حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني

حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني

ویرایشگر

يوسف الشيخ محمد البقاعي

ناشر

دار الفكر

ویراست

الأولى

محل انتشار

بيروت

•
مناطق
مصر
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبَعْدُ فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ الْقَدِيرِ عَلِيٌّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَالِكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَمَشَايِخِهِ وَأَوْلَادِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ السَّتَّارِ، الْمُنْعِمِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْغَفَّارِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ نَرْجُو مِنْ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ صُحْبَتَهُ فِي دَارِ الْقَرَارِ، مُحَمَّدٍ وَآلِهِ السَّادَةِ الْأَبْرَارِ.
(وَبَعْدُ) فَيَقُولُ الْفَقِيرُ لِرَحْمَةِ مَوْلَاهُ عَلِيٌّ الصَّعِيدِيُّ الْعَدَوِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَمَّا أَرَادَ الْمَوْلَى ﷻ وَعَظُمَ شَأْنُهُ بِالْمُذَاكَرَةِ مَعَ الْإِخْوَانِ فِي كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ عَلَى رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ، وَظَهَرَ بَعْضُ تَقَايِيدَ أَرَدْت أَنْ أَجْمَعَهَا لِنَفْسِي، وَمَنْ هُوَ قَاصِرٌ مِثْلِي، جَعَلَهَا اللَّهُ خَالِصَةً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسَبَبًا لِلْفَوْزِ بِجِنَانِ النَّعِيمِ، فَأَقُولُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
[قَوْلُهُ: وَبَعْدُ] قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاوَ نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا، وَأَمَّا نَائِبَةٌ عَنْ مَهْمَا، فَالْوَاوُ نَائِبَةُ النَّائِبِ، بِدَلِيلِ الْفَاءِ فِي حَيِّزِهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً، وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَقُولُ قُدِّمَ لِلْحَصْرِ وَالْوَاوُ إمَّا عَاطِفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ الْبَسْمَلَةِ أَوْ لِلِاسْتِئْنَافِ، أَيْ وَبَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَسْمَلَةِ، فَإِنْ قُلْت كَمَا تُطْلَبُ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ. تُطْلَبُ الْبُدَاءَةُ بِالْحَمْدَلَةِ. وَلَمْ يَبْتَدِئْ ذَلِكَ الشَّرْحَ بِهَا، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: يَدَّعِي أَنَّهُ حَمِدَ لَفْظًا فَالْمَعْنَى وَبَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَوْ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى رِوَايَةِ ذِكْرِ اللَّهِ وَهُوَ قَدْ حَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ؛ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ مُطْلَقٌ وَهُوَ فِي الْمَقَامِ رِوَايَةُ ذِكْرِ اللَّهِ وَمُقَيَّدَانِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْبَسْمَلَةِ وَرِوَايَةُ الْحَمْدَلَةِ فَالْعَمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اتَّحَدَ الْمُقَيَّدُ وَمَا هُنَا قَدْ تَعَدَّدَ.
[قَوْلُهُ: فَيَقُولُ إلَخْ] أَصْلُهُ يَقُولُ عَلَى وَزْنِ يَنْصُرُ بِضَمِّ الْوَاوِ فَاسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَيْهَا فَنُقِلَتْ إلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الضَّمَّةَ عَلَى الْوَاوِ وَكَذَا الْيَاءُ إنَّمَا تَكُونُ ثَقِيلَةً إذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا عِنْدَ التَّسْكِينِ فَلَا وَلِذَلِكَ أُعْرِبَ دَلْوٌ وَظَبْيٌ بِالْحَرَكَاتِ الظَّاهِرَةِ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا ظَهَرَتْ فِي الِاسْمِ لِخِفَّتِهِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَثَقِيلٌ وَالثَّقِيلُ لَا يَتَحَمَّلُ مَا فِيهِ ثِقَلٌ، أَوْ أَنَّ عِلَّةَ الثِّقَلِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا سَكَنَتْ فِي الْمَاضِي سَكَنَتْ فِي الْمُضَارِعِ لَكِنْ فِي الْمَاضِي بَعْدَ قَلْبِهَا أَلِفًا فِي الْمُضَارِعِ مَعَ بَقَائِهَا بِدُونِ قَلْبٍ [قَوْلُهُ: الْعَبْدُ] أَيْ الْمَمْلُوكُ لِمَوْلَاهُ بِسَبَبِ الْإِيجَادِ، فَهُوَ اعْتِرَافٌ بِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِأَمْرِهِ، وَتَوْطِئَةٌ لِلْوَصْفِ بِالْفَقِيرِ هَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ مِنْ مَعَانِي الْعَبْدِ فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: الْفَقِيرُ] أَيْ دَائِمُ الْحَاجَةِ، فَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، أَوْ كَثِيرُ الِاحْتِيَاجِ فَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ لَكِنْ فِي الثَّانِي شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْخَ وَغَيْرَهُ دَائِمُ الِاحْتِيَاجِ لِإِنْعَامِ رَبِّهِ لَا كَثِيرُهُ الْمُفِيدُ أَنَّهُ قَدْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِرَحْمَةِ] الرَّحْمَةُ رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ وَانْعِطَافٌ وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى الْمَوْلَى، فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ وَأُرِيدَ لَازِمُ مَعْنَاهُ الْبَعِيدُ بِمَرْتَبَةٍ وَهُوَ نَفْسُ الْإِنْعَامِ أَوْ بِمَرْتَبَتَيْنِ وَهُوَ نَفْسُ الْمُنْعَمِ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ أَيْ الرَّحْمَةُ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ لَازِمُهُ الْقَرِيبُ وَهُوَ إرَادَةُ الْإِنْعَامِ فَتَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إلَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عِلَّةٌ لِلْغِنَى لَا لِلْفَقْرِ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ صِفَةُ جَمَالٍ لَا يَصْدُرُ عَنْهَا الْفَقْرُ، وَآثَرَ اللَّامَ عَلَى إلَى مَعَ أَنَّ الْفَقْرَ يَتَعَدَّى بِإِلَى لِلِاخْتِصَارِ.
[قَوْلُهُ: رَبِّهِ] الرَّبُّ قِيلَ: مَصْدَرٌ

