وإذا حدثته بالإنجليزية قال لي
Yes
بالفرنسية قلت لا أفهم ما يقول، وهو لا يفهم ما أقول حتى رأيت آخر الأمر رأسي وليس بها إلا شعر خفيف جدا قصير جدا والدنيا برد، وأنا مضطر عند دخولي قاعة المؤتمر أن أخلع قبعتي، فلا أجد بها شعرا يقاوم بردا ولا يجمل منظرا، وقصصت القصة على زميلي الدكتور طه حسين والدكتور عبد الوهاب عزام فضحكا وأغرقا في الضحك، وقال الدكتور طه: إني سأضع رواية اسمها «حلاق بروكسل» على نمط «حلاق إشبيلية» ونظم الدكتور عزام قصيدة أذكر منها:
ونظر الأستاذ في (المرايه)
فلم يجد في رأسه (شعرايه)
ورأيت في هذه الرحلة الناس في بلجيكا وفرنسا وقد عراهم الذعر مما يرونه من طوالع الحرب وكثرة الحديث عنها وكثرة الاستعداد لها، حتى لقد أسرعنا في العودة خوف أن تقفل الطريق أمامنا.
ولئن كانت الرحلة الأولى قد أطلعتني على جوانب من المدينة الغربية، فهذه الرحلة قد نمتها وثبتتها.
الفصل التاسع والعشرون
أعود بعد الرحلات إلى وصف حياتي العامة والخاصة، فقد رقيت في كلية الآداب من مدرس إلى أستاذ مساعد، فأمكنني بذلك أن أكون عضوا في مجلس إدارة الكلية، أتصل فيه بالأساتذة المصريين والفرنسيين والإنجليز والبلجيكيين، وأرى في كل جلسة كيف تعرض الأمور وكيف ينظر إليها وكيف تدخل النزعات والأغراض في تكوين الآراء . لقد تعلمت أن المنطق آخر أدوات الحكم على الأشياء؛ وأن النزعات والأغراض والبواعث هي التي تتحكم في المنطق لا التي يحكمها المنطق؛ فليس المنطق ما عرفنا تعريفه، من أنه آلة تعصم الذهن عن الخطأ في الحكم، ولكن هو القدرة على تبرير البواعث والنزعات والأغراض لتتخذ شكلا معقولا، وكان المجلس كبرج بابل يتكلم متكلم بالعربية وآخر بالفرنسية وثالث بالإنجليزية، وإذا حزب الأمر ترجمت كل لغة إلى اللغات الأخرى، وأحيانا في الأمور العامة تلعب السياسة لعبها من وراء ستار، فالفرنسيون مثلا يريدون أن يسيطروا على قسم الفلسفة، والإنجليز يريدون أن يتدخلوا فيه وأن يسيطروا على الكلية بواسطة عميدها، وأكبر ما يتجلى هذا عند خلو كرسي من كراسي الأساتذة أو عند خلو مكان العميد.
وقد صاحبت التطور الذي حدث، من تحول عدد الأساتذة المصريين من قلة إلى كثرة، ومن قلة ما بأيديهم من توجيهات إلى أن ملكوا زمام الأمور في الكلية بتعيين عميد مصري لها، وعاصرت الصراع الشديد بين محاولة الحكومة التدخل في شأن الجامعة أحيانا، ومحاولة الجامعة المحافظة على استقلالها، وأكثر حادثة من هذا القبيل هي حادثة نقل الدكتور طه حسين من كلية الآداب إلى وظيفة في وزارة المعارف من غير أخذ رأي الكلية ولا إدارة الجامعة واستقالة الدكتور طه وإضراب الطلبة عن الدروس، وانقسام الأساتذة إلى قسمين قسم مسالم وقسم مناهض وكنت إذ ذاك من المناهضين، وأوذيت في ذلك كثيرا حتى فكر في نقلي من الجامعة.
صفحه نامشخص