Hukm al-Taqleed

حكم التقليد

ویرایشگر

عبد العزيز بن عدنان العيدان

ناشر

ركائز للنشر والتوزيع

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م

حكم التقليد
- جواب عن سؤال في:
- حكم معرفة طالب العلم لدليل المسألة.
- حكم التقليد للعاميِّ.
- حكم تقليد المذاهب الأربعة.
للشيخ العلامة
حمد بن ناصر بن عثمان بن مُعَمَّر النجدي التميمي الحنبلي
المتوفى: ١٢٢٥ هـ
تحقيق وتعليق
د. عبد العزيز بن عدنان العيدان

1 / 1

بسم الله الرحمن الرحيم

1 / 4

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن الله تعالى فضَّل العلم النافع وأحب أهله، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، فأعلاهم منزلة عنده أعلمهم به وبشريعته، قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وجعل خشيتَه معلَّقةً به فقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، فتنافس الناس في القرون الثلاثة المفضلة لتحصيل ذلك العلم، وتنادوا فيما بينهم إليه، واجتهدوا في التحقُّق به، وبذلوا الأموال والأوقات، وتركوا من أجله المُتع والملذات، فكثرت فيهم العلماء، وقلت البدع والضلالات، وكان لهجهم بعد التسبيح والتهليل بـ"حدثنا" و"أخبرنا"، وكانوا

1 / 5

يتعلمون العلم لنفوسهم حتى تزكو، ولقلوبهم حتى تجلو، لا للناس أو للجاه أو ليقال، وكان كيد الشيطان فيهم ضعيفًا، والمتعلم منهم من حبائله فطينًا حصيفًا؛ فظهرت السنن وأُمر بالمعروف ونُهي عن المنكر وقامت سوق الديانة، فكلما أوقد أعداء السنن نار البدع أطفوها بماء النبوة.
وكان مسلكهم في تحصيل العلم آنذاك؛ الرجوع إلى صحابة رسول الله ﷺ لسماع القرآن والحديث والتفقُّه فيهما، ثم العمل بمقتضى ذلك والدعوة إليه، واستمروا على ذلك زمانًا صحَّ لهم فيه المأخذ ولم يُعكِّر صفوَه معكِّر.
ولما اتَّسعت رقعة الإسلام، وطالت أطرافه بلاد الأعاجم، وتطاول العهد بالنبوة؛ كثرت الأفهام السقيمة والدواخل الفاسدة، وزاحم أهلَ العلم النافع غيرُهم، وتشعَّبت المقاصد والنيات، فعمد الشيطان بمكايده لدسِّ العلم الضار بالعلم النافع وخَلْطِ بعضه ببعض، حتى إذا ما أراد طالبٌ تحصيل العلم النافع اشتبه عليه بغيره فضلَّ وأضل.
ففي علم الحديث والسير والمغازي؛ سوَّدت الزنادقة والمبتدعة الصحائف بالأخبار الباطلة، فنهض أهل الحديث وحموا الأخبار بحفظها وبيان عللها، قال ابن سيرين: (كانوا لا

1 / 6

يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم).
وفي علم الاعتقاد؛ تكلَّم الفلاسفة ومن تأثَّر بهم بما لا يُعرف في القرون المفضلة، فحرس أهل السنة الحقَّة حمى العقيدة بمصنفاتهم، وبدَّدوا وَهَج الباطل بمواقفهم، وأتوا على بنيان الفلاسفة وأهل الكلام من قواعدهم فخرَّ عليهم السقف من فوقهم.
وفي علم الفقه ومسالك أخذه؛ سلك المقلِّدة والمتعصبة مسلكًا لم يَسبقهم إليه أحد، فتتابع أهل العلم في نقضه، ورموهم من قوس السنة ورماح الآثار، وبيَّنوا المسالك المعرِّفة بأحكام الحلال والحرام.
وهكذا في كل علم من العلوم النافعة الموصلة إلى مرضاة الله، يقيِّض الله من يحرسه من الدواخل الفاسدة، والشبه الملبِّسة، والآراء المضلِّلة، ومنذ ذلك الزمان وأهل السنة يذودون عن حياض العلم، ويجاهدون بأقوالهم وأقلامهم لتمييز النافع منه من ضده، ولإرجاع الناس في سائر العلوم إلى ما كان عليه أهل الزمان الأول، وهم في كل جولة بفضل الله منصورون، وعلى كل باطل بأمر الله ظاهرون؛ وكما قال ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ».

