ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
غيره، وبذلك سهل الرجوع إليها، والانتفاع بها، إذ أن طالب الاستشهاد بحديث في موضوع ديني يلجأ إلى تعرفه، والتحري عنه في موضوعه، من كتاب الحديث الذي يكون تحت يده.
أما مسند أحمد فقد رتبه جامعه ونشره على حسب الصحابي الذي ينتهي الحديث عن النبي ﷺ إليه وإن كان الحديث مرسلاً كان ذلك على حسب التابعي، الذي انتهى الحديث عن النبي ﷺ إليه فابتدأ بأحاديث العشر المبشرين بالجنة -أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وغيرهم، ثم من يليهم، وهكذا، حتى إذا وصل إلى التابعين رتبهم هكذا، فكان لهذا صعباً، لا يرجع إليه إلا الحفاظ، ولا ينتفع به إلا الذين تمرسوا بالحديث وعلومه.
٤٦ - وقد كان أحمد رضي الله عنه يتخير الثقات يروي عنهم، فما يروي عن شخص يعتقد أنه ضعيف، غير ضابط أو غير فاهم، وإذا علم الثقة أخذ عنه، وروى، وكتب وقيد، وأملى على تلاميذه، ولكن قد يبدو له من بعد الرواية أن من روى عنه قد خدع فيه، أو كان في المسند من ليس ثقة، فإنه يسقط حديثه، ولذلك كان دائم الحذف والتغيير في المكتوب عنده، حتى بعد أن أملى المسند على أولاده وخاصته، وكان ذلك احتياطاً لدينه، ولعلم الناس، ولقد جاء في كتاب خصائص المسند ما نصه:
«ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى مسنده قد احتاط فيه إسناداً ومتناً، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده ما أخبرنا أنه روى بالمسند المتصل إلى أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش». قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله، قال: «لو أن الناس اعتزلوهم». قال عبد الله قال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي ﷺ»(١)
وهذا الكلام يدل على أمرين: (أحدهما) أن أحمد رضي الله عنه كان يديم التنقيح في المسند، فكان يحذف ما يبدو له تعارضه مع المشهور من الصحاح، ولم ين عن ذلك حتى في مرضه الذي مات فيه.
(ثانيهما) أنه كان حريصاً على نقد المتن، كما هو حريص على نقد السند، ونقد المتن عنده ليس متسعاً كما هو عند أبي حنيفة، ومالك رضي الله عنهما، بل لا يرد حديثاً
(١) مقدمة المسند ص ٢٤ بتصرف هو حذف السند
163