حدود در اصول

الحدود في الأصول

ویرایشگر

محمد حسن محمد حسن إسماعيل

ناشر

دار الكتب العلمية

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

محل انتشار

بيروت - لبنان

•
مناطق
اسپانیا
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عباسیان
الْحُدُود فِي الْأُصُولِ
تأليف
القَاضِي أبي الْوَلِيد سُلَيْمَان بن خَلَف بن سَعد بن أَيُّوب الْبَاجِيّ الذَّهَبِيّ الْمَالِكِي
الْمُتَوفَّى سنة ٤٧٤ هـ

1 / 89

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
أما ترجمة المصنّف أبي الوليد الباجي المتوفّى سنة ٤٧٤ هـ، فتقدمت في كتاب الإشارة، ولقد استعنّا بفضل الواحد الأحد الفرد الصمد في تحقيق هذا الكتاب على نسخة مكتبة الأسكوريال - مدريد، تحت رقم [١٥١٤/ ٤] وتقع في [٢٢/ ق] ويوجد بها خرم بمقدار سطر تقريبًا نبّهنا عليه في الهامش.
وليعذرنا طَلَبَة العلم على هذا الجهد القليل الضعيف الحقير.
طالب العلم/ محمد فارس

1 / 91

ل /أ / الورقة الأولى نسخة الأسكوريال

1 / 93

اللوحة الأخيرة من نسخة الأسكوريال

1 / 94

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى اللَّه على محمد وعلى آله وسلم
قال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي ﵁:
الحد: هو اللفظ الجامع المانع (١).
معنى الحدّ ما يتميز به المحدود ويشتمل على جميعه، وذلك يقتضي أنه يمنع مشاركته لغيره في الخروج عن الحدّ، ومشاركة غيره له في تناول الحدّ له.
وأصل الحدّ في كلام العرب المنع. قال اللَّه ﵎ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩]. ومنه سُمِّي السجَّان حدَّادًا لمنعه من يُسجن من الخروج والتصرف.
فلما كان في الحدّ ما قدمناه من المنع، صحّ أن يوصف بالحدّ. وهذه العبارة من قولنا "اللفظ الجامع المانع" يتناول الحدَّ وحدَّ الحدِّ وحدَّ حدِّ الحدِّ إلى ما لا نهاية له؛ لأن اسم الحد واقع على جميعها.
العلم: معرفة المعلوم على ما هو به (٢).
لو اقتصرنا من هذا اللفظ على قولنا "العلم المعرفة" لأجزى ذلك، ولم ينتقض طردًا ولا عكسًا، لكنَّا زدنا باقي الألفاظ على وجه البيان لمخالفه من خالف في ذلك.
وقد ترد ألفاظ الحد لدفع النقض، وترد للبيان في موضع الخلاف. وإنما قلنا "المعلوم" ليدخل تحته المعلوم المعدوم والموجود. ولا يصح أن يقال "إنه معرفة الشيء على ما هو به" على قولنا إن المعدوم ليس بشيء، لأن ذلك كان يخرج المعلوم المعدوم عما حددناه، ويوجب ذلك بطلان الحد لقولنا وقول أكثر الأمة إن المعدوم يصح أن يعلم.

(١) التعريفات ص ٧٣.
(٢) التعريفات ص ١٣٥.

