ونظرت بريجيت إلي وهي صامتة، واستمرت على معاملتي ببرودة تكاد تكون احتقارا في اليومين التاليين، وهي تزداد ملاطفة لسميث، حتى إنها بدأت تدعوه باسمه «هنري»، ولا تكف عن الابتسام له.
وقالت ذات مساء بعد العشاء: إنها تريد الخروج لاستنشاق الهواء، وعرضت علي أن نذهب مشيا إلى الأوبرا، فرفضت مرافقتها وقلت: اذهبي مع سميث وخلياني. فاستندت إلى ذراعه وتمشيا، وبقيت وحدي كل السهرة أحاول أن أدون ما يعن لخاطري، فيتمرد البيان علي، وألجأ إلى استعراض شكوكي والتلذذ بها، فأمعن فيها كالعاشق لا ينفرد بنفسه حتى يخرج من جيبه رسم محبوبته محدقا فيه، مستغرقا في أحلام غرامه.
وعلقت أبصاري على المقعدين حيث جلس سميث وبريجيت كأنني أستنطقهما سرا يكتمانه، مستعيدا لمخيلتي كل ما طرق أذني، وما لاح لعيني، وكنت من حين إلى آخر أدخل إلى الغرفة التي رتبنا فيها حقائب السفر منذ شهر فأفتحها، وأفحص ما وضعت فيها يداها الناحلتان من حوائج وكتب وأنا أتنصت إلى فرقعة عجلات العربات في الشارع فيخفق لها فؤادي.
وبسطت على الخوان خريطة أوروبا الشاهدة على ما بيننا من أماني، واستسلمت أمامها لأفجع تشاؤم. ومن الغريب أنني لم أكن أشعر في آلامي بما ينم عن غضب أو غيرة، فقد كانت ريبتي تقف مترددة لا تقتحم تعيين أمر تبني عليه شكا جليا. فيا للعقل البشري من قوة تخلق من المظاهر ما يعذب القلب ويشقيه! وما أشبه الدماغ بسجون ديوان التفتيش في القرون الوسطى، وقد علق على جدرانها من الآلات ما يحيرك فلا تدري أهي ألاعيب أطفال أم مكامش تعذيب.
وهل لأحد أن يبين لي ما الفرق بين قولي لخليلتي: إن جميع النساء خائنات، وبين قولي لها: أنت خائنة؟
ومرت في رأسي خواطر أشبه بأدق القياسات المبنية على السفسطة، فكنت أستمع إلى ما يدور من جدل بين عقلي وضميري، فأسمع الأول يقول: إذا فقدت بريجيت، فماذا يكون؟
فيقول الضمير: إنها سترحل معك. - وإذا كانت تخادعني؟ - وهل لها أن تخدعك وهي من طلبت في وصيتها أن يصلي الناس من أجلك؟! - لعل سميث يحبها؟ - ما لك ولهذا أيها المجنون وأنت الواثق من أن محبوبها هو أنت لا سواك؟! - إذا كانت تحبني، فما هو سبب حزنها؟ - ذلك سرها؛ فاحترم هذا السر. - أتكون سعيدة يا ترى إذا أنا اختطفتها؟ - إن سعادتها متوقفة على حبك لها. - لماذا تضطرب عندما ينظر سميث إليها فتحول عن عينيه عينيها؟ - ذلك لأنها امرأة، ولأنه في شرخ شبابه. - لماذا يعلو وجهه الاصفرار عندما تنظر هي إليه؟ - لأنه رجل، ولأنها رائعة الجمال. - لماذا انطرح على صدري عندما كنت في زيارته، ولماذا ضرب في أحد الأيام جبينه براحته؟ - لا تسل عما يجب أن تجهل. - ولماذا وجب علي أن أجهل هذه الأمور؟ - لأنك حقير ضعيف، ولأن الله وحده علام الغيوب. - ولكن لماذا أحس بهذه الآلام ولا أفكر بهذه الأمور دون أن يسود الاضطراب أعماق روحي؟ - تذكر أباك واصنع الخير. - ولكن ما الذي يصدني عن هذا التذكار وعن هذا البر، ولماذا يجتذبني الشر إليه؟ - انطرح جاثيا على ركبتيك واعترف؛ لأنك إذا كنت أسأت الظن فقد ارتكبت سوءا. - وما هو ذنبي إذا كنت أتيت الإثم؟ ولماذا تخلى الخير عني؟ - ذلك لضلالك في المسالك المظلمة، وليس لمن يسير في الظلام أن ينكر النور، فلماذا تحشر نفسك في زمرة البغاة؟ - لأنني أحاذر الدخول في زمرة المخدوعين. - لماذا تحيي لياليك بالسهر؟ إن الأطفال ينامون عندما ينسدل ستار الظلام، ولماذا أنت منفرد الآن؟ - ذلك لأنني أفكر وتساورني المخاوف والشكوك. - ومتى تؤدي فريضة الصلاة؟ - عندما يعود إيماني إلي. لماذا خدعني الناس؟ - ولماذا تخدع الناس أنت الآن أيها الجبان؟ أفليس أولى بك أن تموت إذا كنت لا تحتمل آلامك؟
هكذا كان يتجادل في صوتان هائلان يتناقضان، فأسمع صوتا ثالثا ينتحب بينهما قائلا: يا للطهارة المفقودة! ويا لأيامي الماضيات!
الفصل الخامس
إنها لقوة مروعة هذه القوة الكامنة في الفكر الإنساني! فهي السلاح الذي ندافع به، والمعقل الذي نلجأ إليه. إنها لأفضل ما وهب الله للإنسان، فهي تابعة لنا تأتمر بأمرنا، نقذف بها إلى الآفاق ولكنها إذا ما تخطت حدود ذهننا ذهبت طليقة لا نملك لها زماما.
صفحه نامشخص