حلم العقل: تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة
حلم العقل: تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة
ژانرها
من أفضل ما قيل عن الكتاب
مقدمة المترجم
شكر وتقدير
مقدمة
الجزء الأول
1 - النموذج الأصلي: الملطيون
2 - تناغم العالم: الفيثاغوريون
3 - الرجل الذي بحث عن نفسه: هرقليطس
4 - حقيقة اللاشيء: بارمنيدس
5 - طرق المفارقة: زينون
صفحه نامشخص
6 - الحب والصراع: إمبيدوكليس
7 - العقل والمادة: أناكساجوراس
8 - من يضحك أخيرا: ديموقريطس
9 - وهبت رياح المتاعب: السفسطائيون
الجزء الثاني
10 - شهيد الفلسفة: سقراط والسقراطيات
11 - جمهورية المنطق: أفلاطون
12 - المعلم الأول: أرسطو
الجزء الثالث
13 - الطرق الثلاث إلى السكينة: الأبيقورية والرواقية والشكوكية
صفحه نامشخص
14 - قلعة الورع: من العصور القديمة حتى عصر النهضة
من أفضل ما قيل عن الكتاب
مقدمة المترجم
شكر وتقدير
مقدمة
الجزء الأول
1 - النموذج الأصلي: الملطيون
2 - تناغم العالم: الفيثاغوريون
3 - الرجل الذي بحث عن نفسه: هرقليطس
4 - حقيقة اللاشيء: بارمنيدس
صفحه نامشخص
5 - طرق المفارقة: زينون
6 - الحب والصراع: إمبيدوكليس
7 - العقل والمادة: أناكساجوراس
8 - من يضحك أخيرا: ديموقريطس
9 - وهبت رياح المتاعب: السفسطائيون
الجزء الثاني
10 - شهيد الفلسفة: سقراط والسقراطيات
11 - جمهورية المنطق: أفلاطون
12 - المعلم الأول: أرسطو
الجزء الثالث
صفحه نامشخص
13 - الطرق الثلاث إلى السكينة: الأبيقورية والرواقية والشكوكية
14 - قلعة الورع: من العصور القديمة حتى عصر النهضة
حلم العقل
حلم العقل
تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة
تأليف
أنتوني جوتليب
ترجمة
محمد طلبة نصار
من أفضل ما قيل عن الكتاب
صفحه نامشخص
يقدم هذا الدليل الرائع للمتفكرين الإلهام والسلوى في الآن عينه ... وهو يتسم بسلاسة الأسلوب، وعمق المعلومة، وبراعة الكتابة ... وينتهي نهاية مشوقة بمجيء ديكارت وبزوغ فجر الفلسفة الحديثة، والتي سيتناولها جوتليب في كتاب لاحق لا أطيق الانتظار حتى أقرأه.
شوشا جوبي، صحيفة «ذي إندبندنت»
على كل شخص أن يعرف ولو اليسير من المعلومات عن تاريخ الفكر اليوناني، وهذا الكتاب هو السبيل الأمثل لذلك. إنه كتاب واضح، ومشروح بشكل رائع، وخضعت مادته للدراسة المستفيضة، ومكتوب بشكل سلس، ويتسم بالطرافة في المواضع المناسبة، كما أنه يفيض بالاحترام لإنجازات الماضي.
كولين ماكجين، صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»
ها هو كتاب وضعه صحفي يتناول فيه نصف تاريخ الفلسفة، وكم ينبض بالحياة هذا الكتاب! إنه يحوي من المعلومات ما يفتقده بعض من الكتب التي يقدمها الفلاسفة أنفسهم، وهو يقرب الفلسفة من أذهان الجمهور، لكن دون ابتذال أو إسراف في التبسيط ... وحين يصدر الجزء الثاني، سأكون قطعا من بين قارئيه.
تيد هوندرايش، مجلة «جود بوك جايد»
حين كنت صغيرا انغمست لأيام في فيض من المتعة والاكتشاف من خلال كتاب برتراند راسل «تاريخ الفلسفة الغربية». وفي وقت لاحق، حدث الأمر عينه مع كتاب إيه جيه آير «اللغة والحقيقة والمنطق». إن الاستعراض الرائع الذي يقدمه جوتليب لا يوسع من آفاق اهتماماتي ومعارفي الحالية فحسب، وإنما يعيد إلي أيضا ذلك الشعور بالإثارة الذي كنت أشعر به خلال رحلات الاستكشاف المبكرة التي قمت بها بين جنبات عالم الفلسفة؛ عالم المعرفة والتعلم.
جون بايلي
يركز جوتليب على أكثر المواضع إثارة للاهتمام وأكثرها ثراء في فكر أي فيلسوف ... وإذا جاء الجزء الثاني من عمله على نفس المستوى، فسيشكل الجزآن أفضل تأريخ للفلسفة منذ أعمال برتراند راسل.
نيكولاس فيرن، مجلة «سبكتيتور»
صفحه نامشخص
يكتب جوتليب بسلاسة ورشاقة، ويتمتع بموهبة جعل الأمور الصعبة تبدو يسيرة الفهم.
ريتشارد جنكنز، صحيفة «ذا نيويورك تايمز»
من المميزات البارزة للكتاب أنه لا يستعرض مجموعة من النتائج فحسب، كما تفعل الكتب التي تتناول تاريخ الفلسفة بشكل مختصر، وإنما يعرض عددا من الحجج المقدمة على نحو سلس.
أنتوني كوينتون
يندر أن نجد من القراء من لم يتعلم الجديد من هذا الكتاب، بل ويندر أكثر أن يشعر أحدهم بالسأم.
فريدريك رافايل، صحيفة «ذا صنداي تايمز»
إن كتاب جوتليب بما يتمتع به من أسلوب شائق وما يزخر به من معلومات رائعة يستحق أن يكون المقدمة التاريخية المعيارية للطلاب وللقراء العاديين، وأن يحل محل سواه من الكتب، بما في ذلك كتاب برتراند راسل الذي حقق نجاحا كبيرا «تاريخ الفلسفة الغربية».
إيه سي جرايلينج، صحيفة «ذي إندبندنت أون صنداي»
كتاب «حلم العقل» لجوتليب كتاب ممتع في قراءته. وهو مكتوب بكل رشاقة وحرفية، ويرسم صورة كلية رائعة للفلسفة الغربية وصولا إلى عصر النهضة.
سير روجر بنروز
صفحه نامشخص
إن مناقب هذه الخلاصة الوافية واضحة للعيان؛ فهي مكتوبة بأسلوب مرح لائق، حيث يظهر لويس كارول إلى جوار بارمنيدس، ويساعدنا فلان أوبراين على استيضاح أفكار هسيود، ويحلق أمبرتو إيكو بأجنحة أرسطية.
جورج شتاينر، صحيفة «ذي أوبزرفر»
مع هذا الكتاب،يصير تاريخ الفلسفة ممتعا متعة لا حدود لها ومفيدا أقصى درجات الاستفادة.
سير أنتوني كيني، الملحق الأدبي الأسبوعي لصحيفة «ذا تايمز»
كل جيل محكوم عليه أن يعيد تفسير الماضي، ومحكوم عليه أن يعيد صياغة نفس الأسئلة الجوهرية. وهذا الكتاب الرائع يبين مدى جدوى هاتين العمليتين، وكيف يمكن أن يستمتع المرء أثناء القيام بهما.
كريستيان تايلر، صحيفة «فاينانشال تايمز»
كتاب آسر للألباب، مكتوب بصورة خلابة وبحرفية مبهرة، وفي الوقت عينه يتسم بروح الهواية في أفضل صورها.
روبرت كونكويست، الملحق الأدبي الأسبوعي لصحيفة «ذا تايمز»: أفضل كتب العام على مستوى العالم
مقدمة المترجم
ما من شيء يستحق الثناء كالسعي إلى تيسير المعرفة لمن تبدو لهم بعض أنواعها عسيرة. وعندما يتجاوز المؤلف عرض الأفكار مبسطة إلى تقديمها للقارئ سائغة في قالب يجمع بين لغة الحياة وحبكة القصة؛ فهو يبلغ الغاية في نيل المسعى. ولم يكن دخول هذا الكتاب قوائم الكتب الأكثر شعبية إلا نتيجة لقدرة مؤلفه أنتوني جوتليب على تحقيق هذا الإنجاز بالمزج بين تيسير الأفكار واستخدام الحكي، إضافة إلى سهولة اللغة وحيويتها التي تأتي من قدرة المؤلف على استخدام الانتقالات اللغوية الخاطفة، وتعبيرات الحديث اليومي المفعمة بطاقة من الحميمية. وإذا صح أن بعض المؤلفين ينهل من بحر لا ينفد فلا شك أن جوتليب أحد هؤلاء المؤلفين، حتى وإن كان الموضوع الذي يتناوله جامدا كالصخور.
صفحه نامشخص
يبلغ متن الكتاب في نسخته الإنجليزية أربعمائة وثلاثين صفحة، حشاها المؤلف بالتأريخ للفلسفة الغربية القديمة في الحضارتين اليونانية والرومانية وفلسفة عصر النهضة الأوروبي، مع إشارات للتراث الفلسفي استوجبها البحث في الحضارات الأخرى، كما في حالتي الفلسفة الإسلامية والفارسية القديمة متمثلة في المانوية. وقد اجتهد المؤلف في الجمع بين شمول العرض والحفاظ على انتباه القارئ العادي بالتسهيل والتقريب، مدركا أن الخطر الرئيس الذي يواجه مؤلفا لكتاب كهذا يكمن في إقناع القارئ بأن يستمر في القراءة إلى النهاية، وألا تقف المفاهيم الفلسفية عائقا أمام القراءة المتحمسة. ويغطي الكتاب رحلة الفلسفة عبر ما يزيد على ألفي عام، بدءا من طاليس الملطي في القرن السادس قبل الميلاد وانتهاء برينيه ديكارت في القرن السابع عشر، ليعرض لتقلبات البحث الفلسفي وخيوطه الممتدة عبر قرونه الطويلة وسياحاته في مجالات تخرج عن التعريف الدقيق للفلسفة الآن. ونحن في ذلك بإزاء تأريخ للفلسفة وتأريخ للفلاسفة أنفسهم في اهتماماتهم التي تخرج أحيانا عن التعريف الدقيق للفلسفة، مع الأخذ في الاعتبار أن معنى الفلسفة كان يتجاوز تعريفها الضيق في العصور الحديثة. ولا شك أن هذا يفيد القارئ في الإلمام بإنجازات الفلاسفة، ويعرفه بمسار العلوم من الاندراج تحت علم واحد هو الفلسفة إلى تمايزها واستقلالها بتأثير التراكم المعرفي الهائل الذي حدث للإنسان على مر العصور.
ورغم ولوجه في أغوار الأفكار الفلسفية لم يفقد المؤلف حياده ولا قدرته على البحث في الفلسفة وتاريخها بنفس الباحث، وإن كان نجح فيما هو أصعب من ذلك وهو إرجاع نفس الباحث إلى خلفية الكتاب ليلعب دور الشاعر المتجول الذي يمضي في البلاد حاكيا تاريخ الأقدمين وحكمتهم، فيستمع له العامة ويأخذون عنه الحكمة.
والقارئ العربي ليس بعيدا عن مرامي الكتاب وفوائده؛ فالمؤلف وإن حصر اهتمامه في تاريخ الفلسفة الغربية واقفا على أعتاب العصر الحديث الذي سيغطيه بكتاب آخر ينبغي أن يكون محل ترقب كذلك، لم يفته أن يذكر - ولو في سطور قليلة - أن في تاريخ الفلسفة الغربية بين العصور الهيلينية من جانب وفلاسفة اللاهوت المدرسي وعصر النهضة من جانب آخر لم يصله إلا اعتناء العرب بهذه الفلسفة من خلال جهود ابن سينا والفارابي والكندي، فضلا عن جهود العرب المتقدمة في الرياضيات والبصريات والتشريح، وهي جلها الجهود التي أفاد منها الغرب بالرحلة إلى الأندلس لطلب العلم وبالترجمة عن العربية إلى اللاتينية.