1 / 95

بل نعلم ذلك من أنفسنا ضرورة إن علومنا تتعلق بما عُدم من غزوة بدر واحد، وظهور النبي ﷺ وكثير من الصحابة ﵃ ممن وقع لنا العلم به من جهة الخبر المتواتر.
وإنما قلنا "على ما هو به" ولم نقل على صفته، لأن ما يحتمل الصفة لا يكون إلا موجودًا، فكان ذلك أَيضًا يخرج المعدوم عن أن يكون معلومًا.
وإنما قلنا "معرفة المعلوم على ما هو به" ولم نقل اعتقاده على ما هو به، لأن الاعتقاد ليس بعلم، ولا من جنسه، ولذلك نجد كثيرًا من أهل الكفر والضلال يعتقدون الشيء على خلاف ما هو عليه من الإلحاد والاتحاد والتثليث، وليس شيء من ذلك يعلم، لأن العلم لا يتعلق بالمعلوم إلا على ما هو به، والاعتقاد يتعلق بالمُعْتَقَدِ على ما هو به وعلى ضد ذلك وخلافه. واللَّه أعلم.
العلم الضروري: ما لزم نفس المخلوق لزومًا لا يمكنه الانفكاك منه ولا الخروج عنه.
وصفُ هذا العلم بأنه ضروري معناه أنه يوجد بالعالِمِ دون اختياره ولا قصده.
ويوصف الإنسان بأنه مضطر إلى الشيء على وجهين:
أحدهما: أن يوجد به دون قصده. كما يوجد به العمى والخرس والصحة والمرض وسائر المعاني الموجودة به وليست بموقوفة على اختياره وقصده.
والثاني: ما يوجد به بقصده، وإن لم يكن مختارًا له، من قولهم اضطر فلان إلى أكل الميتة وإلى تكفف الناس. وإن كان الأكل إنما يوجد به بقصده.
ووصفنا للعلم بأنه "ضروري" من القسم الأول، لأن وجوده بالعالِمِ ليس بموقوف على قصده.
وقلنا في الحد "ما لزم نفس المخلوق" احترازًا من علم الباري تعالى، فإنَّه ليس بضرورة.
والعلم الضروري يقع من ستة أوجه: الحواس الخمس. وهي حاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذوق وحاسة اللمس.
والحاسة على الحقيقة التي يتعلق بها وقوع هذا العلم إنما هو المعنى الموجود بهذه الأجسام دون الأجساد.

1 / 96

والبصر يختص بمعنى تدرك به الأجسام والألوان والأكوان، وهي الحركة والسكون. وحاسة السمع تختص بإدراك الأصوات. وحاسة الشم تختص بإدراك الروائح. وحاسة الذوق تختص بإدراك الطعوم. ولكل واحد من هذه المعاني اختصاص بعضو من الأعضاء، وأما حاسة اللمس فموجودة لكل عضو فيه حياة، وتختص بإدراك الحرارة والرطوبة واليبوسة. وعند بعض العلماء بالصلابة والرخاوة. وهذا كله يجري العادة، وقد يصح مع خرق العادات وجود تعلق كل معنى من تلك المعاني بغير ما شاهد تعلقه به الآن.
وقد يقع العلم الضروري بالخبر المتواتر. وله اختصاص بالسمع بحسب ما تقدّم.
ويقع العلم الضروري ابتداءً من غير إدراك حاسة من الحواس. كعلم الإنسان بصحته وسقمه وفرحه وحزنه وغير ذلك من أحواله، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان وغير ذلك من المعاني.
والعلم النظري: ما احتاج إلى تقدم النظر والاستدلال ووقع عقيبه بغير فصل.
قولنا "نظري" يقتضي اختصاصه بالنظر والاستدلال، وأنه لا يوجد إلا به. وفي ذلك احتراز من العلم الضروري، لأنه لا يحتاج إلى تقدم نظر واستدلال، واحتراز من علم الباري ﵎، فإنه لا يحتاج إلى نظر واستدلال.
وقولنا "ووقع عقيبه بغير فصل" على قول القاضي أبي بكر في قوله إن العلم النظري إنما يقع بعد كمال النظر والاستدلال.
وذهب الشيخ أبو عبد اللَّه بن مجاهد إلى خلاف ذلك، أو أنه يقع مع النظر والاستدلال، وأنه كما وقع جزء من النظر وقع جزء من العلم حتى يكمل النظر، فيكمل بكماله العلم.
والاعتقال: تيقن المعتقد من غير علم.
ومعنى ذلك أن يتيقن بغير العلم. لأن العلم يتضمن التيقن، ومن علم شيئًا تيقنه، وقد يتيقن المتيقن بغير علم، وهذا هو الاعتقاد.
والذي يتميز به اليقين من العلم أن المعتقد يتيقن الشيء وهو على خلاف ما يعتقده، ومحال أن يعلم الشيء، ولا يكون على ما يعلمه.

