وظهرت بريجيت لعيني كأنها ممثلة تقلد ما كانت عليه قبل خمسة عشر يوما؛ فإذا بكل حركة منها كانت تسكرني غراما من قبل تصدم قلبي فينقبض لها ارتياعا.
وصحت بها فجأة: أي سر تضمرين يا بريجيت؟ إذا كنت تحبينني حقيقة، فإلام ترمين بهذا الدور الذي تحكمين تمثيله أمامي؟ - أأنا أمثل؟ وما الذي يدعوك إلى هذا الظن؟ - أفما يجدر بك أن تعلني أن روحك تلامس الموت، وأنك تتحملين عذاب الشهداء؟ إنني أفتح لك ذراعي؛ فألقي رأسك إلى صدري، وأطلقي سراح دموعك عليه، فلعلني أذهب بك إذا فعلت، أما أن أختطفك وأنت على ما أرى فذلك مما لا أقدم عليه.
فصرخت: هيا بنا فلنذهب.
فقلت: لا! قسما بحياتي، إنني لن أفعل ما دام بيني وبينك هاوية سر أو سواد نقاب. إن أشد مصاب لأهون وقعا علي من هذا المرح الذي تتصنعين.
فوجمت إذ رأتني نافذا إلى أقصى سريرتها بالرغم مما تبذل لحجبها عني.
واستطردت قائلا: لماذا نخادع نفسينا؟ لو لم أكن تراميت إلى المهاوي في نظرك لما كان بوسعك أن تتظاهري بغير حقيقتك أمامي. أفترين هذا السفر تنفيذا لحكم مبرم قضيت به عاتيا، وأتيت به جلادا يقودك إلى الإعدام؟ أي شيء يروعك من غضبي لتلجئي إلى مثل هذه الحيل؟ وما هو هذا الخوف الذي يقودك إلى مثل هذه الأكاذيب؟ - أنت مخطئ يا أوكتاف. قف عند هذا الحد ولا تزد. - لماذا هذا الحذر؟ إذا كنت قد فقدت صفة الأمين على سرك؛ فعامليني معاملة الصديق على الأقل، وإذا امتنع علي أن أعرف مصدر دموعك، فهل أحرم النظر إلى انسكابها من عينيك؟ أتراجعت ثقتك عني إلى حيث لا تعتقد باحترامي لأوجاعك؟ وما هي الجناية التي أعاقب عليها بحرماني معرفة هذه الأوجاع؟ أفليس لدائك من دواء؟ - لا، وخير لك ولي أن تشدد النكير علي. إنك لتدفع بنا كلينا إلى الشقاء، أفلا يكفيك أن نرحل عن هذه البلاد؟ - وهل بوسعي أن أرحل وكل حركة منك تدل على نفورك من هذا السفر؟ فأنت تقتحمينه مكرهة، وبوادر الندم تسبق إقدامك عليه، فما تخفين عني يا ترى؟ وما يفيد التلاعب بالألفاظ إذا كانت الفكرة أوضح من النهار؟ وهل يجمل بي إذا لم أنحط إلى أدنى دركات الإنسانية أن أقبل عن رضى ما تجودين به مكرهة آسفة؟ على أنني أقف حائرا في رفضه وأنت تحطمين قواي بصمتك. - لا، إنني لا أتبعك مكرهة. أنت على خطأ في اعتقادك هذا؛ فأنا أحبك يا أوكتاف، فكف عن تعذيبي.
وتساقطت هذه الكلمات من فمها بكل عذوبة الحنان، فرأيت نفسي منطرحا على قدميها وقد غلبتني نظراتها ونبرات صوتها فهتفت: أتحبينني يا بريجيت؟! أحق ما تقولين يا خليلتي؟ - أجل، إنني أحبك. أجل إنني ملكك؛ فافعل بي ما تشاء. إنني سأتبعك. هيا يا أوكتاف؛ فإن العربة بانتظارنا، وشدت بأناملها على يدي وهي تلقي على جبيني أحر قبلاتها مكررة قولها: لا بد من أن أتبعك، إنني أريد أن أسير معك إلى آخر يوم من حياتي ...
رددت كلمة «لا بد» في نفسي، ووقفت ناظرا إلى بريجيت تقلب آخر صفحة من أوراقها، فسألتها عما إذا كانت أتمت عملها، فأجابت إيجابا.
عندما أوصيت العربة لم أكن مقررا الرحيل، بل رميت إلى القيام بتجربة، فإذا أنا تجاه أمر واقع.
وتقدمت فاتحا الباب وأنا أرفع صوتي قائلا: «لا بد» وما تعني هذه الكلمة؟ بل أي شيء وقع هنا وأنا لا أدري به؟ أوضحي لي الأمر وإلا بقيت حيث أنا؟ أفيكون حبك لي فرضا عليك، وعاطفة لا بد منها؟
صفحه نامشخص