ومما يتميز به الكاتب عن غيره ربطه الفلسفات القديمة بأصدائها في الفكر الحديث، كربطه - على سبيل المثال - بين مقولات السفسطائيين في نسبية الحقيقة والنزعات النسبية الحديثة في مجال الأخلاق والثقافة، وصولا إلى الفلسفة البرجماتية الحديثة لدى وليام جيمس، مراعيا بدقة الباحث بيان أوجه الاختلاف بين النسبيات الحديثة والنسبية اليونانية. ويستعرض المؤلف بمهارة وتركيز الجدل القائم بين القائلين بالنسبية والرافضين لها، واضعا حجج الفريقين أمام القارئ ليصبح الأخير مستوعبا للمقولات الجدلية الأساسية للنزعتين في صفحات إن لم يكن في سطور قليلة، وليفتح له بعد ذلك آفاقا أخرى من التفكير والبحث في هذه القضية القديمة قدم الإنسان. ومن أمثلة ذلك عرضه المركز لأشكال القياس الأربعة عند أرسطو، واستمرار هيمنة المنطق الأرسطي في الدوائر الفلسفية واللاهوتية حتى القرن التاسع عشر، ثم إيراده نقد القدماء للمنطق الصوري الأرسطي متمثلا في الرواقيين قديما وعدد من الفلاسفة المحدثين، ثم ذكره محاولات لايبنتس في القرن الثامن عشر لتطوير المنطق الأرسطي ليصبح أكثر اكتمالا في قدرته على ضبط المنطق الإنساني والأقضية التي نطلقها في كلامنا، ثم يعرض بعد ذلك لما يشوب نظرة لايبنتس من قصور، ثم يرتد على أثره إلى الراهب رامون لول في القرن الثالث عشر، والذي كان يرى أنه من الممكن إقناع المسلمين بالمسيحية إذا ما أمكن التعبير عن صفات الرب في المسيحية برموز رياضية، وهو جهد رآه المؤلف متسما بالسذاجة الشديدة، ثم يتقدم المؤلف مرة أخرى إلى جذور فكرة الضبط الرياضي للتفكير عند توماس هوبز في القرن السابع عشر، ثم يقفز إلى القرن التاسع عشر مع جهود الإنجليزيين جورج بول وأوجست دو مورجان في تأسيس المنطق الرياضي، ثم ينتهي ببرتراند راسل وأستاذه وايتهيد اللذين مكنا المنطق في نهاية الأمر من أن يصبح علم المنطق الرياضي. وهذا الجهد الأمين الذي لا يتطلب من القارئ سوى بعض التركيز في رحلة الوصول إلى المعرفة انطلاقا من الفلسفة القديمة يشهد وحده بأن الكاتب لم يضح بالمعرفة في سبيل الحكي، بل استطاع في جهد حميد أن يجمع بين أمانة استيفاء المعرفة ومهارة العرض وسلاسته.
ويبدد المؤلف بعض الأوهام الرائجة بشأن هذا الفيلسوف أو ذاك وهذه القصة التاريخية أو تلك، وقد فعل هذا على سبيل المثال مع السفسطائيين مبينا أنهم - أيا كانت مثالبهم - قد مثلوا نزعة نقدية لليقينيات الأخلاقية كانت من الأهمية في تاريخ الفكر الإنساني بمكان واستدعت بالمقابل ردودا وبحوثا فلسفية عبرت بشكل أفضل عن الإيمان بالمطلقات الأخلاقية والدينية والثقافية.
ونظرا لأهمية الأحداث التاريخية المتعلقة بالشخصيات في كتاب من هذا النوع يسعى للمزج بين فن الحكي وعرض الأفكار، يتوقف المؤلف عند لحظات درامية مهمة في التاريخ كلحظة مقتل الفيلسوفة السكندرية هيباتيا، ويعرض الروايتين التاريخيتين المشهورتين لمقتلها، مرجحا أن مقتلها لم يكن بباعث من التعصب الديني ورفض الفلسفة بقدر ما كان بسبب الصراع السياسي بين أورستيس حاكم الإسكندرية وكيرلس رئيس القساوسة بها، وإن بقيت الروايتان تتصارعان وتوظفان أدبيا وتاريخيا لأغراض مختلفة. والمؤلف ينحو إلى ترجيح الرواية التي ترى مقتل هيباتيا ناتجا عن التنافس السياسي على تلك التي تراه عاقبة للتعصب الديني ضد الفيلسوفة غير المسيحية.
يتمتع مؤلف الكتاب بقدرة عالية على المزج بين تبسيط المعني الفلسفي ووجازة العبارة؛ وهذه القدرة على الشرح مع الإيجاز تطرد في جميع فصول الكتاب لتعطيه ما له من سمة مميزة وشعبية مستحقة.
ومن لمحاته اللافتة للنظر التي تدل على طبيعة الكتاب ككل وطريقة تأليفه إشارته في الفصل الخاص بأرسطو إلى تشاؤم أفلاطون مقابل تفاؤل أرسطو، فالكهف المظلم البائس الذي رأى أفلاطون أنه يمثل الحياة على الأرض، وأنه لا بد للفيلسوف أن يريه للناس من هذا المنظور البئيس كي يدركوا أنه لا يمكن الخروج من ذلك الكهف إلا بالتأمل في المثل والاستغراق فيها؛ يراه أرسطو في كتابه الأثير «الحيوان» مكانا يمكن العيش فيه حالما نوقد المصباح لنرى النور لا أكثر، وسيبدو الكهف أشد إثارة إذا بدأنا كذلك في دراسة الحيوانات التي تعيش فيه. وهو ما ظهر كذلك في دفاع أرسطو عن الشعر الذي يراه أفلاطون محاكاة لواقع على الأرض لا يتسم إلا بالنقص والفساد، وأن الاستغراق فيه يبتعد بالناس عن مباشرة المثل والتأمل فيها والتطلع إليها. أما أرسطو فيرى الشعر محاكيا لا لما هو كائن بل لما يجب أن يكون.
ولو توقف الكاتب عند حد العرض والربط والتردد بين القديم والحديث لكان جيدا، ولكنه لم يأل جهدا كذلك في تفنيد رأي هذا الفيلسوف أو ذاك، كما فعل في الفصل الخاص ببارمنيدس مثلا ثم في الفصل التالي الخاص بتلميذه زينون. ولا يخلو فصل من إيراد النقد على هذا الفيلسوف أو ذاك أو من تبديد وهم شائع عن هذه المدرسة أو تلك، كما سبقت الإشارة في حالة بعض السفسطائيين. وهو في هذا يفيد من التطورات المختلفة في البحث في تاريخ الفلسفة ومن التطور في البحث الفلسفي نفسه. ومتى تعذر تكوين فكرة كاملة أو مترابطة عما قصده فيلسوف قديم فقد جل أعماله أو بعضها، أشار إلى ذلك بوضوح ناسبا ما يلحق بفكر القدماء من تشوه إلى هذا السبب التاريخي، بل ويحاول سد الفجوات بشكل أو بآخر معتمدا على القراءات المتتابعة لأعمال هؤلاء الفلاسفة عبر التاريخ، ويظهر ذلك في الفصل الخاص ببارمنيدس وفي الفصل الخاص بأرسطو كما سبقت الإشارة.
وبعد أن يكون الكتاب معارف أساسية لدى القارئ ستتردد أصداء هذه التجربة الثرية التي عايشها خلال رحلته مع الكتاب في حياته وقراءاته بعد ذلك. وكفى بهذا الكتاب فخرا أن يكون عارضا للأفكار الفلسفية الأساسية وأن يحقق إلمام القارئ بها، لم لا وهو يقدم المعرفة في قالب عجيب وطريف يستحق الوصف بالسهل الممتنع!
صفحه نامشخص
شكر وتقدير
لقد قدم لي كثير من الباحثين العون والمساعدة بالتعليقات أو الاقتراحات أو النقد أو بالرد على ما طرحته من أسئلة. ولذلك أخص بالشكر كلا من: جوناثان بارنز، ووالتر بركرت، وبرايان كوبنهافر، والأب الراحل كوبلستون، وجون ديلون، والسير كينيث دوفر، وأنتوني جرايلينج، وجيم هانكينسون، وإدوارد هاسي، وجون مارينبون، وويلارد فان أورمان كواين، وجون فالانس، ومارتن وست. كما أتقدم بخالص الشكر لكل من: أوليفر بلاك، ودانييل بورستين، وراي مونك، وأندرو راشباس، ومات ريدلي، وإيلين سميث (التي كان ذلك الكتاب فكرتها)، والسير بيتر ستروسون، وزوجتي ميراندا سيمور؛ لما قدموه لي من دعم ومساعدة وتشجيع. ولا يفوتني أن أتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير لكل من روبرت بينانت ري وبيل إيموت رئيسي التحرير المتواليين لجريدة «ذي إيكونوميست» لسماحهما لي بإجازات طويلة للتفرغ لهذا الكتاب.
مقدمة
كان آخر ما توقعت أن أكتشفه حين شرعت في تأليف هذا الكتاب منذ أكثر من عشرة أعوام أنه ليس هناك ما يسمى فلسفة، ولكن هذا ما اكتشفته بالفعل وفسر لي الكثير من الأمور بعد ذلك. وانطلقت عازما على إغفال كل ما ظننت أني أعرفه، وبدأت في دراسة كتابات أولئك الذين عاشوا على مدار الألفين والستمائة عام الماضية؛ أولئك الذين يعدهم العالم فلاسفة الغرب العظام. وكان هدفي (الذي تأدب أصدقائي في وصفه ب «الطموح» وغالبا ما كانوا يقصدون «المجنون») أن أتناول قصة الفلسفة كما ينبغي لصحفي أن يعالجها؛ بحيث أعتمد على المصادر الأولية فقط أينما وجدت، وأن أتشكك في كل شيء بات يعتبر حكمة سائرة مألوفة، وفوق كل ذلك أن أحاول تفسير كل ذلك قدر ما أستطيع من الوضوح.
وبينما كنت أعرض للشخصيات المختلفة من القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد الذين جرت العادة على وضعهم في سلة واحدة بوصفهم فلاسفة - بداية بسقراط وأفلاطون وأرسطو (الذين يشار إليهم غالبا بالثالوث، ولكن هل كان هناك من هم أكثر اختلافا فيما بينهم من هؤلاء الثلاثة؟) ومرورا بأهل الفكر في العصور الهيلينية، والمتصوفين والسحرة والمنجمين من أهل العصور القديمة، إلى الأوائل من المفكرين المسيحيين والرهبان المفتونين بالمنطق والعلماء، وعلماء اللاهوت الذين عاشوا في بداية العصور الوسطى، ومن عاش في عصر النهضة من السحرة وأصحاب الرؤى والنحاتين والمهندسين، وصولا إلى بدايات العصور الحديثة - تجلت أمام عيني بنية «الفلسفة» التي تعد افتراضا أقدم موضوعات البحث على الإطلاق، وتوصلت إلى أن علم التأريخ التقليدي الذي يسعى إلى تمييز الفلسفة عن العلوم الفيزيائية والرياضية والاجتماعية والدراسات الإنسانية قد بسطها تبسيطا مخلا؛ إذ كان ضربا من المستحيل أن تقصر ما يشار إليه عادة ب «الفلسفة» على موضوع واحد يمكن وضعه في سهولة على الخريطة الأكاديمية.
يرجع ذلك في أحد أسبابه إلى أن أسماء الأماكن على تلك الخرائط تنزع إلى التغير؛ ففي العصور الوسطى - على سبيل المثال - كانت الفلسفة تغطي عمليا كل فروع المعرفة النظرية التي لا تندرج تحت علم اللاهوت. كان الموضوع البحثي لنيوتن هو «الفلسفة الطبيعية»، وهو مصطلح شاع استخدامه في النصف الأول من القرن التاسع عشر ليغطي معظم ما يندرج الآن تحت بند العلم وجزءا مما يندرج تحت بند الفلسفة. وما كان يسمى بالتفكير الفلسفي يميل بطبيعة الحال إلى التشتت عبر الحدود التقليدية؛ ففضول هذا النوع من التفكير الذي لا يهدأ ونهمه الذي لا يشبع أديا إلى خلق مناطق جديدة من الفكر تزيد مهمة رسم الخريطة تعقيدا. وكما سنرى في الفصل الأول فقد خرجت العلوم الغربية للحياة عندما بلغ بعض المفكرين اليونانيين المعروفين باسم «الفلاسفة الأوائل» من الجرأة مبلغا عظيما تجاهلوا فيه الحديث المعتاد عن الآلهة وشرعوا في البحث عن أسباب طبيعية لكل حدث. وبعد ذلك بفترة طويلة ولد علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد من رحم أعمال من كان يطلق عليهم آنذاك فلاسفة. وما زالت عملية الإبداع تلك مستمرة حتى اليوم؛ فلغات البرمجة على سبيل المثال نشأت بفضل ما كان يعتبر لفترة طويلة أكثر اختراعات الفلاسفة مللا ألا وهو المنطق الصوري. وثمة مثال صغير ولكنه نموذجي لكيفية نجاح الفلسفة في تحقيق طفرات جديدة يتمثل في حالة جورج كانتور - عالم رياضيات ألماني عاش في القرن التاسع عشر - وكان بحثه في موضوع اللانهاية قد استبعده زملاؤه العلماء في بادئ الأمر بوصفه «فلسفة» محضة حيث بدا بحثا شديد الشذوذ والتنظير ولم يكن من الأهمية بمكان، ولكنه الآن يدرس في الجامعات باسم «نظرية المجموعات».
