وكانت مأساة العمادة أني فقدت بها صداقة صديق من أعز الأصدقاء وما أقل عددهم. كان يحبني وأحبه، ويقدرني وأقدره، ويطلعني على أخص أسراره وأطلعه، وأعرف حركاته وسكناته ويعرفها عني، ويشاركني في سروري وأحزاني وأشاركه، وكنت هواه وكان هواي، واستفدت من مصادقته كثيرا من معارفه وفنه ووجهات نظره، سواء وافقته أو خالفته، فأصبح يكون جزءا من نفسي ويملأ جانبا من تفكيري ومشاعري، على اختلاف ما بيننا من مزاج ، فهو أقرب إلى المثالية وأنا أقرب إلى الواقعية، وهو فنان يحكمه الفن وأنا عالم يحكمه المنطق، وهو يحب المجد ويحب الدوي، وأنا أحب الاختفاء وأحب الهدوء، وهو مغال إذا أحب أو كره، وأنا معتدل إذا أحببت أو كرهت، وهو نشيط في الحكم على الأشخاص وعلى الأشياء وأنا بطيء، وهو عنيف إذا صادق أو عادى، وأنا هادئ إذا صادقت وعاديت، وهو واسع النفس أمام الأحداث، وأنا قلق مضطرب غضوب ضيق النفس بها، وهو ماهر في الحديث إلى الناس فيجذب الكثير، وليست عندي هذه المقدرة فلا أجتذب إلا القليل، وهو في الحياة مقامر يكسب الكثير في لعبة ويخسره في لعبة، وأنا تاجر إن كسبت كسبت قليلا في بطء وإن خسرت خسرت قليلا في بطء، يحب السياسة لأنها ميدان المقامرة وأنا لا أحبها إذ لا أحب المقامرة؛ ولعل هذا الخلاف بيننا في المزاج هو الذي ألف بيننا، فأشعره أنه يكمل بي نقصه وأشعرني أني أكمل به نقصي، جاءت العمادة مفسدة لهذه الصداقة، لأنه - بحكم طبيعته - أراد أن يسيطر وأنا بحكم طبيعتي أردت أن أعمل ما أرى لأني مسئول عما أعمل، ثم ولي منصبا أكبر من منصبي يستطيع منه أن يسيطر على عملي. فأراد السيطرة وأبيتها، وأراد أن يحقق نفسه بأن ينال من نفسي فأبيت إلا أن أحتفظ بنفسي، فكان من ذلك كله صراع أصيبت منه الصداقة، فحزن لما أصابها وحزنت، وبكى عليها وبكيت.
الفصل الثلاثون
وماتت أمي وأنا أستاذ بكلية الآداب سنة 1936 وقد ناهزت الثمانين، وكانت من أسرة من «تلا» بالمنوفية انتقلت إلى القاهرة لأسباب لا أدريها، واشتغل رجالها بالتجارة، فكان خالاي تاجري «عطارة» في الغورية.
وكانت أمي طيبة القلب أقرب إلى السذاجة، وكانت - كأكثر نساء وقتها أمية لا تقرأ ولا تكتب، وكانت محبوبة من أهل حارتها لطيب قلبها، وكنت شديد الحب لها والإشفاق عليها، لأنها تألمت كثيرا في حياتها، فقد مات من أولادها وهم في شبابهم، وعاملها أبي معاملة شديدة قاسية، سلبها كل سلطتها وكبت شخصيتها وحرمها دائرة نفوذها، وطغى بشخصيته على شخصيتها، فعاشت كسيرة القلب منقبضة النفس، لا يحملها على البقاء في البيت إلا حبها لأولادها، فكانت تحتمل ذلك كله وتطيل الاحتمال، وتصبر وتطيل الصبر، وتحن علينا، وإذا غضب علينا أبونا احتمينا بحنوها وأنسنا بعطفها.
ولهذا لما كان لي من الأمر شيء جهدت أن أريحها وأسعدها وأقضي دينها، وكم كنت أتمنى أن تعيش معي بعد وفاة أبي لأطالع وجهها وأتلقى دعواتها صباح مساء، ولكن صممت أن تكون في حيها بين جيرانها، وخشيت أن ينالها أذى ولو قليل من العداء الطبيعي بين الزوجة والأم، فجاريتها على رأيها وخضعت لمشورتها.
فقدتها وأنا كبير ولي زوجة وأولاد، ومع هذا أحسست بفقدها فراغا لم يملأه شيء، وبذلت جهدي في إراحتها، حتى لما هرمت كنت لا أستريح إلى سفري إلى الإسكندرية للتصييف إلا إذا كانت معي، أستبشر كل يوم برؤيتها والجلوس إليها، ومع هذا لا أرى أني قضيت لها بعض دينها، وكانت تبشرني من صغري بأني سأكون أسعد أولادها، لأنها رأت ليلة في منامها أني كنت بجانبها أسير معها، فدخلنا بيتا فتح لنا فيه كنز، وإذا غرف مملوءة ذهبا، فأمرتني أن أملأ حجري منه على عجل فقال لها الملك الموكل بالكنز: لا تعجلي فكل هذا لابنك هذا، ففرحت بهذا الحلم واعتقدت صحته واستبشرت به، وصارت تعيده علي في كل مناسبة وفي جميع أدوار عمري إلى أن ماتت.
سخية اليد على قلة ما تملك، لا تعبأ بالمال إلا ما يضمن معيشتها، فلما ركنت إلي ووثقت بي تنازلت عن مالها لأولادها. لم أسمع منها يوما تفكيرا في تدبير مال، ولا شكوى حال، ولا حسدا لغنى ولا اعتراضا على قدر، شأنها في ذلك شأن أخوالي، فليس منهم إلا من عاش عيشة طيبة وكسب كثيرا ومات فقيرا.
ساذجة في تفكيرها وفي حديثها وفي تصرفها وفي تصديق كل ما يقال لها.
فإن كان لي شيء من عناد وقوة إرادة وجلد على العمل وصبر على الدرس وسرعة غضب وميل إلى الحزن وكثرة تفكير في العواقب، فذلك كله من أبي رحمه الله .
وإن كان في شيء من سذاجة، وعدم حرص على مال، وحزن على أني حزين، وحسن ظن بالناس فيما يقولون ويفعلون، وندم على غضب، وسرعة تحول من غضب إلى هدوء ومن سخط إلى رضا، فذلك كله من أمي، رحمها الله.
صفحه نامشخص