1 / 97

وقد قال مالك ﵀: إن لغو اليمين هو أن يحلف الرجل على الشيء يتيقنه وهو على خلاف ما حلف عليه.
إنما أوردت هذا القول عن مالك ليبين أن ما ذكرته في اليقين أمر شائع في السلف والخلف.
ولذلك ينقسم الاعتقاد إلى قسمين: صحيح وفاسد. فمن اعتقد الشيء على ما هو به، فاعتقاده صحيح. ومن اعتقد الشيء على ما ليس به، فاعتقاده فاسد، واعتقاده ذلك جهل. ولذلك حددنا الجهل بأنه اعتقاد المعتقد على ما ليس به. واللَّه أعلم.
ويصح أن نريد بقولنا "تيقن المعتقد من غير علم" أنه تيقن ليس من متضمن العلم ولا سببه. والاعتقاد عند القائل بهذا القول أحد أضداد العلم كالشك والظن لأنه إذا كان اليقين من مقتضى العلم خرج عن أن يكون اعتقادًا، وكان علمًا. فهذا عُرْيَ عن ذلك صار اعتقادًا. فمحال اجتماع العلم والاعتقاد لكونهما ضدين خلافيين. واللَّه أعلم.
والجهل: اعتقاد المُعْتَقَد على ما ليس به.
قولنا "اعتقاد المعتقد على ما ليس به" صحيح، لأن الجاهل معتقد لما يعتقده من الموجودات على غير ما هي عليه. ولو اعتقدها على ما هي عليه لم يكن عند كثير من العلماء موصوفًا بالجهل، وإن لم يكن عالمًا بها.
إنما قلنا "على ما ليس به" ولم نقل "على خلاف ما هو عليه" لأن المعدوم لا يوصف بأنه خلافٌ لشيء ولا غيرٌ له. فلو قلنا: على خلاف ما هو عليه، أو على غير ما هو عليه لخرج الجهل بالمعدوم عن أن يكون جهلًا، وذلك يبطل الحد ويوجب فساده.
والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر (١).
والظن: تجويز أمرين فما زاد لأحدهما مزية على سائرها (٢).
الظن في كلام العرب على قسمين:

(١) التعريفات ص ١١٣.
(٢) التعريفات ص ١٢٥.

1 / 98

أحدهما: أن يكون بمعنى العلم. من قوله تعالى: ﴿نِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: الآية ٢٠]. وقول الشاعر:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سُراتهم بالفارسي المصرد
والضرب الثاني: ليس بمعنى العلم، ولكنه من باب التجويز. وللمظنون مزية على سائر الوجوه التي يتعلق بها التجويز وهذا الجنس هو الذي حددناه
وأما القسم الأول فقد دخل في باب العلم.
ولا يصح الظن ولا الشك في أمر لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، وإنما يصح فيما يحتمل وجهين وأكثر من ذلك. فإن قوي تجويز أحد الوجوه التي يتعلق بها التجويز كان ظنًّا، وإن استوت كان شكًّا.
والظن في نفسه يختلف، فيقوى تارة ويضعف أخرى ما لم يبلغ حد مساواة هذا الوجه لغيره من الوجوه، فيخرج بذلك عن أن يكون ظنًّا.
والسهو: الذهول.
معنى السهو أن لا يكون الساهي ذاكرًا لما نسي. وهو على قسمين:
أحدهما: أن يتقدمه ذكر ثم يعدم الذكره فهذا يصح أن يسمى سهوًا ويصح أن يسمى نسيانًا.
والقسم الثاني: لا يتقدمه ذكره فهذا لا يصح أن يوصف بالنسيان، وإنما يوصف بالسهو والذهول.
والعقل: العلم الضروري الذي يقع ابتداءً ويعم العقلاء.
فلا يلزمنا على هذا معرفة الإنسان بحال نفسه من صحته وسقمه وفرحه وحزنه، لأن ذلك لا يقع ابتداءً، ولولا وجود ذلك به ما علمه.
وليس كذلك علمنا بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الضدين لا يجتمعان، فإن ذلك يعلمه العاقل من غير حدوث شيء ولا وقوعه ولا إدراك حاسة ولا سماع خبر.
وليس كذلك العلم الواقع عن إدراك الحواس، فإنه لا يقع إلا بإدراك الحواس، وكذلك علم الإنسان بصحته وسقمه، فإنه لا يقع ابتداءً، وإنما يقع بعد أن يوجد ذلك به.