1 / 7

وإن ممن برى قلمه وأحضر دواته لحماية جناب العلم النافع: الشيخ حمد بن ناصر بن معمَّر، في جوابٍ له عن المسلك الصحيح في أخذ الفقه ومعرفة الحلال والحرام، وسُمِّيت الرسالة بـ (الَاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ)، وهي رسالتنا هذه (^١).
فقد بيَّن فيها ﵀ أحوال الناس في معرفة أحكام الحلال والحرام والعمل بها، وأنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المجتهد، الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد، وأن الواجب عليه الاجتهاد لا التقليد.
والقسم الثاني: من كان عاجزًا عن معرفة حكم الله تعالى في مسألة من المسائل؛ كالعامِّيِّ والمتفقِّه القاصر عن النظر: وبين أن مثل هؤلاء فرضهم التقليد.
والقسم الثالث: من كان متوسطًا بين القسمين السابقين، وهو المتفقِّه القادر على النظر والاستدلال، وكانت عنده الآلة التي يُميِّز من خلالها القول الأقرب للدليل، بحيث يشعر برجحان قول على قول: فبيَّن ﵀ أن مثل هذا يجب عليه النظر والاستدلال والعمل

(^١) للشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بُطين جواب عن سؤالٍ قريبٌ من جواب شيخه الشيخ حمد بن معمَّر في هذه الرسالة مودعة في الدرر السنية ٤/ ٦٥.

1 / 8

بما دلَّه عليه الدليل، ولو خالف في تلك المسألة قول مذهبه الذي ينتسب إليه، وذكر كلام العلماء في ذلك.
وهذا القسم الذي أراد المؤلف بيانه والتدليل عليه والإجابة عن الشبهات الواردة عليه؛ هو الذي يطلق عليه كثير من العلماء: مرتبة الاتباع.
وبيَّن ﵀ خطأ مَن ظن مِن المتفقهة أن المرء إما مجتهد أو مقلد، وأن متفقهة المذاهب والمتعلمين ليسوا من المجتهدين، وإنما هم في عداد المقلِّدين؛ فركنوا بسبب ذلك إلى التقليد، وأعرضوا عن العلم التليد، وسلك جماعة منهم في التعلم والتعليم مسلكًا متواكبًا مع ذلك الظن الخاطئ، فجعلوا تلك المتون - التي جعلها العلماء وسيلة لحفظ العلوم - مقاصد، وتلك المختصرات - التي أعدُّوها تنظيمًا للفهوم - قبلة، فبدَّلوا الفقه بالتقليد، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وخلطوا هذا بذاك، وظنُّوا أن ما هم عليه من التمسك بالتقليد علمًا نافعًا، حتى صار منتهى إرادة الواحد منهم فهم عبارات تلك المختصرات، وحفظ المسائل مجردة عن الدلائل، فتصرَّمت أوقاتهم في معاناة ألفاظها، والانكباب على عباراتها، وانصرف بعضهم بل وأعرض عن معرفة حكم الله تعالى في تلكم المسائل بالبحث عن دلائلها من السنن والآثار.

