فأمر بأن يضيق عليه أشد التضييق، وأن يحبس في اسطبل الدواب، ويسد عليه الباب، وأن يعطى له في اليوم والليلة قرص شعير، وشربة ماء مع غاية التكدير، ففعلوا به ذلك، وأوردوه موارد المهالك، فاشتغل بنظم قصيدة يمدح بها النبي ﷺ ويتوسل به في خلاصه. ففي اليوم الرابع من حبسه دخل سليم بن باكير الدنادشة حمص قهرًا، ومعه مايتا فارس فقتلوا العامل المرقوم شر قتلة، وخرج المترجم من الحبس وفرج الله عنه ببركة النبي ﷺ هذه القصيدة:
توسلت بالمختار أرجى الوسائل ... نبي لمثلي خير كاف وكافل
هو الرحمة العظمى هو النعمة التي ... غدا شكرها فرضًا على كل عاقل
هو المصطفى المقصود بالذات ظاهرًا ... من الخلق فانظر هل ترى من مماثل
نجي إله العرش بل وحبيبه ... وخيرته من خير أزكى القبائل
شمائله تنبيك عن حسن خلقه ... فقل ما تشا في وصف تلك الشمائل
وأخلاقه فاه الكتاب بمدحها ... ولاسيما الإعراض عن كل جاهل
نبي هدى سن التواضع عن علا ... فحل من العليا بأعلى المنازل
تقي تردى الجود والحلم حلة ... تجسم فيها المجد بعد التكامل
وفي الحرب والمحراب نور جبينه ... يريك شعاع الشمس من غير حائل
له النسب الوضاح والسؤدد الذي ... تسامى على هام السهى بالتطاول
يقولون لي هلا ابتهجت بمدحه ... فإنك ذو فهم كفهم الأوائل
فقلت لهم هل بعد مدحة ربنا ... وخدمة جبريل مجال لقائل
وأين الثنا ممن رأى الله يقظة ... وقام يناجي ربه غير ذاهل
ولكنه بحر البحور تواصلت ... لأفضاله بالمدح كل الأفاضل
دعوتك يا الله مستشفعًا به ... فكن منجدي يا منتهى كل آمل
سألتك كشف الضر عني بجاهه ... وحاشاك أن لا تستجيب لسائل
إلهي قد اشتدت كروبي وليس لي ... سواك مغيث في الخطوب الغوائل