1 / 3

وَإِخْوَانِهِ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا تَعْلِيقٌ لَطِيفٌ لَخَّصْتُهُ مِنْ شَرْحَيْ الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ عَلَى رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
ــ
[حاشية العدوي]
بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَهِيَ تَبْلِيغُ الشَّيْءِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى الْحَدِّ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُرَبِّي، ثُمَّ وَصَفَ بِهِ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَزَّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ فِي حَوْزِ مَوْلَاهُ يُرَبِّيهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَقِيلَ: وَصْفٌ مَقْصُورٌ مِنْ رَابَبَ، فَيَكُونُ اسْمَ فَاعِلٍ، وَحُذِفَتْ أَلِفُهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى وَزْنِ فَعَلَ فَأَصْلُهُ رَبَبَ فَيَكُونُ صِفَةً مُشَبَّهَةً [قَوْلُهُ: الْقَدِيرِ] أَيْ ذِي الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ.
وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ فَقِيرٍ وَقَدِيرٍ مِنْ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ: الطِّبَاقُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ يَلْزَمُهُ الْعَجْزُ [قَوْلُهُ: عَلِيٌّ] بَدَلٌ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ عَلِيٌّ [قَوْلُهُ: أَبُو الْحَسَنِ] بَدَلٌ مِنْ عَلِيٍّ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَقَدَّمَ الِاسْمَ عَلَى الْكُنْيَةِ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ.
[قَوْلُهُ: الْمَالِكِيُّ] نَعْتٌ لِأَبِي الْحَسَنِ لَا نَعْتٌ لِعَلِيٍّ وَإِلَّا لَزِمَ تَقْدِيمُ الْبَدَلِ أَوْ عَطْفُ الْبَيَانِ عَلَى النَّعْتِ مَعَ أَنَّهُمَا يُؤَخَّرَانِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ التَّوَابِعَ إذَا اجْتَمَعَتْ يُقَدَّمُ النَّعْتُ فَالْبَيَانُ فَالتَّأْكِيدُ فَالْبَدَلُ فَعَطْفُ النَّسَقِ.
وَهَذَا الشَّارِحُ هُوَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَلَاثًا ابْنِ خَلَفٍ، الْمَنُوفِيُّ بَلَدًا الْمِصْرِيُّ مَوْلِدًا، وُلِدَ بِالْقَاهِرَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ثَالِثَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْعَامِلُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ السَّنْهُورِيُّ، وَأَخَذَ النَّحْوَ وَغَيْرَهُ عَنْ الْكَمَالِ بْنِ أَبِي شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ، وَلَازَمَ الْجَلَالَ السُّيُوطِيَّ وَأَخَذَ عَنْهُ.
تُوُفِّيَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ بَابِ الْوَزِيرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفِيشِيُّ.
[قَوْلُهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُ] أَيْ سَتَرَهُ اللَّهُ بِمَحْوِ ذَنْبِهِ مِنْ الصُّحُفِ أَوْ لَا يُؤَاخِذُهُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الصُّحُفِ إظْهَارًا لِفَضْلِ اللَّهِ ﷾، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وَقَدَّمَ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ لِحَدِيثِ: " كَانَ ﷺ إذَا دَعَا بَدَأَ بِنَفْسِهِ " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [نوح: ٢٨] [قَوْلُهُ: وَلِوَالِدِيهِ] أَعَادَ الْجَارَ لِقَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى. إلَخْ وَتَرَكَهُ فِيمَا بَعْدُ إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لِقَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا.