1 / 9

فبيَّن المؤلف ﵀ أن الواجب على المتفقِّه القادر على النظر: الاجتهاد حسب قدرته ووسعه لمعرفة حكم الله تعالى في الوقائع والأحكام من خلال النظر في النصوص والأدلة، وذلك إنما يحصل بالدُّرْبة على مسالك الاجتهاد والنظر، وألا يقتصر المعلِّم في تعليمه على توضيح عبارات المتون والمختصرات، وبيان ما أجملته أو تخصيص ما عمَّمته، أو تقييد ما أطلقته، أو التنبيه على ما خالفت فيه راجح المذهب عند المتأخرين.
بل ينبغي على المعلِّم والمتعلِّم أن يسلكوا في التفقُّه ومعرفة الحلال والحرام مسلكًا تبرأ به ذممهم، ويقوموا بالواجب المتوجِّه إليهم، ويجمعوا بين الاستفادة من مصنفات الفقهاء، والدربة على النظر والاستدلال والبحث عن مراد الله تعالى في الأحكام.
وينبغي على المعلِّم أن يقوم بتعظيم الأحاديث والآثار في نفسه وفي نفس الدارس عنده، وأن يستنهض الملكات للنظر فيها والترجيح بينها، فيدرِّب المتفقِّه على التفقُّه والاستدلال، وعلى تقديم الدليل وتعظيمه ولو خالف مذهبه، وأن يعمل بما ترجح عنده لكونه الواجب عليه.
فإن العلماء لما صنفوا المصنفات وكتبوا المختصرات؛ قصدوا من ذلك كله تسهيل العلم على راغبيه، وجمع مسائله لطالبيه؛

1 / 10

ليتحصَّل عند طالب الفقه ملكةً يعرف من خلالها كيفية التعامل مع نصوص الوحي، ومُكْنةً يقدر من خلالها استنباط أحكام ما لم ترد فيه النصوص، فيعبد الله على بصيرة، ويأمر بالمعروف على بصيرة، وينهى عن المنكر على بصيرة.
ولم يقصدوا من كتابة المختصرات أن يكون المقصد والمنتهى فيها معرفة عباراتها والوقوف على مفاهيمها، بحيث يتشاغل الإنسان بها عن الأحاديث والآثار والتفقُّه فيهما.
فإن مثل هذا الأمر هو الذي دعا الإمام أحمد ﵀ إلى إنكاره على وضع الكتب؛ فقد جاء عنه فيما نقله ابنه عبد الله في مسائله (ص ٤٣٧)، أنه قال: (كلما جاء رجل وضع كتابًا ويترك حديث رسول الله ﷺ وأصحابه)، وعاب وضع الكتب وكرهه كراهية شديدة.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (ولما حدث قليل من هذا، لا يشبه ما أنتم عليه في زمن الإمام أحمد، اشتد إنكاره لذلك)، ثم قال: (ولما ذكر له بعض أصحابه أن هذه الكتب فيها فائدة لمن لا يعرف الكتاب والسنة، قال: إن عرفت الحديث لم تحتج إليها، وإن لم تعرفه لم يحل لك النظر فيها) ينظر: الدرر السنية ١/ ٤٧.

1 / 11

وقد بيَّن ابن بدران سبب كراهية الإمام أحمد لوضع الكتب فقال: (اعلم أن الإمام أحمد ﵁ كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي، وما ذلك إلا ليتوفر الالتفات إلى النقل ويزرع في القلوب التمسك بالأثر) ينظر: المدخل ص ١٢٣.
فالإمام أحمد ﵀ إنما أراد سد الذريعة هجر السنن والآثار، ومن أجاز كتابة الكتب رأى أنها من المصالح المرسلة التي تُعين على جمع العلم وتسهيله على طلابه، وأجمع الكل على أن هذه الكتب والمصنفات إنما هي وسيلة لضبط العلم وحفظه، وأن يُحصِّل الناظر فيها على الآلة التي من خلالها يُدرك مراد الله تعالى، لا أن يُتشاغل بها عن السنن أو تُرد بها الآثار.
ومن ذلك كتابة المختصرات، فإنهم كتبوها ليجمعوا مسائل الأبواب في مذاهبهم بعبارات وجيزة، متضمنةً لمعاني كثيرة؛ فيسهل استحضار المسائل والأحكام، وتكون معينًا للمبتدي وتذكيرًا للمنتهي.
وقد بيَّن الرازي المقصود من كتابة المصنفات، فقال: (فإن قلت: فلم صُنفت كتب الفقه مع فناء أربابها؟ قلت: لفائدتين: إحداهما: استفادة طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث وكيفية

1 / 12