والواقع أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ طريقة تفكير شديدة النهم إلى المعرفة أكثر منه تاريخ فرع محدد من فروع المعرفة. وتعتبر الصورة التقليدية للفلسفة بوصفها ضربا من ضروب العلوم التأملية للتفكير المحض، المفصول فصلا غريبا عن الموضوعات الأخرى، خدعة ووهما في الرؤية التاريخية. ويعزى ذلك الوهم إلى الطريقة التي ننظر بها إلى الماضي، وبالأخص إلى الطريقة التي نميل إليها في تصنيف المعرفة وتقسيمها ومن ثم إعادة تصنيفها، فالأعمال الفلسفية تسترقها العلوم الأخرى وتتبناها على نحو منتظم؛ فما كان بالأمس فلسفة أخلاقية أصبح اليوم جزءا من التشريع أو اقتصاديات الرفاه، وما كان يندرج في الماضي تحت فلسفة العقل أضحى ينتمي إلى العلوم الإدراكية. ويمتد الطريق في كلا الاتجاهين؛ إذ تثير تساؤلات جديدة في العلوم الأخرى أسئلة جديدة لدى المهتمين بالفلسفة حيث يصبح اقتصاد الغد ضربا مهما من ضروب العلم لدى الفلاسفة الأخلاقيين بعد غد. ويتمثل أحد تأثيرات تلك الحدود الفاصلة بين العلوم والتي تتغير باطراد في إمكانية أن يبدو التفكير الفلسفي عقيما على نحو غير معتاد حتى بالنسبة للمبادرات الفكرية. ويعزى ذلك بالأساس إلى أنه إذا اكتسب أي فرع من فروع الفلسفة قيمة وأهمية فسرعان ما يخرج من إطار الفلسفة. ومن ثم نشأ ذلك المظهر الخادع الذي يوحي بأن الفلاسفة لا يحرزون أي تقدم أبدا.
ذات مرة وصف عالم النفس ويليام جيمس الفلسفة بأنها «محاولة شديدة العناد للتفكير بوضوح.» وعلى الرغم من شدة جفاف هذا التعريف فهو أكثر التعريفات التي أعرفها قربا من الصواب. صحيح أن الوضوح ليس تحديدا أول ما يخطر بالذهن عندما يفكر معظم الناس في الفلسفة، فلا أحد ينكر أن محاولات الفلاسفة للتفكير بوضوح غالبا ما باءت بنتائج عكسية (فأيا ما كان الفرع الذي أنتج لنا شخصية مثل هايدجر، مثلا، مدين للعالم بالاعتذار!) ورغم ذلك فإن ويليام جيمس كان محقا في وصف الفلسفة بهذا الوصف؛ ذلك أنه حتى ممارسو أكثر أشكال الفلسفة غموضا يسعون جاهدين إلى فهم الأمور فهما عقلانيا، وهذا الجهد هو ما يجعل منهم فلاسفة. ومع أن ذلك الجهد لا يؤتي ثماره في بعض الأحيان فإنه ينجح في أحيان أخرى.
كان خلع صفة «العناد» على التفكير الفلسفي مناسبا إلى أبعد الحدود؛ حيث وصفه برتراند راسل ذات مرة بأنه «شديد العناد بشكل غير عادي»، والشيء الذي يميزه عن الأنواع الأخرى من التفكير هو عدم استعداده لقبول إجابات تقليدية، حتى عندما يبدو الإعراض عن فعل ذلك حمقا من وجهة نظر عملية؛ ولذلك غالبا ما يصبح الفلاسفة موضع سخرية لدى الجميع. وقد أدرك الأوائل من مؤرخي الفلسفة الإغريق هذا الأمر إدراكا أفضل منا اليوم؛ إذ امتلأت كتبهم بالحكايات الهزلية التي قد يكون بعضها صحيحا ومعظمها في صميم الموضوع، حتى وإن كان مختلقا. ويعد الاعتراض على تلك السخرية ممن يستحق السخرية تجاهلا لروح الدعابة التي تكمن في الفلسفة، فكثيرا ما كان الفلاسفة يرفعون حواجبهم دهشة مما يراه الناس منطقا سليما في ذلك العصر. وتكتمل الدعابة لاحقا عندما يتضح أن «المنطق السليم» هو ما التبس فيه التباسا غير عادي. ولا شك أنه أحيانا لا تصيب الدعابة، ويبدو الفيلسوف في نهاية الأمر هو الأحمق، ولكنها في الحقيقة مخاطر المهنة.
غالبا ما تبوء المحاولة العنيدة لدفع التساؤلات المنطقية إلى حدودها القصوى بالفشل، وحينها يبدو حلم العقل الذي يستنهض التفكير الفلسفي محض سراب، ولكن في أحيان أخرى تحقق المحاولة نجاحا باهرا ويتجسد الحلم على صورة وحي مثمر. ويسعى هذا الكتاب إلى كشف جانبي القصة المتعلقة بحلم العقل منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى عصر النهضة، وستستكمل الحكاية في مجلد ثان من ديكارت حتى عصرنا الحالي.
صفحه نامشخص
الجزء الأول
الفصل الأول
النموذج الأصلي: الملطيون
لن يحسم التاريخ أبدا هوية منشئ الفلسفة، فقد يكون أحد العباقرة الفقراء هو من اخترعها ثم غرق في لجة التاريخ غير المكتوب قبل أن يتمكن من الإعلان عن نفسه للأجيال القادمة. وليس هناك ما يدعونا لأن نعتقد بوجود ذلك الشخص، ولكن عندئذ ما كانت الفلسفة لتظهر إلى الوجود. ولحسن الحظ توجد على الأقل سجلات لإحدى بدايات الفلسفة، حتى إن لم نتيقن من أنها لم تسبق ببدايات أخرى زائفة.
ويحظى حاليا الفلاسفة الأوائل بدراسة جادة في المكتبات والجامعات، لكن العديد منهم اشتهروا في بدايتهم فيما يمكن أن يعد فرعا من الأعمال الاستعراضية؛ فقد كانوا يظهرون للناس مرتدين ثيابا فخمة في الغالب ويلقون المحاضرات عليهم أو يقولون قصائد الشعر فيهم. وقد جذبت هذه العروض الكثير من المارة والأتباع المخلصين وأصحاب العقول البسيطة في بعض الأحيان. وكان بعض هؤلاء الرجال أكثر تبسطا مع الآخرين من غيرهم. فمن جهة نجد الشاعر الرحالة زينوفانيس الذي قال - وهو في الثانية والتسعين من العمر حسب زعمه آنذاك - إنه قضى «سبعة وستين عاما ... طارحا الهموم بين جنبات أرض اليونان.» ومن جهة أخرى نجد مثالا لأحد الأرستقراطيين الذين يزدرون كل ما حولهم وهو هرقليطس الأفسسي (والذي عرف في العصور القديمة باسم «الكئيب» و«المنتحب» و«الغامض») والذي كان باعترافه يبغض الحكماء ومن يستمع إليهم من العامة وبدا أنه يحتفظ بآرائه لنفسه. وقد عاش معظم الفلاسفة الأوائل بين طرفي هذين النقيضين، وكان ذلك في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في أجزاء مما يعرف الآن باليونان وتركيا وإيطاليا.
واليوم يعرف هؤلاء باسم «فلاسفة ما قبل سقراط»، وهو ما يشير إلى أن معظمهم لسوء حظهم - كما يرى مؤرخو القرن التاسع عشر - قد ولدوا قبل سقراط (469-399ق.م.) قد يفضل البعض إطلاق هذه التسمية عليهم، ولكنهم في حقيقة الأمر لم يكونوا محض افتتاحية لإحدى حفلات الأوبرا السقراطية؛ فكما قال نيتشه فإنهم اخترعوا النماذج الأصلية للفلسفة اللاحقة، كما أنهم اخترعوا العلم، الذي كان حينذاك يفضي إلى النتائج نفسها التي تفضي إليها الفلسفة.
ولم تهبط أولى هذه المعجزات من السماء على حين غرة، فلم تكن بلاد الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد هي فجر التاريخ، وقد يكون ثمة برهان على أن البداية قد سبقت ذلك عن طريق الهندسة البابلية البدائية أو الديانات الإغريقية القديمة. وقد يقال أيضا إن فلاسفة ما قبل سقراط لم يخترعوا التفكير ذاته، رغم أنهم كانوا مفكرين من الطراز الأول، وإن البحث في بعض المساعي السابقة قد يساعد على إيضاح أفكارهم. لكننا بصدد تاريخ الفلسفة وليس تاريخ كل شيء، وعلينا أن نبدأ من نقطة ما. •••
أفضل مكان نبدأ منه هو مدينة ملطية، وهي إحدى المدن الأيونية التي تقع على ساحل آسيا الصغرى (في تركيا حاليا). وفي القرن السادس قبل الميلاد، عندما ترعرع كل من طاليس وأناكسيماندر وأناكسيمينس هناك، كانت ملطية قوة بحرية تمتلك العديد من المستعمرات في الشمال في تراقيا وحول البحر الأسود، بالإضافة إلى علاقات تجارية مع أجزاء من جنوب إيطاليا وبلاد الشرق ومصر. وكانت ملطية مدينة متطورة توفر للبعض وقت الفراغ الذي أكد أرسطو لاحقا أنه أحد المتطلبات الأساسية للفلسفة. وقد ناقش أرسطو بعد ذلك بمائتي عام أفكار هؤلاء الرجال الملطيين الثلاثة مرات عدة، حيث قسم المفكرين الإغريق الأوائل إلى «علماء اللاهوت» الذين رأوا أن العالم تتحكم فيه كيانات طائشة خارقة للطبيعة و«علماء الطبيعة» الذين حاولوا تفسير العالم الذي يبدو مضطربا وغير منظم، وفقا لمبادئ أكثر بساطة وموضوعية. وقد أكد أرسطو أن الملطيين هم أول علماء الطبيعة.
دون العديد من فلاسفة ما قبل سقراط خواطرهم بالإضافة إلى إلقائها على الملأ، ولكن يمكن بالكاد التعرف عليها مما تبقى منها حتى اليوم؛ إذ تناثرت كتاباتهم بمرور الوقت ولم ينج منها إلا القليل. وطوال ما يقرب من ألفي عام، ظل الباحثون يبحثون في فقرات لا تتجاوز بضع عبارات، ويقفون على بعض الكلمات هنا وهناك وهنالك، معولين في ذلك تعويلا شديدا على مصادر ثانوية لا يجدون غيرها. ويمكن الاعتماد على بعض التعليقات القديمة على تلك الأجزاء التي عثر عليها في محاولة لتحري الدقة على أقل تقدير، ولكن حتى أفضل هذه الأجزاء قد كتب بعد عصر فلاسفة ما قبل سقراط بعدة أجيال، بل بمئات الأعوام. وسنجد العجب العجاب إذا قرأنا بعض المصادر الثانوية مثل الكتابات غير الدقيقة، رغم إمتاعها، لكاتب السير ديوجين ليرتيوس (الذي عاش في القرن الثالث الميلادي) حيث كان ديوجين مؤرخا يفتقر إلى البصيرة يبتلع كل ما يصادفه من روايات كالحوت يبتلع فريسته.
ويجب أخذ هذه التحذيرات بعين الاعتبار عند معاينة الفيلسوف طاليس الملطي. اشتهر طاليس في بلاد الإغريق لعدة أسباب، أشهرها ما لم يقم به في حقيقة الأمر، وهو أنه تنبأ بحدوث كسوف للشمس عام 585ق.م. حدث ذلك الكسوف وسط معركة بين الدولتين المجاورتين لمدينة ملطية من ناحية الشرق وهما الليديون والميديون؛ مما أضاف إلى البعد الدرامي للأمر وساهم في الشهرة الفكرية التي حققها طاليس. وقد تأثر المقاتلون بحدوث هذا الكسوف أثناء المعركة حتى إنهم ألقوا أسلحتهم وجنحوا للسلم. وقد تأثر الإغريق بشكل عام بهذه النبوءة التي بدا أن طاليس الملطي قد تنبأ بها؛ حتى إنهم نسبوا إليه لاحقا كما لا يصدق من الحكم اللفظية والفعلية والاكتشافات، من إثبات العديد من النظريات الهندسية، إلى القدرة على جمع الثروات الضخمة. وأهم ما في الأمر أنهم صاروا يكنون لفكره احتراما لا حدود له.