وَالْأَنْسَبُ أَنْ يُقْرَأَ بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعًا لِيَشْمَلَ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ، فَالْجَدُّ وَالِدٌ وَالْجَدَّةُ وَالِدَةٌ، فَفِيهِ تَغْلِيبُ الْوَالِدِينَ عَلَى الْوَالِدَاتِ. [قَوْلُهُ: وَمَشَايِخِهِ] جَمْعُ شَيْخٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى شُيُوخٍ وَأَشْيَاخٍ، وَالشَّيْخُ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَمَّنْ طَعْنٍ فِي السِّنِّ ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيمَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَلَوْ صَبِيًّا، وَأَرَادَ مَشَايِخَ عِلْمٍ أَوْ طَرِيقَةٍ وَقَدَّمَ الدُّعَاءَ لِوَالِدَيْهِ عَلَى الدُّعَاءِ لِمَشَايِخِهِ؛ لِأَنَّ تَرْبِيَةَ وَالِدَيْهِ سَابِقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ تَرْبِيَةَ الْمَشَايِخِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ تَرْبِيَةَ الْوَالِدَيْنِ لِحِفْظِ جِسْمٍ فَانٍ، وَتَرْبِيَةَ الْمَشَايِخِ لِحِفْظِ رُوحٍ بَاقِيَةٍ. [قَوْلُهُ: وَأَوْلَادِهِ] أَرَادَ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ التَّلَامِذَةَ إنْ كَانَ لِلشَّيْخِ أَوْلَادُ نَسَبٍ وَإِلَّا فَهُمْ التَّلَامِذَةُ. [قَوْلُهُ: وَإِخْوَانِهِ] جَمْعُ أَخٍ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: لَامَهُ مَحْذُوفَةٌ وَهِيَ وَاوٌ وَتُرَدُّ فِي التَّثْنِيَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ، فَيُقَالُ: أَخَوَانِ، وَفِي لُغَةٍ يُسْتَعْمَلُ مَنْقُوصًا فَيُقَالُ: أَخَانِ وَجَمْعُهُ إخْوَةٌ وَإِخْوَانٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا وَضَمُّهَا لُغَةٌ اهـ.
وَأَرَادَ بِهِمْ مَا يُشَارِكُهُ فِي أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ فِيهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُشَارِكٌ فِيمَا ذُكِرَ أَوْ الْأَصْحَابُ أَوْ مَا يَشْمَلُ الْمُشَارِكَ فِيمَا ذُكِرَ، وَالْأَصْحَابُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ غَلَبَ فِي الْأَصْحَابِ كَمَا فِي الْفَتْوَى.
[قَوْلُهُ: وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. . . إلَخْ] قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الْعُصَاةِ فَيَكُونُ لَفْظُ جَمِيعٍ إمَّا مِنْ بَابِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ أَيْ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّجَوُّزِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَوْ الْجَمِيعِيُّ، وَيُخَصَّصُ بِمَنْ عَدَا مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ نُفُوذَ الْوَعِيدِ فِيهِ أَوْ لَا يُخَصَّصُ بِأَنْ يُرَادَ تَعَلُّقُ الْغُفْرَانِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الذُّنُوبِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ بِغُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْعُمُومِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إلَخْ] مَقُولُ الْقَوْلِ وَالْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ لِمَا فِي الذِّهْنِ بِنَاءً عَلَى التَّحْقِيقِ، أَنَّ مُسَمَّى الْكِتَابِ الْأَلْفَاظُ

