فيما يشمل هذه الأقسام، وكرره في مواضع من كتابه.
وإذا تتبعنا أحكام هذه الأبواب لم نر ما يدعو إلى تفريقها، ورأينا في أحكامها من الاتفاق والتماثل ما يوجب أن تكون بابا واحدا يعفينا من تشقيق الكلام وتكثير الأقسام.
فأما نائب الفاعل فإن النحاة أنفسهم لا يفرقون بينه وبين الفاعل في الأحكام؛ ومنهم من يرسم لهما بابا واحدا. وما الفرق بين كسر الإناء وانكسر الإناء إلا ما ترى بين صيغتي كسر وانكسر، وما لكل صيغة من خاصة في تصوير المعنى، أما لفظ الإناء فإنه في المثالين «مسند إليه» وإن اختلف المسند.
وأما الفاعل والمبتدأ، فإن النحاة يجعلون بينهما فوارق ماثلة ظاهرة ، ويجعلون لكل باب أحكاما خاصة؛ ولكن شيئا من الإمعان في درسها ينتهي إلى توحيد البابين واتفاقهما في الأحكام، وإلى أن هذا التفريق قد يكون منسجما مع صناعة النحاة في الإعراب، ولكنه مبعد عن فهم الأساليب العربية.
فأول ذلك:
أنهم يقولون: إن الفاعل يجب أن يتأخر عن الفعل، لا يتقدمه بحال. أما المبتدأ فإن أصله التقديم، وربما جاء متأخرا، فللمبتدأ من الحرية في الجملة ما ليس للفاعل.
هذا حكم النحاة أو جمهورهم؛ أما الأسلوب العربي فإنك تقول: «ظهر الحق» «والحق ظهر» تقدم المسند إليه أو تؤخره، وكلا الكلامين عربي سائغ مقبول عند النحاة جميعا، ولكن النحاة والبصريين خاصة يحرمون أن يتقدم لفظ «الحق» في «ظهر الحق» وهو فاعل، كما يحرمون أن يتأخر المبتدأ من «الحق ظهر» وهو مبتدأ. فالحكم إذن نحوي صناعي لا أثر له في الكلام، وليس مما يصحح به أسلوب أو يزيف، وإنما هو وجه من أوجه الصناعات النحوية المتكلفة لا يعنينا أن نلتزمه، بل نحب أن نتحرر منه.
والعربية في هذا الاسم المتحدث عنه أو «المسند إليه» يتقدم على المسند ويتأخر عنه، سواء كان المسند اسما أو فعلا. وهذا أصل من أصول العربية في حرية الجملة والسعة في تأليفها.
الحكم الثاني:
مما يفرقون به بين المبتدأ والفاعل، أن المبتدأ قد يحذف ولا يجوز حذف الفاعل؛ وذلك فرق صنعه الاصطلاح النحوي أيضا، فإن المبتدأ لا يذكر في الجملة فيقولون: هو محذوف، والفاعل لا يذكر فيقولون هو مستتر. ومثال ابن مالك لحذف المبتدأ أن يقال في جواب كيف زيد؟ «دنف» أي عليل. فإذا قيل في الجواب: دنف. أي: اعتل، جعلوا الفاعل مستترا، ولم يقولوا محذوف وهو اصطلاح نحوي لا أثر له في القول، فلا وجه لالتزامه والتفرقة به.
صفحه نامشخص