صفحه نامشخص
طاليس.
في الواقع لم يتنبأ طاليس بنبوءة حقيقية، بل كان الأمر محض افتراض مستنير مبني على معلومات. فأغلب الظن أن طاليس لم يكن يفهم الطبيعة الحقيقية لكسوف الشمس؛ حتى إنه لم يكن يعلم أن للقمر أية علاقة بالأمر، ولكنه لحسن حظه كان رجلا رحالة، وهذا ما يفسر سبب افتراضه المذكور. وربما يكون قد اطلع على السجلات الدقيقة لذوي البصيرة من المنجمين البابليين، وعرف عن دورة تميز وقائع الكسوف في الماضي، حيث كان هناك أعوام محددة قد يحدث فيها الكسوف وأعوام أخرى لا يمكن أن يحدث فيها. وأقصى ما يمكن أن يكون قد استنتجه طاليس من هذه السجلات أن هناك فرصة كبيرة لحدوث كسوف في مكان ما في وقت ما خلال عام 585ق.م. ولو ادعى طاليس أكثر من ذلك لرآه الناس دجالا.
وكان ذلك الكسوف فرصة سانحة لتدعيم نظرة علماء الطبيعة للعالم. من الواضح أن هؤلاء كانوا مفكرين يعتد بهم. وقد يبدو ذلك غريبا عندما ينظر المرء للتفاصيل المتبقية من آرائهم؛ ذلك أن النظريات المنسوبة بطريقة يعول عليها إلى طاليس تؤكد أن أحجار المغناطيس إنما هي كائنات حية وأن العالم مصنوع من الماء. ربما ذكر طاليس أيضا العديد من الأمور التي تأتي في مرتبة أقل من الناحية التخمينية؛ مما أكسبه سمعة وصيتا بين أقرانه بوصفه رجلا ذا معرفة عملية. وإذا نظرنا إلى هاتين الفكرتين الجامحتين في سياقهما الطبيعي، نجد أنهما تستحقان بعض الاحترام.
لننظر إلى مسألة الماء أولا. من الخصائص المميزة لما نطلق عليه الآن التفسير العلمي للأمور أن يكون بسيطا قدر الإمكان، ولكن طاليس تجاوز تلك النقطة وحاول اختزال كل الأمور في أمر واحد فقط وهو الماء. ويبدو أنه لم يتمكن من الوصول فعليا لأية تفسيرات تقوم على الماء في تلك العصور القديمة التي كان يعيش بها. إلا أنه في بحثه عن مادة طبيعية يمكنها توحيد ظواهر العالم وتبسيطها كان يسعى على الأقل وراء المعرفة فيما نعتبره الآن المكان الصحيح، عوضا عن تعقيد الأمور من خلال الاستعانة في تفسيره بالكثير من الآلهة.
وليس واضحا ما إذا كان طاليس يقصد بالفعل أن كل شيء يتكون من الماء بشكل ما أم أن الماء يشكل أصل كل شيء، وربما قصد كليهما. ومن المفارقات التاريخية غير المضللة أن يفسر ما يرمي إليه طاليس - كما قال أرسطو - بأن الماء هو الأصل
arche ، وهو مصطلح استخدمه بعض المفكرين اللاحقين، ليس بمعنى أصل الأشياء فحسب بل المادة الأساسية التي يتكون منها كل شيء بطريقة ما ويعود إليها كل شيء في النهاية.
وأيا كان التفسير، لم يكن الماء خيارا سيئا بالنسبة لطاليس؛ فعلى النقيض من العناصر الأخرى الشائعة كالأرض والنار، يمكن للماء أن يتخذ أشكالا متعددة كالثلج أو البخار؛ ولذلك يبدو عنصرا نشطا متعدد الاستخدامات. وعندما اقترح أرسطو أسبابا لتفضيل طاليس للماء لاحظ أيضا أن للماء ارتباطا شديدا بالحياة، فالطعام والدم والمني كلها تحتوي على الماء، والنبات والحيوان كل يتغذى على الماء، والكائنات الحية تميل نحو الرطوبة إلى حد ما ويصيبها الجفاف عند الموت. كما أن العديد من التفسيرات الأسطورية للكون تعطي دورا رئيسا للماء حيث سطر البابليون وقدماء المصريين أساطير عن الخلق يلعب فيها الماء دورا بارزا، وهو أمر ليس بغريب؛ لأن كلتا الحضارتين اعتمدتا على الأنهار التي استقر حولها الناس. وفي ملاحم هوميروس (في القرن الثامن قبل الميلاد) كان أوقيانوس الذي يجسد الماء المحيط بسطح الأرض الدائري هو واهب الحياة وربما كان منجب كل الآلهة. وطبقا لما ذكره بلوتارخ (حوالي 46-120م)، كان الكهنة المصريون يحبون الإشارة إلى أن هوميروس وطاليس قد استمدا أفكارهما حول الماء من مصر.
وربما علم طاليس بالأساطير المصرية والبابلية القديمة، إلا أن هذا لا يعني أنه كان مرددا لها وحسب أو حتى إنه استمدها منهما، بل ربما تكون الأساطير وتأملاته الخاصة قد نشأت عن وعي بفاعلية الماء وتعدد استخداماته وتغلغله في جل عمليات الحياة. كما أن طاليس قد استفاد من هذا الوعي بطريقة مختلفة كل الاختلاف؛ إذ لم يكن الماء لديه شقيق الإلهة تيثيس وزوجها، كما كان أوقيانوس في «ملاحم هوميروس»، ولم يكن كذلك خليطا من أنواع الماء الثلاثة المشخصة في علم الكون البابلي وهم أبسو وتيامات ومومو الذين أوجدوا الآلهة، ولم يكن كذلك نون - الماء البدائي الذي كان أبا لإله الشمس في الصباح في الأسطورة المصرية القديمة - بل هو ماء طبيعي يمكن للمرء السباحة فيه أو تناوله، وهو لا يتعلق بأية آلهة مجسدة سواء بالميلاد أو بالزواج.
وثمة فرق آخر بين طاليس ومن سبقه من صناع الأساطير، ألا وهو أنه ربما يكون طاليس قد شعر بضرورة ذكر أسباب لبعض أقواله على الأقل؛ فقد رأى أن الأرض ترتكز على الماء، ويبدو أنه قال ذلك «لأنها تطفو كالخشب والمواد المشابهة بما يمكنها من الارتكاز على الماء وليس على الهواء.» كانت قضية ارتكاز الأرض من أكثر الأسئلة التي سعى علماء الطبيعة جاهدين إلى الإجابة عنها. وبدلا من الإصرار على تفسير دوجمائي، يبدو أن طاليس حاول التفكير في الأمر بطريقة منطقية؛ فالماء يمكنه حمل بعض الأشياء كألواح الخشب، وكذلك قد يحمل الأرض ذاتها. ولكن أرسطو لم ينبهر بذلك الاستدلال، بل أوضح أنه إذا كانت الأرض بحاجة لما ترتكز عليه فالأمر نفسه ينطبق على الماء الذي يزعم أنه يحمل الأرض. وهكذا لم يجب طاليس بالفعل على السؤال. وثمة اعتراض قوي آخر على منطق طاليس وهو أن ألواح الخشب قد تطفو ولكن بعض الأشياء الأخرى لا تطفو، فلماذا إذن نفترض أن تطفو الأرض كلوح الخشب ولا تغرق كالحجر؟ ولكن حتى تلك الهزيمة انقلبت نصرا لطاليس، فكي ندحض أفكاره علينا أن نجادله بالمنطق، وهي إشادة ما كنا لنفكر في تقديمها للكهنة المصريين.
وربما يستحق طاليس الإشادة نفسها لزعمه أن المغناطيس والكهرمان كائنات حية (أو ذات روح، حيث تشير هاتان الصفتان إلى الشيء نفسه في الوقت الحاضر ). فقد لاحظ أنها تتمتع بالقدرة على تحريك بعض الأشياء الأخرى وتحريك نفسها باتجاه تلك الأشياء، وحاول تفسير هذا اللغز باقتراح أن بها نوعا من الحياة، فالحركة التلقائية غالبا ما تعد إحدى علامات الحياة. ونحن نختلف مع طاليس في أن القدرة على إحداث الحركة لا تكفي وحدها لإسباغ صفة الحياة على الحجر، ولكن هذا لا يعني أن نتجاهل تأملاته بوصفها ضربا من العته. وحتى اليوم لا يوجد بين أيدينا تعريف دقيق للحياة، وفي القرن السابع قبل الميلاد لم يكن هناك إلا ما يمكن أن يوصف بالتعريف الغامض لها. وهكذا قد تصبح فكرة طاليس التي تبدو شاذة نتيجة طبيعية لعقل فضولي كثير السؤال في وقت لم يفهم الناس فيه من الأمور إلا قليلا.
صفحه نامشخص
وقبل أن نترك طاليس جانبا ونستعرض فلاسفة آخرين من الملطيين، ثمة طرفة عنه تستحق أن تروى حتى وإن كانت من كتابات ديوجين ليرتيوس:
يقال إنه ذات مرة عندما اصطحبته امرأة عجوز في الهواء الطلق كي يراقب النجوم سقط في خندق، وعندما أخذ يصرخ طالبا النجدة سارعت العجوز قائلة: «أنى لك أن تعلم كل شيء عن السماء يا طاليس وأنت لا تستطيع أن ترى ما تحت قدميك؟»
وإذا صحت تلك الرواية فإن طاليس لا يستحق المطالبة بلقب أول الفلاسفة فحسب، بل بلقب أول الأساتذة شاردي الذهن. وعلى أية حال، فإن تلك الرواية تشهد بحقيقة استمتاع الناس بالربط بين الفلسفة والانفصال عن العالم. ويروي سقراط نسخة أخرى من الرواية نفسها عن طاليس في إحدى محاورات أفلاطون. وفي مسرحية «السحب» يقص أرسطوفان نسخة مشابهة ولكنها أشد قسوة من الرواية نفسها عن سقراط ذاته. •••
لقد كان الإغريق يقدرون النظام العقلي ويسعون إلى إيجاده أينما أعوزهم، وهو أحد الأسباب التي دعت الآخرين لدراستهم. ومن مظاهر تلك الرغبة في الترتيب المحكم للأمور ما نجده في الطريقة التي سجلوا بها تاريخهم. ففي المصادر القديمة التي تروي قصة تاريخ الفلسفة نجد سلسلة كبيرة من الأساتذة والطلاب، وكل منهم يسلم شعلة المعرفة إلى وريث محدد. وهكذا أطلق الملطيون على أناكسيماندر (حوالي 610-546ق.م.) - وهو مواطن ملطي أصغر سنا قليلا من طاليس - لقب «تلميذ طاليس وخليفته» رغم أنه قد لا يكون تتلمذ على يديه أصلا. وعلى غرار طاليس، كان أناكسيماندر موسوعي المعارف، ورغم أنه لم يتبق له مما كتبه سوى جزء من عبارة واحدة فقط من كتاب «عن الطبيعة» فثمة أدلة كافية على أنه ألف كتابا بهذا الاسم تقريبا (باللغة اليونانية) وأن هذا الكتاب قد غطى كل شيء تقريبا، بل إنه رسم أول خريطة معترف بها للأجزاء المعلومة من الأرض آنذاك. أما ما لم يكن يعلمه حول الطبيعة - وهو بالطبع قدر كبير - فقد اختلقه.