1 / 99

وقاله القاضي أبو بكر إنه يقع ابتداءً، فقد قرن به ما بين هذا، فقال إنه يقع ابتداءً من غير إدراك حاسة، ولم يقل إنه يقع ابتداءً على الإطلاق، وإنما قال إنه لا يحتاج في العلم به إلى إدراك حاسة من الحواس المتقدم ذكرها (١). واللَّه أعلم.
ووجه آخر، وهو أن معرفة الإنسان بمرضه وصحته لا يعم العقلاء، وإنما يختص بذلك من وجد به، وكذلك مخبر أخبار التواتر لا يعم العقلاء وإنما يقع العلم به لمن سمع بذلك الخبر دون غيره على الوجه الذي يقع به العلم. واللَّه أعلم.
وقال القاضي أبو بكر: حد العقل بعض العلوم الضرورية. وكان الشيخ أبو عبد اللَّه بن مجاهد يذهب في حده إلى أنه "مادة تعرف بها حقائق الأشياء" وأنكره أكثر شيويخنا البغداديين، لأنه إن كان أراد بقوله "مادة" أنه من جنس الأجسام والجواهر على ما يذهب إليه الفلاسفة من أنه جوهر بسيط فغير صحيح، لأن الأحكام لا تثبت بالأجسام ولا بالجواهر، ولا تكون عللًا لها، ولذلك لم يكن المتحرك متحركًا بجسم ولا جوهر، ولا الأبيض أبيض ولا الأسود أسود ولا العالم عالمًا ولا الجاهل جاهلًا، وإنما تثبت الأحكام بالأعراض التي هي علل لثبوتها.
وإن كان أراد بقوله "مادة" أنه عرض من الأعراض، فينتقض بالعلم الذي تعلم به حقائق الأشياء، فإنَّه ليس من العقل بسبيل، لأن الحيوان يعلم كثيرًا من الأشياء، فيعلم ما يتقوت به فيقصده، وما لا يتقوت به ويضره فيجتنبه، ويعلم زجر من يزجره فيزدجر، ولا يوصف لذلك أنه عاقل. فوجب أن يكون ما يختص به من يُسمى عاقلًا ويوصف بذلك في لسان العرب وهو الإنسان.
فإذا كان العقل مما يختص به الإنسان من العلوم، فقد قال القاضي أبو بكر بأنه ما يُعلم به أن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان وهذا يختص بمعرفته الإنسان الذي يختص بالوصف بالعقل دون الحيوان الذي لا يوصف بذلك. وهذا الذي قاله القاضي أبو بكر في هذه المسألة وذهب إليه كثير من شيوخنا.
وأما ما حُدّ به العقل بأنه "بعض العلوم الضرورية" فعندي أنه ينتقض بخبر أخبار التواتر وما يدرك بالحواس من العلوم، فإنه بعض العلوم الضرورية، ومع ذلك فإنه

(١) انظر التمهيد للباقلاني ص ٣٧.

1 / 100