1 / 4

وَأَعَادَ عَلَيْنَا وَعَلَى أَحْبَابِنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ وَنَفَعَنَا بِعُلُومِهِ وَجَعَلَنَا مِنْ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَعِتْرَتِهِ آمِينَ تَلْخِيصًا حَسَنًا مُجْتَنِبًا فِيهِ التَّطْوِيلَ الْمُمِلَّ وَالِاخْتِصَارَ الْمُخِلَّ لِيَنْتَفِعَ
ــ
[حاشية العدوي]
الْمَخْصُوصَةُ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ كَانَتْ الْخُطْبَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى التَّأْلِيفِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا فَشَبَّهَهَا بِمَحْسُوسٍ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ حَاضِرٍ بِجَامِعِ التَّعَيُّنِ، وَاسْتَعَارَ لَهَا لَفْظَ هَذَا، الْمَوْضُوعُ لِلْمُشَاهِدِ الْمَحْسُوسُ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ اسْتِعَارَةً تَصْرِيحِيَّةً.
[قَوْلُهُ: تَعْلِيقٌ] أَيْ مُعَلَّقٌ أَيْ مَوْضُوعٌ، فَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَوْ أَنَّ تَعْلِيقَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْمُؤَلَّفِ. [قَوْلُهُ: لَطِيفٌ] قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ: اللَّطِيفُ رَقِيقُ الْقَوَامِ أَوْ كَوْنُهُ شَفَّافًا لَا يَحْجُبُ الْبَصَرَ عَنْ إدْرَاكِ مَا وَرَاءَهُ اهـ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي قَلِيلِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ سَهْلِ الْمَأْخَذِ عَلَى الثَّانِي عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْكَافِ أَيْ كَاللَّطِيفِ، فَقَدْ شَبَّهَ قِلَّةَ الْأَلْفَاظِ أَوْ سُهُولَةَ الْمَأْخَذِ بِرِقَّةِ الْقَوَامِ أَوْ الشَّفَّافِيَّةِ، وَاسْتُعِيرَ اللُّطْفُ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، وَاشْتُقَّ مِنْ اللُّطْفِ بِمَعْنَى قِلَّةِ الْأَلْفَاظِ أَوْ سُهُولَةِ الْمَأْخَذِ لَطِيفٌ بِمَعْنَى قَلِيلِ الْأَلْفَاظِ أَوْ سَهْلِ الْمَأْخَذِ هَذَا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ. وَأَمَّا عَلَى التَّشْبِيهِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: لَخَّصْتُهُ] أَيْ جَمَعْتُهُ أَيْ أُلَخِّصُهُ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّأْلِيفِ أَوْ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ عَلَى أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، وَيُعَيِّنُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ بَعْدُ، وَاَللَّهَ أَسْأَلُهُ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: مِنْ شَرْحَيْ الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ] اعْلَمْ أَنَّ لِلشَّارِحِ شُرُوحًا سِتَّةً عَلَى هَذَا الْكِتَابِ بَيَّنَهَا الْفِيشِيُّ بِقَوْلِهِ: الْأَوَّلُ غَايَةُ الْأَمَانِيِّ.
وَالثَّانِي تَحْقِيقُ الْمَبَانِي.
وَالثَّالِثُ تَوْضِيحُ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي.
وَالرَّابِعُ تَلْخِيصُ التَّحْقِيقِ.
وَالْخَامِسُ الْفَيْضُ الرَّحْمَانِيُّ.
وَالسَّادِسُ كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَالْكَبِيرُ هُوَ غَايَةُ الْأَمَانِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَسَطِ تَحْقِيقَ الْمَبَانِي كَمَا وَجَدَتْ تَقْيِيدًا يُقَيِّدُهُ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَهُ تَأْلِيفٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ مُسْتَقِلٌّ وَتَآلِيفُ شَتَّى، وَقَوْلُهُ: عَلَى رِسَالَةِ حَالٌ إمَّا مِنْ شَرْحَيْ أَوْ مِنْ الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ.