ولا يعني ذلك أن الرجل كان كاذبا، بل أنه حاول التفكير في الأمور وحلها بنفسه، وأنه تأمل مليا في نشأة الكون ومآله والمبادئ التي تحكم العمليات الطبيعية وتركيب الشمس والقمر والنجوم وتطور الحياة والطقس والكثير من الأمور الأخرى، كما وظف بعض الصور والأفكار الأخرى المشابهة لتفسير كل ما شاهده من أمور، ولكن يبدو أن ما لم يره كان أكثر أهمية مما رآه. وقد أدرك أناكسيماندر أن أفضل تفسير للطبيعة لا يمكن أن يعتمد دائما على ما نلاحظه مباشرة، ولكنه يتطلب الغوص في الأعماق أكثر. وعوضا عن الماء عند طاليس، افترض أناكسيماندر وجود أصل خفي للعالم؛ أو مادة أساسية صنع منها. وإذا كانت فلسفة طاليس قد تعرضت لأحد المظاهر الأساسية للتفكير العلمي وهو الحافز لتبسيط الظواهر المدركة بالحواس وتغيرها، فإن أعمال أناكسيماندر جسدت مظهرا آخر لا يقل عنه أهمية، ألا وهو أن العلم يؤكد أنه ثمة الكثير في هذا العالم أكثر مما تراه العين.
وأطلق أناكسيماندر على مادته الأساسية اسم
apeiron
أو «المطلق» بمعنى «غير المحدود»، وغالبا ما كانت تترجم إلى «اللانهائي»، ولكن هذا يجعل أناكسيماندر يبدو غامضا أكثر من اللازم. ولا ريب أنه ظن المواد الخام للعالم غير محدودة بمعنى أنها «كبيرة جدا»، تماما كوصف هوميروس المحيط بأنه «غير محدود»، ولكن أكثر ما عني به أناكسيماندر هو أن المادة الأساسية أيا كانت يجب ألا تكون في حد ذاتها ذات خصائص يمكن إدراكها بالحواس حتى يتسنى تفسير كل الظواهر المدركة بالحواس وفقا لها.
ولاحظ أناكسيماندر أن الأشياء التي يمكن إدراكها بالحواس تأتي في مجموعات متضادة كالساخن والبارد أو الرطب والجاف على سبيل المثال، وهذه العناصر - كما يطلق عليها - في حالة صراع دائم. وعن ذلك يقول فيما تبقى من كلماته: «إنها تعاقب بعضها بعضا على الظلم الذي تقترفه طبقا لتقييم الزمن.» ويبدو أن فكرته تتلخص في أن الأشياء تعتدي على بعضها (مرتكبة «الظلم») وتتبادل أدوار الضحية والمعتدي المنتقم بينما يلعب الزمن دور الحكم. ويقضي الزمن على سبيل المثال أن تشرب الظلمات والنور من كأس الظلم المذكور قدرا متساويا. ونحن نرى نتيجة هذا الصراع في تعاقب الليل والنهار. وثمة صراعات أخرى تدور ليل نهار في لعبة «حجر - ورق - مقص» كونية، فأحيانا تهاجم النيران الماء فتعمل على تبخيرها، وأحيانا أخرى يرد الماء بإخماد النيران.
ويتكرر مفهوم العناصر المتصارعة الذي يظهر لأول مرة عند أناكسيماندر كثيرا في الأدب الغربي مثل قول ميلتون:
صفحه نامشخص
الحر والبرد والرطوبة والجفاف،
أربعة أبطال يتملكهم الغضب، يسعون نحو الغلبة.
بالإضافة إلى ما لا يعد ولا يحصى من الأقوال الأخرى. ولكن كيف ينشأ الساخن والبارد والرطب والجاف من المطلق غير المحدود؟ لم يكن بوسع أناكسيماندر إلا أن يقول إن الأمر به نوع من «التمايز». ربما تكون نظريته قد تركت العديد من الأسئلة بلا إجابات، ولكنها على الأقل محاولة للتعامل مع بعض الأسئلة الأخرى. وبالنسبة لأناكسيماندر تكمن ميزة افتراض أن كل شيء قد تطور من كتلة بدائية غير محدودة في أنه يسعى إلى حل لغز لم يكن إلا ليؤرق طاليس أو أي شخص آخر يعتقد أن أحد العناصر الطبيعية هو «أصل» الأشياء الحالية. واللغز كالتالي: إذا كان أصل كل الأشياء من الماء فكيف تكونت النار؟ ألم يكن من المفترض أن تخمد عند لحظة مولدها؟ وكان الحل الذي توصل إليه أناكسيماندر يكمن في القول إن الأضداد الأساسية قد خلقت معا من المطلق غير المحدود، بحيث لا يحظى أي من المواد المتصارعة بأفضلية على خصمها بطريقة غير عادلة.
وبمزيد من التفاصيل، تسير رواية أناكسيماندر عن خلق الكون على النحو التالي: انفصلت بيضة أو بذرة أو حبة سماد تحتوي على الأضداد الأساسية، كالساخن والبارد، عن المطلق غير المحدود، ثم أخذت تنمو حتى أصبحت كتلة باردة رطبة محاطة بحلقة من نار، وأدت الصدمة التي نشأت عن ارتطام الساخن بالبارد إلى نشأة غشاوة داكنة بين الاثنين كون الجزء البارد الأرض، أما النار فقد تشكلت منها النجوم. والأرض عبارة عن قرص مسطح أو ربما أسطوانة، ولكنها ليست جسما كرويا بالتأكيد. والعجيب في الأمر أن الشمس والقمر والنجوم ليست أجساما كروية فحسب، بل إنها عجلات من النار تدور حول الأرض كل منها محاطة بحلقة مجوفة من الضباب، وفي تلك الحلقات ثقوب تخرج منها النار؛ ولذلك تكون كل حلقة من حلقات الضباب مشابهة للأنبوب الداخلي المثقوب لإطار الدراجة المنفوخ والمليء بالنيران، وما نراه عندما ننظر إلى الضوء في السماء إنما هو هذه الثقوب، أما الخسوف فهو ما نراه عندما يسد أحد الثقوب لفترة.
يؤكد ذلك التفسير على أن ثمة الكثير في الكون أكثر مما تراه العين. وسيبدو تصور أناكسيماندر للأجرام السماوية أقل غرابة إذا حاولنا أن نتخيل كيف توصل إليه، فقد تكون صورة الشجرة التي تنمو وتغير لحاءها هي ما دفعه إلى تخيل النجوم على هيئة حلقات. ويبدو أن أناكسيماندر قد استخدم تلك الصورة ليوضح كيف تكون غلاف من اللهب حول الأرض أثناء الانفصال الأصلي بين الساخن والبارد. وإذا أخذنا هذه الصورة بعين الاعتبار يسهل أن نرى كيف تخيل الأجرام السماوية على شكل عجلات سلختها الأرض كالجلد يسلخ من اللحم، وهو ما يفسر على الأقل من أين أتت. وكل ما كان يحتاج إلى تفسيره هو لماذا تبدو لنا هذه الأجرام نقطا أو كرات من الضوء، وهو ما أجابت عليه نظرية فتحات التنفس أو الثقوب.
وثمة فكرة أخرى خيالية في دراسة أناكسيماندر لعلم الكون اشتهرت بتعقيدها أكثر مما اشتهرت بغرابتها الواضحة. لم يفكر أناكسيماندر في أن الأرض بحاجة إلى أية وسادة سواء من الماء أو من أي شيء آخر لتمسكها، ولكنه رأى أنها ترتكز على مركز الكون الكروي ويدور حولها كل شيء آخر، وأن هذا الوضع المحوري هو ما يفسر عدم سقوط الأرض في الفضاء؛ فهي محفوظة في مكانها عن طريق التوازن كما أوضح أرسطو (في شرحه لوجهة نظر أناكسيماندر وليست وجهة نظره الخاصة) قائلا:
حيث إنه يتحتم على ما يقع في المركز ويتصل بالطرفين بصورة متساوية ألا ينحرف مثقال ذرة لأعلى أو لأسفل أو ناحية الأطراف، ومن المستحيل عليه أن يتحرك في اتجاهات عكسية في الوقت ذاته، فإنه بالضرورة يظل ثابتا.
مثل الأرض هنا كمثل حمار بوريدان الشهير الذي ترك في منتصف المسافة بالضبط بين حفنتين من التبن فاحتار بينهما ولم يستطع أن يقرر أيهما يأكل حتى هلك جوعا في النهاية. وتعد فكرة أناكسيماندر تلك فكرة متقدمة من عدة جوانب (ولا يعنينا في هذا المقام كونها فكرة خاطئة، على الأقل لافتراضها أن الأرض مركز الكون). فهي أولا فكرة رياضية ممتعة، وعلى غرار لاعب السيرك الذي يقفز في الهواء واثقا من أن زميله سوف يتأرجح كي يلحق به، فقد قفز أناكسيماندر حاجز الدعم المادي بشجاعة وآمن بفكرة رياضية للوقوف على حقيقة الأرض. لم تكن قوانين الحركة الخاصة بجاليليو أو نيوتن والتي تحفظ الأشياء في مسارها الثابت بطريقة يمكن معها حسابها بدقة قد اكتشفت بعد، ولكن لدينا مبدأ رياضي عام يستشهد بالمسافة المتساوية من الأرض إلى حواف الكون، وهو يستخدم لتفسير أمر أساسي. وعلى غرار المطلق غير المحدود لدى أناكسيماندر، فإن مبدأ التوازن الخاص بأناكسيماندر خفي وموضوعي، ولكنه في الوقت ذاته كالآلهة في قوته. وكانت تلك الفكرة جديدة غير مألوفة لدى علماء الطبيعة الآخرين الذين سارعوا بإعادة الوسادة المادية للأرض كي ترتكز عليها.
إن تماسك رواية أناكسيماندر مثير للإعجاب؛ فهو لم يصف الحياة الحيوانية على الأرض بلغة الخرافات بل ذكر أنها نشأت عن عملية «التمايز» نفسها التي تفسر نشأة الكون. وكما تكون الضباب البدائي الذي يحيط بالأجرام السماوية عن طريق الصراع بين الساخن والبارد؛ فقد انبثقت الحياة من الضباب بفضل تحفيز حرارة الشمس. وظلت فكرة نشأة الكائنات الحية تلقائيا من المادة الدافئة الرطبة منتشرة حتى القرن السابع عشر حين بدأ المجهر يشير إلى غير ذلك، ولكن تلك الفكرة استمرت حتى القرن التاسع عشر. ومن المفترض أن أناكسيماندر قد اعتقد أيضا أن المخلوقات الأولى كانت محاطة بشرنقة شائكة، مستخدما المصطلح نفسه للقشرة أو اللحاء والذي استخدمه في تفسيره لغلاف اللهب الذي تكونت منه النجوم. وقد بنيت الرواية بأكملها لتكون عبارة عن فكرة موحدة؛ ومن ثم فهي تتسم بأقصى درجات البساطة.
كان تفسير أناكسيماندر لظهور الإنسان ذاته بارعا، رغم أنه لم يكن يتمتع بالبصيرة الكافية. ثمة فكرة مغلوطة تقول إنه استبق نظرية التطور، وهذه الفكرة تستمد قوتها من بعض الملاحظات - مثل تلك المذكورة في أحد المصادر المهمة الذي يرجع تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي - التي تنسب إليه فكرة نشأة الإنسان وتطوره من كائنات مختلفة النوع. لكن للأسف، لم يكن أناكسيماندر هو داروين. وثمة روايات أخرى أكثر ثراء تؤكد أن ما كان يدور بخلده هو أن البشر الأوائل كانوا يحملون في أحشاء الأسماك، أو كائنات تشبه الأسماك، تؤدي وظيفة الأم البديلة. وبالطبع لم يقصد أناكسيماندر أن أحد الأنواع - وهو الإنسان - قد تطور تدريجيا من نوع آخر وهو الأسماك، ولكن يبدو أن ما دفعه إلى القول بتلك النظرية هو ملاحظة أن الإنسان يحتاج إلى فترة رضاعة طويلة بشكل استثنائي لا يستطيع فيها الاعتناء بنفسه، إضافة إلى اعتقاده أن أوائل البشر ما كانوا ليبقوا على قيد الحياة إذا ما اعتمدوا على أنفسهم. وما إن اعتنت بهم الأسماك وتمكنوا من الاعتناء بأنفسهم حتى خرج الجيل الأول من الأطفال المائيين إلى اليابسة حيث أمكنهم الاعتناء بصغارهم فيما بعد. •••
صفحه نامشخص
يعد أناكسيمينس خليفة أناكسيماندر في سلسلة النسب التقليدية للفلاسفة الملطيين، وهو آخر حبات عقد هؤلاء الفلاسفة. كان أناكسيمينس يصغر أناكسيماندر بخمسة وعشرين عاما، وتزامنت نهاية حياته المهنية مع تدمير مدينة ملطية على يد الفرس عام 494ق.م. وأعيد إنشاء المدينة بعد ذلك بخمسة عشر عاما، ولكنها اشتهرت منذ ذلك الحين بصناعة الصوف أكثر منها بالفلسفة.
