وبينما هي في ذلك إذ سمعت وقع أقدام في أرض الغرفة، فرفعت رأسها لترى من القادم فتبينت في تلك الظلمة القادين داخلة، وهي تخفف الوطء لئلا توقظها، فتحركت شيرين في سريرها دلالة على أنها مستيقظة. فتقدمت القادين نحوها بسرعة وأكبت عليها وجعلت تقبلها ترحيبا بها، فجلست شيرين في الفراش وقد أحست بحرارة تلك القبلات، ولم يبق عندها شك في محبة تلك المرأة، فبادرتها القادين بالسؤال عن صحتها، فقالت: «إني في خير. أشكر فضلك.»
قالت: «لا تظني أني نسيت وعدي إياك بالبحث عن حبيبك، ولكنني لا أستطيع ذلك إلا في فرصة مناسبة ولم تتأت لي إلى الآن. ولا أقدر أن أفعل ذلك إلا سرا.» قالت ذلك وتنهدت.
فأحست شيرين بميل القادين إلى الشكوى والمكاشفة فقالت لها: «أمثلك تتنهد وتشكو أيضا؟! إنك أشرف امرأة في المملكة العثمانية لأنك من نساء السلطان، وفي المملكة ملايين من النساء يحسدنك على مقامك، ومع ذلك فإنك تتأوهين!»
فتنهدت القادين ثانية وقالت همسا في تلك الظلمة: «ليس في المملكة العثمانية أشقى من نساء السلطان، إن جوارينا أسعد حالا منا ولا شك!»
فاستغربت شيرين هذه الشكوى وأرادت أن تعترض ، فبادرتها القادين قائلة: «هل في الدنيا أثمن من الحرية؟»
فانتعشت شيرين عند ذكر الحرية وقالت: «كلا».
فقالت: «الحرية التي يتمتع بها كلابنا وسنانيرنا وطيورنا ودوابنا، بل يتمتع بها حتى البعوض والذباب! إننا محرومون من هذه الحرية دون سائر البشر. إن المرأة متى بلغت رتبة قادين دفنت في قصرها لا تخرج منه حتى إلى الحديقة التي ترينها من هذه النافذة، وهي فوق ذلك عرضة للخطر والغضب وسوء الظن. تسعى الجارية في يلدز في الرقي، وأرقى درجة يمكن أن تبلغها أن تصير من نساء السلطان، فإذا وصلت إلى هذه الرتبة ندمت على ماضيها لأنها تفقد حرية الذهاب والمجيء، ويمنع عنها التمتع بالطبيعة. الحرية! آه الحرية!» وسكتت كأنها غصت بريقها.
فتأثرت شيرين بهذا القول ووجدت للكلام مجالا فقالت: «آه يا سيدتي! إن الحرية هذه طلبة الأحرار الذين يحاربهم السلطان ويبحث عنهم ويتعمد قتلهم.» ثم خافت أن تكون قد انزلق لسانها، ولكن ما لبثت أن سمعت القادين تقول: «السلطان؟! إنه لا يريد أن يكون أحد حرا حتى هو نفسه، فإنه مقيد في هذه القصور كما تعلمين، ولكن ما العمل؟ اعلمي يا شيرين أني تسرعت في مكاشفتك، فأرجو ألا أكون قد أخطأ ظني فيك، إني ظننت فيك المحبة وصدق المودة فهل أنا مخطئة في هذا الظن؟»
فبادرتها شيرين قائلة: «إن ظنك في محله، أنت تخاطبين فتاة تحبك وتعول عليك. ويا حبذا لو أستطيع أن أخدمك في شيء!»
فنهضت القادين حتى وصلت إلى الباب، وتلفتت خارجة كأنها تبحث عن أحد هناك، ثم عادت وقالت لها: «إن أكبر خدمة تقدرين على تأديتها لي هي أن تنقذيني من هذا السجن، هل يمن الزمان علي بذلك يا ترى؟»
صفحه نامشخص