قَالَ (عج): وَسُمِّيَتْ رِسَالَةً لِلسُّلُوكِ بِهَا مَسْلَكَ الرَّسَائِلِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ عَادَةً. [قَوْلُهُ: ﵀ إلَخْ] جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى أَيْ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَأَعَادَ] أَيْ أَوْصَلَ. [قَوْلُهُ: وَعَلَى أَحْبَابِنَا] جَمْعُ حِبٍّ بِمَعْنَى مَحْبُوبٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَلَا يَشْمَلُ مَنْ يُحِبُّ الشَّارِحُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوبًا لَهُ لِكَوْنِهِ أَتَى بَعْدَهُ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ بَرَكَاتِهِ] أَيْ شَيْءٌ مِنْ بَرَكَاتِهِ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَوْ بَعْضُ بَرَكَاتِهِ فَالْمَفْعُولُ مِنْ بِمَعْنَى بَعْضٍ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا أَسْرَارَهُ وَمَعَارِفَهُ، فَالْعِبَارَةُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مِنْ مُمَاثِلِ أَسْرَارِهِ وَمَعَارِفِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا خَيْرَاتٍ تَصِلُ لِلشَّارِحِ وَأَحْبَابِهِ يَكُونُ الْمُصَنِّفُ وَاسِطَةً فِيهَا، أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى وَأَعَادَ عَلَيْنَا شَيْئًا نَافِعًا أَجْلِ بَرَكَاتِهِ أَيْ أَسْرَارِهِ وَمَعَارِفِهِ، أَيْ مِنْ أَجْلِ التَّوَسُّلِ بِهَا فَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَمَا قُلْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بِعُلُومِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِنَفَعَ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْمُرَادُ الْعُلُومُ الَّتِي اسْتَفَادَهَا الشَّارِحُ مِنْ كُتُبِهِ لَا مُطْلَقُ الْعُلُومِ، فَيَكُونُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَهُ بِتِلْكَ الْعُلُومِ بِأَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَتَكُونَ سَبَبًا لِلظَّفَرِ بِالْجِنَانِ، أَوْ أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ نَفَعَنَا بِمَا عَلَّمْنَاهُ حَالَةَ كَوْنِنَا مُتَوَسِّلِينَ لَهُ بِعُلُومِهِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ عُلُومِهِ مُطْلَقًا. [قَوْلُهُ: فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ] أَيْ بِأَنْ نَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَنَفْعَلَ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّبَاعِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أَنْ نَعْمَلَ بِمُقْتَضَى أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
١ -
[قَوْلُهُ: بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ تَنَازَعَ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَيْ ﵀ إلَخْ فِي حَالِ كَوْنِنَا مُتَوَسِّلِينَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ. [قَوْلُهُ: وَآلِهِ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ عُصَاةً، وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّوَسُّلِ بِآلِهِ وَلَوْ عُصَاةً؛ لِأَنَّهُمْ بَضْعَةٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ أَقَارِبُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَيْنَ الْآلِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَالصَّحْبِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ. مِنْ وَجْهٍ يَجْتَمِعَانِ فِي سَيِّدِنَا عَلِيٍّ مَثَلًا، وَيَنْفَرِدُ الْآلُ فِي أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْهُ وَالصَّحْبُ فِي أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: وَصَحْبِهِ] جَمْعٌ لِصَاحِبٍ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ قَوْلَانِ،