كان مؤرخو الفلسفة القدماء ينظرون لأناكسيمينس بوصفه أعظم الملطيين الثلاثة، وقد أخذتهم فكرة أن أناكسيمينس هو آخر حبات العنقود إلى الاعتقاد بأنه درة هذا العقد وقمة هذه السلسلة، أما المحدثون فقد رأوه أقلهم أهمية؛ إذ لم يكن واسع الخيال بشكل ممتع كأناكسيماندر، بل إنه مقارنة بما حققه أناكسيماندر من تقدم في التأمل والتفكير، بدا كما لو كان لا يتهادى فحسب بل يتهادى للخلف. فعلى سبيل المثال، تجاهل أناكسيمينس فكرة أناكسيماندر المعقدة حول التوازن - رغم تضليلها - وعاد إلى وجهة النظر القائلة بأن ثمة شيئا ماديا يحمل الأرض وهو الهواء، وقام بتشبيه الأمر بورقة شجر يحملها الهواء، تماما كما اختار طاليس من قبله الماء وشبه الأرض بلوح الخشب العائم. كما عاد أناكسيمينس بنظره إلى الخلف عند اختياره للمادة الأساسية التي يتكون منها العالم، وعلى غرار طاليس فقد اختار أحد العناصر اليومية عوضا عن المادة غير المحدودة الغامضة التي اختارها أناكسيماندر، ولكنه استبدل الهواء بالماء الذي اختاره طاليس.
لماذا كان أناكسيمينس مهتما بالهواء وهو أقل العناصر قيمة؟ ترتبط الإجابة جل الارتباط بالتنفس الذي ارتبط في أذهان الإغريق بالحياة والروح. ويبدو أن أناكسيمينس قد أشار إلى وجود تشابه بين روح الإنسان وأصل العالم؛ فكلاهما على حد قوله يرجع أصله إلى الهواء. وللوهلة الأولى يبدو أنه ليس تشابها مفيدا قدر ما هو لغز مزدوج. فأنى للهواء أن يكون روحا؟ وحتى إن كان كذلك، فما علاقة ذلك بالمادة التي صنعت منها الصخور والأشجار؟ إلا أن أناكسيمينس لم يكن غامضا كما يبدو؛ فقد كان لكلمة «الروح» في هذا الوقت دلالات مختلفة، ولم يكن ثمة فارق واضح بين العقل والمادة، وكانت الروح لا تعني سوى المادة التي تضفي الحياة على الكائنات الحية. وإن كان ثمة مادة كهذه فإن الهواء متمثلا في النفس هو الخيار الأمثل لها. ولم يكن أناكسيمينس أول من اختار الهواء؛ ففي أشعار هوميروس كانت الروح - ضمن أشياء أخرى - هي نفس الحياة الذي هرب من فم أحد الأبطال إذ هو يحتضر. وفي ملحمة الإلياذة كان بوسع الريح أن تلقح الإناث وتخصبهن، على الأقل في حالة الجياد.
وإذا اعتبرنا الهواء قوة مانحة للحياة فسوف تتضح لنا فكرة أناكسيمينس الرئيسة، حيث أجمع المفكرون الإغريق الأوائل قاطبة على أن العالم قد نشأ وتطور وحده ولم تخلقه الآلهة من العدم. ربما تكون آلهة الأساطير التقليدية قد استحدثت بعض الأشياء، ولكنها استخدمت في ذلك مواد موجودة بالفعل صنعوا منها هم أنفسهم؛ ولذلك فقد كان من الطبيعي أن يعتقد الإغريق أن المادة الأساسية التي تكون منها العالم تتمتع بالقدرة على النمو والتطور؛ أي إنها ترتبط بالحياة بشكل ما. وبوسعنا أن نفترض أن طاليس قد لاحظ وجود صلة بين الماء والحياة؛ فقد صدم بحقيقة احتياج النباتات والحيوانات إلى الماء. أما أناكسيمينس فقد لاحظ وجود صلة بين الهواء والحياة، إذ لفتت انتباهه حقيقة أن البشر يتنفسون ولكن الجثث لا تتنفس.
وكما رأينا عند طاليس، لا يمكننا أن نتأكد مما إذا كان طاليس يعتقد أن كل شيء يتكون من الماء أم أن الماء وجد أولا ثم تسبب في ظهور كل الكائنات بطريقة أو بأخرى. أما في حالة أناكسيمينس فثمة المزيد من اليقين؛ فقد آمن بأن كل شيء مصنوع من الهواء بل إنه حاول تفسير ذلك. وكانت طريقة تلك المحاولة للتفسير هي ما أثارت إعجاب بعض أتباعه حتى يومنا هذا، بل إنها دفعت بعضهم إلى أن ينسب له اكتشاف نموذج أولي للتفسير العلمي. وقد يبدو ذلك التقدير غريبا عما يستحقه رجل يؤمن أن الأشجار والصخور وكل شيء مصنوع من هواء رقيق.
في حقيقة الأمر كانت النقطة المحورية بالنسبة لأناكسيمينس حول الهواء الذي تكونت منه الأشجار والصخور تتمثل في أنه ليس رقيقا على الإطلاق؛ فهو يرى أن الهواء يتخذ أشكالا متعددة على أساس درجة تخلخله أو كثافته. وأكثر هذه الأشكال تخلخلا هو النار ثم الهواء العادي الذي إن كثفته تحصل على الرياح، وتليه في الكثافة السحب ثم الماء فالأرض وأخيرا الأحجار. أما الهواء الذي نتنفسه في الجو فهو الحالة الطبيعية للمادة والتي ستعود إليها كل الحالات الأخرى، ولكن ما يؤدي إلى اضطرابه هو حركته الدائمة. وهذا يفسر وجود الهواء في بعض الأماكن بكميات أكبر من أماكن أخرى؛ مما يجعله أكثر كثافة في هذه الأماكن. ولذلك يعتبر التكثف والخلخلة اللذان تسببهما حركة الهواء وسائل التغيير في عالم أناكسيمينس؛ فهما يفسران وجود الساخن والبارد والرطب والجاف والصلب والمائع. ويعد هذا التفسير تطورا لمفهوم «التمايز» الغامض الذي يستخدمه أناكسيماندر لتفسير نشأة العناصر المختلفة من المادة اللانهائية.
ويكمن التجديد المهم في تلك الرواية في أن أناكسيمينس يجعل الاختلافات في الجودة أو النوع تعتمد على الاختلافات في الكم أو العدد، حيث يفسر تنوع العناصر من خلال الكميات المتغيرة من الهواء التي توجد بها. وقد استمرت عادة اختزال التنوع الحيوي للعالم في تلك المفاهيم الكمية منذ عهد أناكسيمينس حتى عصرنا هذا، ولكن الفكرة التي تكمن خلفه - وهي أن كتاب الطبيعة قد كتب بلغة الرياضيات - لم تفسر كاملة حتى عصر جاليليو ونيوتن في القرن السابع عشر. (وثمة المزيد من التوقعات الأكثر إثارة للإعجاب بشأن تلك الفكرة لدى الفيثاغوريين - وهو موضوعنا التالي - الذين رأوا الأرقام في الطبيعة لأنهم كانوا يرونها في كل شيء حولهم.)
وما تبقى من رواية أناكسيمينس لا يشبه ما قاله جاليليو أو نيوتن على الإطلاق. وعن ذلك قال هيبوليتوس، وهو رجل دين مسيحي عاش في روما في القرن الثالث الميلادي:
يقول إن الأجرام السماوية لا تتحرك تحت الأرض كما افترض الآخرون، بل تتحرك حولها كما لو كانت قبعة حقيقية تلف رءوسنا ونشعر بها فوقها ونلمسها، وإن الشمس لا تختبئ تحت الأرض بل تغطيها الأجزاء العليا من الأرض والمسافة البعيدة بيننا وبينها.
رأى أناكسيمينس العالم كما لو كان قبة سماوية حديثة، حيث نجلس وننظر إلى سقف ذي قبة (القبعة الحقيقية) وتتحرك النجوم فوقنا. وعلى غرار الأرض، تتخذ الشمس والنجوم أشكالا مسطحة؛ مما يمكنها من الطفو كأوراق الشجر تطير مع الرياح. ويقال إن الشمس والنجوم أجسام نارية تكونت على شكل رطوبة تبخرت من الأرض وأخذت تزداد تخلخلا بصورة تدريجية حتى انفجرت مكونة ألسنة اللهب. ويحل ظلام الليل عندما تختفي الشمس التي تعتبر أكبر الأوراق المشتعلة خلف الجبال الشمالية.
صفحه نامشخص
وقد حاول أناكسيمينس أيضا أن يستخدم أدواته الجديدة الخاصة بالتخلخل والتكثف لوصف الجو، وهو موضوع رائج لدى المعتادين على حياة البحر من أهل ملطية، ولكن جهوده تمخضت عن تأكيد آراء أناكسيماندر؛ فقد اقتبس تفسير أناكسيماندر للرعد والبرق بأنه الفرار العنيف للرياح التي حبستها السحب. وأصبحت تلك الفكرة موضع سخرية في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد في مسرحية «السحب» لأرسطوفان:
ستريبسيادس : ... إذن ما هي الصاعقة الرعدية؟
سقراط :
عندما ترفع الرياح الجافة إلى أعلى وتحبس في السحب تنتفخ السحب بالرياح كالمثانة تنتفخ بالبول حتى تضطر إلى الانفجار وطرد الرياح سريعا بسبب كثافتها العالية، ثم تتسبب قوة اندفاع الرياح المطرودة وزخمها في تأججها.
ستريبسيادس :
نعم بحق زيوس! وعلى أية حال هذا ما حدث لي ذات مرة حيث كنت أقوم بشي قطعة سميكة من النقانق لأقربائي، ولم أهتم بشقها طوليا فانتفخت حتى انفجرت فجأة فلوثت عيني بالفتات واحترق وجهي.
وكان الرعد والزلازل - وليس انفجار النقانق - هما بالضبط نوع الظواهر التي حاول علماء الأساطير تفسيرها بأن نسبوها إلى أفعال الآلهة. وفي أعمال الشاعرين الأيونيين هوميروس وهسيود كانت الزلازل تحدث بسبب بوسيدون الذي يهز الأرض محدثا دويا، أما بالنسبة لأناكسيمينس فقد كانت تحدث (كما ذكر أرسطو):
عندما تبتل الأرض ثم تجف فتتمزق إربا إربا، وتهتز بفعل قمم الجبال التي تنفصل عن أماكنها وتنهار. وهكذا تحدث الزلازل في كل من فترات الجفاف والأمطار الغزيرة؛ ففي فترات الجفاف تجف الأرض وتتشقق، وعندما ترتفع الرطوبة بها تتقوض وتنهار.
وهكذا فقد جعل المذهب الطبيعي - وهو نظرة علماء الطبيعة للعالم - من بوسيدون شخصا لا قيمة له ولا وزن. وقد يتساءل المرء كيف كان الإغريق يؤمنون به هذا الإيمان القوي، وهو سؤال خادع؛ إذ ربما كان هناك أكثر من نظرة للمعتقدات الدينية كما هو الحال الآن، ولكن هذا الأمر لا يعنينا في هذا المقام. وحتى إن كان من آمنوا ببوسيدون والآلهة الأخرى قد أعجبتهم احتمالية وجود تفسيرات طبيعية للزلازل وما شابه من الأمور فنحن في الحقيقة لا نعلم أن أيا ممن سبق الملطيين قد توصل إلى تفسيرات كهذه. •••
ومع انهيار مدينة ملطية انتقل مركز النشاط الفلسفي لفترة غربا نحو المستعمرات الإغريقية بجنوب إيطاليا. وهكذا تعرض النشاط الفلسفي لتغيرات ملحوظة؛ حيث أضيفت للمناقشات النزيهة المحايدة حول الجو تأملات حول مصير الروح وكيفية الحياة بصورة صحيحة. وقد يرتاح بعض القراء لسماع ذلك حيث تعد تلك الموضوعات أكثر ملاءمة للمفهوم الشائع عن الفلسفة. ولكن قبل الانتقال إلى فيثاغورس وأتباعه في الغرب، من الأهمية بمكان أن نقيم الملطيين ونقدم تفسيرا لماذا يستحقون هم أيضا لقب فلاسفة.
