فلولا ضرورة قضت بوجود الصحافة يومئذ على صورة من الصور، لكان من أعجب العجائب حقا أن توجد صحيفة واحدة، وأن تعيش - إذا وجدت - أكثر من بضعة شهور.
كانت موارد الصحف كلها من الاشتراكات، وثمن النسخ الموزعة، وأجور الإعلانات ... وكانت هذه الموارد لا تكفي كل الكفاية للإنفاق على الصحيفة إلى أمد طويل، ولكنها مع ذلك لم تكن خالية من عقباتها وموانعها، ولا من جرائر الخلل الدائم في وسائلها ومواعيدها.
فلم يكن للصحيفة المنتظمة بد من مورد آخر غير الاشتراكات، وغير البيع وغير الإعلانات، وهو كذلك مورد مضطرب معرض بطبيعته للفوضى وتبدل الأحوال، ونعني به مورد «الإعانات» السرية من أصحاب الدعايات، ومعظمها دعايات تصدر من قصور الملوك والأمراء، أو من دواوين وزارات الخارجية والسفارات.
فالاشتراكات الصحفية قبل خمسين سنة كانت من الموارد الثابتة المنتظمة بالقياس إلى موارد الصحف في العصر الحاضر؛ لأن الصحف في العصر الحاضر تعتمد على البيع في الأقاليم، ولا تعول كثيرا على الاشتراكات، ولم تكن وسائل البيع في الأقاليم ميسورة للصحف اليومية، فضلا عن الأسبوعية أو الشهرية إلى زمن قريب ...
وكانت الاشتراكات خليقة أن تمد الصحف بمورد نافع لو خلت من موانعها وعثراتها، ولكنها كانت في الواقع مولودة بموانعها وعثراتها، إن صح هذا التعبير ...
كان أعيان الريف يحبون أن يشتركوا في الصحف اليومية؛ لأنها مظهر من مظاهر الوجاهة و«الأهمية» في القرية أو البلدة الصغيرة ... ولم يكن بالقليل من مظاهر الوجاهة اليومية أن يحضر ساعي البريد إلى الدار يوميا؛ ليدق الباب على مسمع من الجيران، وينادي بصوت يشبه صوت المنادي باسم «المحكمة» في ساحة القضاء: بوسطة!
فإذا بالحي كله يترقب «سماعا» جديدا بعد هذا النداء، يحيط بأنباء الأرض والسماء، ويتحدث عن المسكوف و«الإنجلاطيرا» وملك «الفرنسا»، أو الجمهور كما كانوا يسمعون عنه منذ أيام حملة نابليون، ويتخللها بالأسطورة الطريفة التي تسمى بالترنسفال ... وبينها وبين السودان في الجنوب ألوف الأميال، ويا له من «واقع» وراء الخيال!
ولم يكن الوجيه الريفي يبخل بثمن هذا المظهر، أو يماطل الصحيفة بقيمة الاشتراك حبا للمطال ... ولكنه يجود به عن طيب خاطر لو وجد أمامه من يقبضه منه لحساب الصحيفة، وأين هذا الذي يقبضه لحساب الصحيفة، ويؤديه بالأمانة والوفاء؟
لقد كانت الصحف تنشر بين آونة وأخرى خبرا مكررا عن الوكيل «فلان»، الذي ألغي توكيله وأصبح غير معتمد في تحصيل الاشتراكات ... وكانت هذه الصحف تنشر قبل ذلك إعلانا موجها إلى وكيلها في هذا الإقليم أو ذاك تنبهه إلى موعد السداد، وتلوح له بالتهديد والإنذار، وقد ينفع التهديد مرة ولا ينفع مرات، ولكنه يعاد ثم يعاد، ويتجدد مع الوكيل الجديد تارة ومع الوكيل القديم تارات، ولا تستغني الصحيفة عن مراجعة الوكيل القديم لقلة الوكلاء المتخصصين لهذه الصناعة، أو المدربين عليها في معاملة الصحف والمشتركين والموظفين، وأفراد «الجمهور الصحفي» على التعميم ... «حق» الصحيفة
وكانت للوكيل فنون في معاملة الموظفين وإغرائهم بالثناء، أو تهديدهم بالتشهير والانتقاد ... ولا غنى له عن هذه الفنون؛ لأنه كان يستعين على الدوام بالموظف الكبير والموظف الصغير في تحصيل «حق» الصحيفة و«حقه» هو في سوقه السوداء ... من وراء الستار ...
صفحه نامشخص