717

الاعتصام

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

ناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

محل انتشار

المملكة العربية السعودية

فَصْلٌ
قَدْ يَكُونُ أَصل الْعَمَلِ مَشْرُوعًا، وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي فَرَغْنَا مِنْ ذِكْرِهِ.
وَبَيَانُهُ: أَن الْعَمَلَ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِليه - مَثَلًا - فيَعمل بِهِ الْعَامِلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَلَى وَضْعِهِ الأَول مِنَ النَّدْبِيَّة، فَلَوِ اقْتَصَرَ الْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بأْس، وَيَجْرِي مَجْرَاهُ إِذا دَامَ عَلَيْهِ فِي خَاصِّيَّتِهِ (١) غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ دَائِمًا، بَلْ إِذا أَظهره لَمْ يُظْهِرْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُلْتَزَمَاتِ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالْفَرَائِضِ اللَّوَازِمِ، فَهَذَا صَحِيحٌ لَا إِشكال فِيهِ. وأَصله نَدْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لإِخفاء النَّوَافِلِ وَالْعَمَلِ بِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَقَوْلُهُ: "أَفضل الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلا الْمَكْتُوبَةَ" (٢). فَاقْتَصَرَ فِي الإِظهار عَلَى الْمَكْتُوبَاتِ - كَمَا تَرَى ـ؛ وإِن كَانَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِهِ ﵇، أَو فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَو في مسجد بيت المقدس، حتى قَالُوا: إِن النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفضل مِنْهَا فِي أَحد هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، بِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَجَرَى مَجْرَى الْفَرَائِضِ فِي الْإِظْهَارِ: السُّنَنُ (٣)؛ كَالْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفِ والاستسقاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَبَقِيَ مَا سِوَى ذَلِكَ حُكْمُهُ الإِخفاء، وَمِنْ هُنَا ثَابَرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ ﵃ عَلَى إِخفاءِ الأَعمال فيما استطاعوا وخفَّ (٤) عَلَيْهِمْ الاقتداءُ (٥) بِالْحَدِيثِ، وَبِفِعْلِهِ ﵊؛ لأَنه القدوة والأسوة.

(١) في (ر) و(غ) "خاصته".
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧٣١ و٦١١٣ و٧٢٩٠)، ومسلم (٧٨١).
(٣) في (خ): "والسنن".
(٤) في (خ) و(م): "أو خف".
(٥) في (غ) و(ر): "اقتداء".

2 / 245