صفحه نامشخص
عند المقارنة بين الطرق التي اتبعها الملطيون وتلك التي اتبعها الأطباء الأبقراطيون بعد ذلك بمائة عام - ناهيك عن أرشميدس وإقليدس في القرن الثالث قبل الميلاد - نجد أن الطرق التي اتبعها الملطيون كانت شديدة البساطة. ومن قبيل المفارقة أن هذا تحديدا ما يدخلهم في زمرة الفلاسفة؛ فقد كان التفكير العلمي حديث الولادة بين ظهرانيهم، ولكنهم امتلكوا الجرأة اللازمة للبحث عن أسباب الأمور حيث حاولوا التعمق في البحث أكثر مما كان متاحا وفقا للصورة التقليدية للعالم حينئذ مستخدمين في ذلك عقولهم، وهو ما يجعل منهم فلاسفة.
لقد كان استخدام العقل عملا إيمانيا خالصا؛ فلا فائدة ترجى من محاولة وصف القوانين الموضوعية التي تحكم الكون إذا لم تكن ثمة قوانين كهذه أو إذا كانت هذه القوانين خارج نطاق الإدراك. لقد افترض الملطيون ببساطة وجود تلك القوانين وقدرة العقل على إدراكها، وجنوا ثمار هذا الإيمان بوجود نمط واضح وجلي في الطبيعة عندما توصلوا إلى ما بدا لهم تفسيرات جيدة لبعض الظواهر مثل الحياة والكسوف والخسوف والرعد. ويوضح حديث أناكسيماندر عن «الضرورة» والعناصر التي «تعاقب بعضها بعضا على الظلم الذي تقترفه طبقا لتقييم الزمن» الإيمان الجديد لدى الملطيين بعالم تحكمه قوانين مفهومة، على الرغم من أن هذا الحديث جاء في ألفاظ شاعرية.
ولكن تلك المعتقدات لم يعلن عنها صراحة إلا في وقت لاحق؛ فقد أخذ الأطباء الذين أحاطوا بأبقراط الكوسي (حوالي 460-370ق.م.) يتباهون بالمذهب الطبيعي الجديد. وفي ذلك قالوا عن مرض الصرع الذي اشتهر باسم «المرض المقدس»:
ينشأ هذا المرض ذو الطابع المقدس عن الأسباب نفسها التي تسبب الأمراض الأخرى؛ عن الأشياء التي تدخل الجسم وتخرج منه وعن البرد والشمس واضطراب الرياح ... وليست هناك حاجة لوضع هذا المرض في فئة خاصة واعتباره أكثر قدسية من الأمراض الأخرى، فكلها إلهية وفي الوقت ذاته كلها بشرية، ولكل منها طبيعته وقوته الخاصة، ولا شيء منها مفقود فيه الأمل أو مستعص على العلاج.
ولم يقسم هؤلاء الأطباء العالم إلى أمور إلهية غامضة وأخرى قابلة للتفسير عن طريق الطبيعة؛ فيبدو أنهم ساروا على درب الملطيين وافترضوا أن كل شيء قابل للتفسير.
لقد كان الأطباء الأبقراطيون يتمتعون بقوة الملاحظة للحقائق ويساورهم شك كبير فيما لا يمكن إثباته. ويقال إن الملطيين كانوا على النقيض من الأطباء الأبقراطيين غير مهتمين بالتحقق من تأملاتهم، وهو ما انتقص من قيمتهم. وثمة جزء من الحقيقة في ذلك القول، رغم وجود دليل على أن أناكسيمينس على سبيل المثال قام بالفعل بإجراء تجارب من نوع ما. ورغم أنه أجرى التجربة بشكل أبعد ما يكون عن الصواب؛ فلا ينتقص هذا مما قام به. فقد ذكر (في توضيح لأحد التفسيرات المقبولة) أنك إذا زممت شفتيك واتخذ فمك شكل فتحة صغيرة ونفخت في يدك فسوف يخرج النفس من فمك باردا، ولكن إذا أخرجت زفيرا من فم مفتوح على مصراعيه فسوف يخرج النفس ساخنا. ويبدو أن تلك الحقيقة تدعم نظريته الخاصة بالتخلخل والتكثف والتي تقول إن الهواء المضغوط أكثر برودة والهواء المتخلخل أكثر سخونة. (وفي حقيقة الأمر، إن الهواء المضغوط أكثر سخونة ولكنه بمروره في اليد بشكل أسرع في تلك «التجربة» يجعل اليد تشعر بدرجة أعلى من البرودة.)
تعد محاولة أناكسيمينس لدعم نظريته عن الكون عن طريق تدفئة يديه هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. فبشكل عام ، لم يحمل الملطيون أنفسهم عناء التجارب. ولا يدهشنا ذلك لأن مجالات بحثهم المفضلة - وهي السماء والجو وأصل الأشياء - لم تكن ملائمة لها؛ فالعواصف الرعدية وغروب الشمس ظواهر لا يمكن التعامل معها أو تحليلها بسهولة. وعندما واجهتهم هذه الألغاز وسدت طريقهم لجأ الملطيون إلى ما يجيدونه بالفعل، ألا وهو محاولة التفكير المنطقي فيها عن طريق القياسات والملاحظات المتاحة. ومع وضع اهتماماتهم في الاعتبار، يصعب علينا الاعتقاد أنهم كانوا سيحرزون المزيد من التقدم إذا فكروا في إجراء المزيد من التجارب.
وثمة انتقاد أكثر خطورة موجه لكل من الملطيين والأطباء الأبقراطيين، وهو أن ادعاءاتهم بامتلاك معرفة أكثر رقيا لم يكن إلا خدعة. على سبيل المثال، كان مؤلف العمل الأبقراطي المستشهد به سابقا يعتقد أن مرض الصرع يعزى إلى البلغم الذي يتدفق من الرأس إلى الشرايين ويقطع تدفق الهواء. ورغم أنه كان يحتقر المشعوذين الذين يستخدمون السحر في محاولاتهم لعلاج الصرع، فإنه لم يكن بأوفر منهم حظا. وإجمالا يمكن القول إن أوائل المؤيدين للمذهب الطبيعي اشتهروا برفضهم الشديد للتفسيرات الخرافية للطبيعة أكثر من اشتهارهم بتفاصيل ما قدموه من بدائل.
ولم يستطع أكثر من أتى بعد ذلك من الأيونيين التمسك بالرؤية الجديدة للعالم؛ حيث كان هناك العديد من الأمور التي لم يتمكنوا من تفسيرها. ولنأخذ هيرودوت (حوالي 485-430ق.م.) على سبيل المثال؛ فهو عادة ما يلقب ب «أبو التاريخ» وأحيانا على نحو أقل لطفا ب «أبو الأكاذيب»، ويستشهد به كثيرا على نحو ملائم بوصفه باحثا واقعيا معبرا عن الملطيين. ولكن بالإضافة إلى أقواله التي تتسم بالواقعية والنزوع إلى الطبيعة مثل محاولته تفسير فيضان النيل وتشكيكه الشديد في بعض الروايات الخارقة للطبيعة؛ فثمة هفوات له تعود به إلى دروب اللاهوتيين صانعي الأساطير. فهو يقول على سبيل المثال إن زلزال ديلوس أرسلته الآلهة تحذيرا للناس، وليس مجرد ذكر الألوهية هو ما يبرز انحرافه عن المسار الضيق المتشكك لعلماء الطبيعة. ويقال إن كلا من أناكسيماندر وأناكسيمينس قد أشارا إلى «الأصل» الخاص بهما بوصفه إلهيا، إلا أن القارئ الحديث يجب ألا يقرأ كثيرا في مثل هذه الآراء . فلكي تضفي صفة الألوهية على أي شيء في تلك الأيام، لم يكن الأمر يلزم أكثر من أن يكون هذا الشيء حيا؛ أي قادرا على إحداث الحركة، ولكن لا يموت. وكما قال أحد المعلقين المحدثين: «يمكن أن نطلق على أية قوة نراها تعمل في العالم وجدت قبلنا وستستمر بعدنا لقب إله، ومعظمها كان كذلك بالفعل.» ولم تكن خطيئة هيرودوت أنه تحدث عن الألوهية ولكن أنه قدم لنا كائنات شخصية يلفها الغموض اللازم للتقوى الدينية على أنها السبب الأوحد للأحداث الطبيعية، وهو ما أصر كل من طاليس وأناكسيماندر وأناكسيمينس على رفضه رفضا مطلقا.
لكن ما الذي حدا بالملطيين والأطباء الأبقراطيين لأن ينظروا إلى الطبيعة بتلك الطريقة الجديدة، متحررين من قيود الأساطير والخرافات حول الأمراض المقدسة؟ في الحقيقة لا يعلم أحد الإجابة يقينا. وقد اعتقد أرسطو أن المهم بشأن الفلاسفة الأوائل هو أنهم كانوا يتمتعون بكثير من وقت الفراغ، ولكن ليس هذا كل ما في الأمر، إن كان له صلة به بالأساس. فثمة ثلاث حقائق أخرى حولهم أكثر صلة بالموضوع؛ أولها: أن الأيونيين (وخاصة الملطيين) كانوا رجالا عمليين يحرصون على تنمية مهاراتهم في علم الفلك والجغرافيا والملاحة ومسح الأراضي ولم يكن لديهم متسع من الوقت للأساطير الخيالية. وثانيها: أن العديد منهم بوصفهم تجارا مجتهدين كانوا رحالة يقابلون الكثير من الأجانب أو على الأقل يسمعون عنهم، وكان للأجانب أساطير وخرافات مختلفة مما شجع الأيونيين على التشكك في معتقداتهم الخاصة. وآخرها: تفكيرهم الذي يتحرر من الدين كما يتحرر الجمل من عقاله. كان للأيونيين آلهتهم التقليدية وهي آلهة جبل أولمبوس التي كتب عنها هوميروس وخصصت لها المعابد، ولكن إيمانهم بآلهتهم لم يكن إيمانا قويا. ومقارنة بأنصار الطوائف الدينية والأديان الشعبية المتعددة التي نشأت في شمال تراقيا وغربها، يبدو أن الملطيين كانوا مجموعة من اللاأدريين، ويصعب تخيل أن نشأة المذهب الطبيعي لأول مرة في تلك الظروف كان محض مصادفة.
صفحه نامشخص
وقد يساعدنا انتشار المناظرات التنافسية العلنية على تفسير نشأة المذهب الطبيعي ومن ثم الفلسفة في بلاد اليونان؛ فقد اشتهر مواطنو المدن الإغريقية بحب الجدل، ويبدو أن الإغريق قد اعتبروا البرهان والنقد أكثر استخدامات الحديث نبلا. وقد كتب أرسطو قائلا: «إن المراد من قوة الحديث توضيح الملائم وغير الملائم ومن ثم العادل والظالم.» فلا عجب إذن أن تتحول أدوات الجدل في بعض المدن على الأقل إلى دراسة الطبيعة. وجدير بالذكر أيضا أنه عندما كان الفلاسفة الأوائل يلقون الخطب ويحتجون على أي شيء كان ذلك على مرأى ومسمع من جمهور تزداد ثقافته يوما بعد يوم. نشأت الكتابة الأبجدية أولا في اليونان في القرن الثامن قبل الميلاد، وأخذت في الانتشار بحلول القرن السادس قبل الميلاد؛ مما أتاح تدوين كل ما يمكن قوله بسهولة ويسر، وهو شيء جديد يصعب علينا أن نقدره حق تقديره. وببلورة المعتقدات والأساطير والنظريات والروايات من كل نوع؛ أصبحت هذه المعتقدات والأساطير والنظريات والروايات متاحة للتمحيص والتدقيق والنقد بطريقة لم يفكر فيها أحد من قبل في الثقافات التي اعتمدت على رواية القصص قبل اختراع الكتابة. ورغم كل عيوبهم يبدو أن الملطيين هم أول من حاول استغلال تلك الفرصة.
الفصل الثاني
تناغم العالم: الفيثاغوريون
كانت الروايات حول فيثاغورس تطارده وتلتصق به كما تلتصق برادة الحديد بالمغناطيس؛ فقد قيل على سبيل المثال إنه ظهر في أماكن عدة في وقت واحد، وإن روحه قد تناسخت عدة مرات. وإذا أخذنا هذا الكلام على محمله يمكننا ضمه إلى المجموعة الغفيرة نفسها من الروايات التي تشمل الادعاء بأنه كان يمتلك فخذا ذهبية، ولكن إذا فكرنا في هذا الكلام بشكل رمزي فهو تقليل من شأن الرجل؛ فقد كان فيثاغورس - أو على الأقل المذهب الفيثاغوري - موجودا في كل مكان ولا يزال.
