وينبغي أن نفهم هذا الخلاف بالمعنى الذي يميزه من معنى الذنب، ومعنى العيب، ومعنى الرذيلة، ومعنى الجريمة؛ فإنه يباينها في طبيعته، ولا يتأتى للإنسان أن يعرف موضوع التحريم منه إلا إذا عرف مشيئة الله فيه، وليست الذنوب أو العيوب أو الرذائل أو الجرائم بهذه الصفة الخاصة بين المحرمات؛ لأن الإنسان قد يعرفها ببداهته أو بتعليم المجتمع الذي يعيش فيه.
فالذنب إساءة قد يجنيها الإنسان على من هو مثله أو من هو دونه، وقد يصاب بها كما يصيب، فهو مسألة إنصاف أو إجحاف في المعاملة.
والعيب نقص يعتري الإنسان من عجزه أو جهله، فهو مسألة كفاية وقصور.
والرذيلة إسفاف يتورع عنه صاحب الفضيلة الذي يروض نفسه على الكمال، فهي مسألة كرامة وابتذال.
والجريمة عدوان بغير حق يتعارف الناس على إنكاره ومجازاة فاعله، فهي مسألة قانون وقضاء.
أما الخلاف الذي يسمى «خطيئة»، فيكفي فيه أن يعمل الإنسان ما لم يرده الإله، ولو لم يكن من ورائه ضرر يعلمه؛ لأن الخلاف قلة إيمان بالمشيئة الإلهية؛ فهو مسألة أدب أو سوء أدب مع الله.
ولفهم الخطيئة على هذا الوجه مشابه في علم السحر والكهانة يقربه من الأذهان على نحو سائغ في كل تعليم، فليس من أدب التلميذ الذي يتلقى خفايا السحر والتنجيم أن يجترئ على كشف القناع عن سر يحجبه المعلم إلى حين، وعليه أن يغمض عنه عينيه ثقة منه بما يختاره له معلمه من درجات المعرفة على حسب مواقيتها المقدورة، فإن خالفه يوما متعجلا أو مستريبا؛ فهذا الخلاف سوء أدب أو جهل يخرجه من عداد الصالحين لعلم الأسرار.
وهذا رسم الخطيئة بين سائر المحرمات! رسمها أنها تحريم يناط بمشيئة الله، ولا يطلب من العباد أن يتجنبوه لسبب غير هذه المشيئة وإن خفيت عليهم وجوه الحكمة فيها.
وقد أورد برتشارد
3
صفحه نامشخص