين تحبها حبا صادقا وتثق بها ثقة كبرى، ورأت أنها قصرت في إيفائها حق الصداقة لأنها أساءت الظن بها وخافت مكاشفتها بأسرارها.
أما القادين فقد أتقنت حيلتها حتى أوهمت شيرين أنها لا يهمها سر غيرها، وتقدمت بكشف سرها لها حتى جعلتها تسعى من تلقاء نفسها لمكاشفتها بأسرارها، وأدركت بدهائها أن شيرين تنتظر أول اجتماع تجتمع فيه بها لتبوح لها بأسرارها في مقابل ما فعلته هي. •••
ومكثت شيرين في الفراش ساعات حتى آن الرقاد ولم يأت الطبيب، إذ لم يكن هناك موعد سابق لمجيئه، وقد أوعز إليه نادر أغا أن يكف عن زيارة القادين أياما، إذ لم تبق حاجة إلى التعجيل بمهمته. وفي الصباح التالي ذهبت القادين إلى شيرين مبكرة لتعتذر لها عن تخلف الطبيب عن الحضور في ذلك اليوم، وهي تحسب له عذرا في الغياب وأنها بعثت إليه من يستقدمه، وجلست بجانب سرير شيرين وقالت: «تأملي يا عزيزتي مقدار تقيدنا، إني لا أجسر أن أستقدم الطبيب إلا سرا، ولو علم السلطان بذلك لبالغ في العقاب، وقد يعاقب بالقتل لأقل الذنوب، إن هذا البوسفور مملوء بجثث القتلى من النساء والرجال.» قالت ذلك وهي تخفض صوتها وتتلفت.
فلما سمعتها شيرين تقول ذلك عزمت على التصريح لها ببعض الشيء فقالت: «إذا كنت تشكين من إقامتك هنا فاتركي هذه القصور واخرجي إلى بلاد الحرية.»
فقالت: «إلى أين أذهب وأنا غريبة وحيدة؟ وأعترف لك أني لا أثق بالأحرار فإنهم كثيرا ما رجعوا وخافوا!»
فقطعت شيرين كلامها قائلة: «إنهم يا سيدتي اليوم غير ما كانوا عليه من قبل.»
صفحه نامشخص