ولا يوجد طالب على وجه الأرض لم يسمع بهذا الاسم مرتين على الأقل في الهندسة (حيث تنسب إليه النظرية الشهيرة حول أطوال أضلاع المثلثات قائمة الزاوية) وكذلك في مسرحية شكسبير «الليلة الثانية عشرة»:
المهرج :
ماذا يقول فيثاغورس عن الطيور الجارحة؟
مالفوليو :
يقول إن روح المرأة العجوز قد تسكن جسد طائر.
المهرج :
صفحه نامشخص
وما قولك في رأيه ؟
مالفوليو :
إنني أقدر للروح مكانتها ولكني لا أوافق على رأيه مطلقا.
المهرج :
الوداع، ولتبق حيث أنت في الظلام. عليك أن تؤمن برأي فيثاغورس قبل أن تثق بعقلك، ولتخش قتل دجاجة على الأرض مخافة أن تضيع روح جدتك.
وكما لو أن المثلثات وتناسخ الأرواح لم تكن موضوعات متنوعة بما فيه الكفاية، بوسعنا القول إننا نجد فيثاغورس أينما استخدمنا التعبيرات الحسابية مثل «مربعات» أو «مكعبات» أو مررنا بالصورة الشعرية ل «الموسيقى السماوية» أو استخدمنا مصطلح «فيلسوف» بالمعنى الشائع لمحب الحكمة الذي يسعى إلى أن يسمو فوق المنغصات الدنيوية. والأهم من ذلك أن أفلاطون قد صاغ بعض معتقداته الأشد تأثيرا على هدي من أفكار فيثاغورس.
وعندما يستشهد برتراند راسل بالمشهد السابق من مسرحية «الليلة الثانية عشرة» في الفصل الذي يتحدث فيه عن فيثاغورس في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية»، يقول مازحا إن فيثاغورس قد أقام دينا «عقائده الأساسية تناسخ الأرواح وتأثيم تناول الفول.» يبالغ راسل في وصف أهمية مسألة الفول، وله بعض العذر في ذلك، إلا أنه لم يقلل من شأن فيثاغورس بوجه عام، بل إنه على النقيض من ذلك قال إن فيثاغورس كان «واحدا من أهم المفكرين الذين مشوا على الأرض.» ولفترة كان راسل نفسه فيثاغوريا متحمسا في بعض الجوانب، وهو ما قد يفسر مغالاته في التقدير.
فيثاغورس.
وإذا كان فيثاغورس موجودا في كل مكان من الكتب المدرسية إلى عقل برتراند راسل؛ فقد أصبح كذلك أثرا بعد عين إذ لم يتبق مما قاله أو كتبه شيء اليوم (على الأقل لا شيء يحمل اسمه؛ ففي حقيقة الأمر قد يكون هو صاحب بعض القصائد التي يعود تاريخها للقرن السادس والتي نسبت للشاعر الأسطوري أورفيوس). وفي الروايات القديمة عن الفيثاغوريين يتعذر التمييز بين أفكار فيثاغورس ذاته وبين أفكار أتباعه، ويرجع ذلك غالبا إلى أن أتباع الطوائف الدينية التي استمدت إلهامها من فيثاغورس تراءى لهم أنه يجدر بهم نسب كل ما يتوصلون إليه إلى معلمهم، كما أن الفيثاغوريين كانوا يتفاخرون بحماية عقائدهم كما لو كانت أسرارا لا يفصحون عنها إلا لمن يركب سفينتهم. وقد تمكنوا من الحفاظ على تلك السرية إلى حد ما ولكن بشكل غير مباشر؛ فقد أثارت الكثير من اللغط حول الفيثاغوريين حتى إنه يتعذر سماع صوت فيثاغورس الحقيقي وسط ضجيج الثرثرة.
وفيما يلي مثال تقليدي لسفاسف الأمور المتناقضة التي كتبت في عصور قديمة حول حياة فيثاغورس:
صفحه نامشخص
أولا منع فيثاغورس تناول البربون وبعض أنواع الأسماك الأخرى، وفرض الامتناع عن تناول قلوب الحيوانات والفول وأحيانا - طبقا لرواية أرسطو - أمعاء الحيوانات وسمك الغرنار. ويقول البعض إنه قد اكتفى بتناول العسل أو شمع العسل أو الخبز، وإنه لم يقرب كأس الخمر من فيه قط وقت النهار، وإنه كان يضيف الخضراوات مسلوقة أو نيئة إذا أحب أن يتناول طعاما شهيا، ونادرا ما كان يتناول السمك ... وكانت القرابين التي يقدمها دائما من الجماد رغم أن البعض قال إنه كان يقدم الديوك والجداء وصغار الخنزير، بيد أنه لم يذبح الحملان قط. أما أريستوكزينس فيزعم أنه كان يوافق على تناول لحوم الحيوانات الأخرى، ولم يحرم على نفسه إلا لحوم الثيران التي تثير الأرض والكباش.
وبوسعنا أن نؤكد أن فيثاغورس كان يتبع أكثر النظم الغذائية إثارة للجدل في العصور القديمة، وأكثر النظريات المثبتة صحتها عن هذا الأمر تقضي بأنه كان نباتيا؛ ذلك أنه اعتقد أن أرواح البشر تتناسخ أحيانا في صورة حيوانات (أو كما قال مالفوليو إن روح المرأة العجوز قد تسكن جسد طائر).
ورغم أنه ليست ثمة علاقة بين نظام فيثاغورس الغذائي ونظرياته الهندسية فالجوانب العلمية والروحية في المذهب الفيثاغوري تتفق مع بعضها. وقبل توضيحها أود أن أسرد باختصار بعض المعلومات المتوفرة عن حياة فيثاغورس ومدرسته؛ إذ لا يتوفر لدينا منها سوى القليل ولكنه قيم. •••
ولد فيثاغورس عام 570ق.م. وتوفي عن عمر يناهز سبعين عاما؛ أي إنه كان معاصرا لأناكسيمينس. ورغم أنه كان أيونيا على غرار أناكسيمينس وولد في جزيرة ساموس التي تقع شمال غرب ملطية، فقد غادر موطنه نحو المستعمرات الإغريقية جنوبي إيطاليا عندما كان في الأربعين من عمره وقضى بها ما تبقى من حياته. وعندما هاجر كان صيته قد ذاع بالفعل بوصفه حكيما زاهدا. ورغم أنه لا دليل على أن فيثاغورس الحكيم وأتباعه قد طردوا من جزيرة ساموس فلا تأخذنا الدهشة إذا علمنا أنهم غادروا مدينة آخذة في التدهور تحت حكم الطاغية الفاسق بوليكراتيس. إلا أن الاضطهاد الحقيقي بدأ بالفعل لاحقا عندما استقر فيثاغورس في مدينة كروتون جنوبي إيطاليا وأنشأ مدرسته فيها حيث لعب فيثاغورس وأتباعه دورا رئيسا في سياسة المدينة، ولكن ماهية الأمر الذي تورط فيه والسبب الذي دعا إلى نشوب ثورة عنيفة ضده بعد عقدين من النجاح والشهرة هناك لا يزالان يكتنفهما الغموض. ألقي القبض على العديد من الفيثاغوريين الأوائل في مدينة كروتون والمدن المجاورة لها وقتلوا في نهاية القرن السادس ومطلع القرن الخامس قبل الميلاد، وتعرض فيثاغورس نفسه للنفي. ويشير أحد المؤرخين إلى أن العداء الواضح تجاه فيثاغورس قد زاد من حدته «الغضب الذي شعر به رجل الشارع في تلك الأيام؛ لأن التشريعات الخاصة بهم كان يصدرها مجموعة من المتحذلقين الذين أصروا على الامتناع عن تناول الفول ومنعوا رجل الشارع من ضرب كلبه لأنهم ميزوا في نباحه صوت أحد الأصدقاء الراحلين.»
وبعد تلك الثورة رحل فيثاغورس حتى استقر به المقام في مدينة ميتابونتو التي تقع على خليج تارانتو. وسرعان ما ازدهرت المجتمعات الفيثاغورية مرة أخرى وازدادت انتشارا عبر جنوبي إيطاليا. ولكن في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تعرض الفيثاغوريون إلى حملة تطهير أخرى أشد وطأة عليهم فرقت الكثير منهم وغادروا إيطاليا متجهين إلى اليونان. واتخذت الأفرع المبتورة للمذهب الفيثاغوري صورا مختلفة في الأراضي الجديدة التي أقاموا بها وبدأت تضعف شوكتهم. وبحلول مطلع القرن الرابع قبل الميلاد كانت كل الجماعات الفيثاغورية تقريبا قد غادرت موطنها في إيطاليا حتى أصبحوا لا يرى إلا مساكنهم خلال هذا القرن.
رغم ذلك ظل تأثير أفكارهم يتزايد وخاصة عن طريق أفلاطون الذي كان له صديق مقرب من أتباع فيثاغورس وهو أرخيتاس التارانتومي. كان أرخيتاس التارانتومي رجل دولة ومفكرا وعالم رياضيات، وربما كان أحد مصادر إلهام أفلاطون لفكرته الشهيرة الخاصة ب «الملوك الفلاسفة». وقد كتب أرسطو بشيء من مبالغة لم تنطو على أية سخرية قائلا إن فلسفة أفلاطون تسلك نهج فيثاغورس في معظم الجوانب. ومن المؤكد أن أفكار فيثاغورس قد استوعبها المذهب الأفلاطوني كاملة حتى صار من الصعب التمييز بين الفلسفتين. وربما كان على فيثاغورس أن يبتهج لذلك التناسخ العظيم.
أرخيتاس. •••
وفيما يلي صورة مركبة للفيثاغورية، ولن نقوم إلا بمحاولة يسيرة للتفريق بين صورها الأولى والأخيرة، ناهيك عن آراء الرجل نفسه وآراء أتباعه. بالنسبة لفيثاغورس نفسه يمكننا القول إنه كان يؤمن بالتناسخ وإنه كان يهتم بالأرقام ولو قليلا، وما أثير عنه غير ذلك ليس إلا تخمينات. وسنزعم أيضا أن الفيثاغوريين جميعهم نسيج واحد لا فرق بينهم، رغم أن بعضهم في حقيقة الأمر كان مهتما بالأمور العلمية والعقلية بينما انغمس آخرون في شئون المحرمات والأقوال الغامضة والإرشادات الخرافية للحياة التي شكلت الجانب الديني من المنهج الفيثاغوري. وحتى في القرن العشرين كان ثمة نوعان مختلفان من الاهتمام بفيثاغورس؛ فمن ناحية نجد العلماء وفلاسفة العلم من أمثال فرنر هايزنبرج والسير كارل بوبر اللذين يؤكدان أن الفيزياء الحديثة تعيد إلى الأذهان فيثاغورس، ومن ناحية أخرى نجد كتبا حول فيثاغورس نفسه قد نشرت في سلسلة تتضمن أعمالا عن الخيمياء وكهنة الدرويد وعلم التنجيم. وكان الأمر يتطلب عقلا جريئا كعقل فيثاغورس ليمزج بين هذين الجانبين.
ويسهل تبين العلاقة بين هذين الجانبين في مفهوم فيثاغورس الجديد عن الخلاص الروحي، وهو ما يمكن تلخيصه على النحو التالي: إذا أردت أن تحيا إلى الأبد فادرس الرياضيات. ولإدراك هذا المفهوم بمزيد من الجدية يجب أولا أن نعلم بعض الشيء عن عقائد الديانة الأورفية.
لا نحتاج لمعرفة أي شيء عن أورفيوس ذاته أو عن تاريخ الأورفية؛ ذلك أن أحدا لا يعلم الكثير عن أي منهما. فعندما تشير المصادر القديمة لأورفيوس أو للديانة الأورفية فهي غالبا ما تشير إلى المعتقدات التي نشأت في تراقيا حول التناسخ وفكرة حاجة الروح إلى التطهر من أجل الظفر بالسعادة في الآخرة. ويعتقد البعض أنه ثمة عقيدة رسمية مفصلة للديانة الأورفية كانت مدونة بالفعل في زمن فيثاغورس، بينما يعتقد آخرون أن أفكار الأورفية كانت حينئذ أكثر تشتتا ولم تتماسك إلا بعد مئات السنين. وأيا كان الأمر، فقد دونت كل المفاهيم التي تعنينا هنا في إحدى نسخ أسطورة ديونيسيوس التي اتفقت النسخ العديدة من الديانة الأورفية على الإعجاب بها.
صفحه نامشخص