1 / 5

بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُبْتَدِي لِقِرَاءَتِهَا وَالْمُنْتَهِي لِمُطَالَعَتِهَا، اقْتَصَرَتْ فِيهِ عَلَى حَلِّ أَلْفَاظِهَا وَذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَالصَّحَابِيُّ مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ طَالَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ أَوْ لَمْ يَطُلْ، بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ طُولِ اجْتِمَاعِهِ بِالصَّحَابِيِّ حَتَّى يُسَمَّى تَابِعِيًّا. [قَوْلُهُ: وَعِتْرَتِهِ] قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: رَوَى ثَعْلَبٌ عَنْ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ الْعِتْرَةَ وَلَدُ الرَّجُلِ وَذُرِّيَّتُهُ وَعَقِبُهُ مِنْ صُلْبِهِ، وَلَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ مِنْ الْعِتْرَةِ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْعِتْرَةُ وَالرَّهْطُ بِمَعْنًى، وَرَهْطُ الرَّجُلِ قَوْمُهُ وَقَبِيلَتُهُ الْأَقْرَبُونَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ الْعِتْرَةُ أَخَصَّ مِنْ الْآلِ، فَالْأَنْسَبُ ذِكْرُهُ بِلَصْقِهِ وَعَلَى الثَّانِي أَعَمُّ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: آمِينَ] كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ مُتَعَلِّقٌ بِالْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. [قَوْلُهُ: تَلْخِيصًا] مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ لَخَّصْته. [قَوْلُهُ: مُجْتَنِبًا] حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَخَّصْته، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حَسَنًا، أَوْ أَنَّ الْحُسْنَ مِنْ جِهَةِ بَلَاغَةِ نَظْمِهِ.
[قَوْلُهُ: التَّطْوِيلُ إلَخْ] التَّطْوِيلُ كَمَا أَفَادَهُ أَهْلُ الْمَعَانِي الزِّيَادَةُ عَلَى أَصْلِ الْمَعْنَى لَا لِفَائِدَةٍ، وَلَا يَكُونُ الزَّائِدُ مُتَعَيِّنًا كَقَوْلِهِ:
وَأَلْفَى قَوْلَهَا ... كَذِبًا وَمَيْنًا
فَإِنَّ الْمَيْنَ هُوَ الْكَذِبُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّائِدُ مُتَعَيِّنًا فَهُوَ الْحَشْوُ كَقَوْلِهِ:
وَأَعْلَمُ عِلْمَ ... الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ
فَإِنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ مُتَعَيِّنٌ لِلزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَمْسِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّطْوِيلَ لُغَةً وَهُوَ كَثْرَةُ الْعِبَارَاتِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَائِدَةٌ. [قَوْلُهُ: الْمُمِلَّ] أَيْ الْمُورِثَ لِلْمَلَلِ وَالسَّآمَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالِاخْتِصَارَ] هُوَ تَقْلِيلُ الْأَلْفَاظِ، [وَقَوْلُهُ: الْمُخِلَّ] أَيْ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ فَهْمُ الْمَعْنَى أَوْ يَتَعَسَّرُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَنْفِيَّ الْمُقَيَّدَ بِقَيْدٍ يَتَسَلَّطُ النَّفْيُ عَلَى ذَلِكَ الْقَيْدِ، وَالنَّفْيُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لَفْظُ مُجْتَنِبًا أَيْ فَالْمَنْفِيُّ هُنَا الْإِمْلَالُ وَالْخَلَلُ، فَيُفِيدُ ثُبُوتَ أَصْلِ التَّطْوِيلِ وَأَصْلِ الِاخْتِصَارِ، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ ذَاكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَأَمَّا عِنْدَ تَعَدُّدِهِ كَأَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ فِي مَوْضِعٍ وَالِاخْتِصَارُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا تَنَافِي فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِيَنْتَفِعَ] عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حَسَنًا أَوْ مُجْتَنِبًا. [قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] أَتَى بِهِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] [قَوْلُهُ: الْمُبْتَدِي إلَخْ] هُوَ مَنْ حَصَّلَ شَيْئًا مَا مِنْ الْفَنِّ وَالْمُنْتَهِي مَنْ حَصَّلَ أَكْثَرَهُ وَصَلُحَ لِإِفَادَتِهِ.
قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا: وَمُفَادُهُ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ لِلشُّرُوعِ أَوْ لَمْ يُحَصِّلْ لَا يُقَالُ فِيهِ مُبْتَدِئٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُبْتَدِئَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي هَذَيْنِ، وَاَلَّذِي حَصَّلَ شَيْئًا أَيْ قَلِيلًا وَقَصَرَ النَّفْعَ عَلَى الْمُبْتَدِئِ وَالْمُنْتَهِي مَعَ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ كَذَلِكَ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ الْمُنْتَهِي بِالْأَوْلَى، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ مَنْ حَصَّلَ نِصْفَهُ أَوْ أَكْثَرَهُ وَلَمْ يَصْلُحْ لِإِفَادَتِهِ، وَإِذَا كَانَ مَنْ حَصَّلَ أَكْثَرَهُ وَصَلُحَ لِإِفَادَتِهِ مُنْتَهِيًا فَلْيَكُنْ مَنْ حَصَّلَ كُلَّهُ وَصَلُحَ لِإِفَادَتِهِ مُنْتَهِيًا بِالْأَوْلَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ حَصَّلَ كُلَّهُ وَلَمْ يَصْلُحْ لِإِفَادَتِهِ يُقَالُ لَهُ مُتَوَسِّطٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ الصَّلَاحِيَّةُ لِلْإِفَادَةِ وَفِيهِ مَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: لِقِرَاءَتِهَا] اللَّامُ بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي حَالِ قِرَاءَتِهَا، وَالْمَانِعُ مِنْ إبْقَائِهَا عَلَى أَصْلِهَا صِدْقُهُ بِاَلَّذِي حَصَّلَ الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ قِرَاءَتَهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ مُبْتَدِئٌ. [قَوْلُهُ: لِمُطَالَعَتِهَا] أَيْ فِي حَالِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: طَالَعَهُ طِلَاعًا وَمُطَالَعَةً اطَّلَعَ عَلَيْهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: اقْتَصَرْت فِيهِ عَلَى حَلِّ أَلْفَاظِهَا] أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ بَيَانَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَبَيَانَ الْمَعْنَى، وَفِي الْعِبَارَةُ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ وَتَخْيِيلٌ، فَشَبَّهَ الْأَلْفَاظَ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ

1 / 6

مِنْ الْقُيُودِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ الْمَشْهُورِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الرُّمُوزِ: بِمَا صُورَتُهُ: (ك) فَلِلْفَاكِهَانِيِّ وَبِمَا صُورَتُهُ (ق) فَلِلْأَقْفَهْسِيِّ وَبِمَا صُورَتُهُ (ع) فَلِابْنِ عُمَرَ وَبِمَا صُورَتُهُ (ج) فَلِابْنِ نَاجِي وَبِمَا صُورَتُهُ (د) فَلِلشَّيْخِ أَحْمَدَ زَرُّوقٍ، وَسَمَّيْته: كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ لِرِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِمَنْ رَأَى فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ وَأَصْلَحَهُ وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ وَدَعَا لِمُؤَلِّفِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَللَّهَ أَسْأَلُ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي أَمَّلْنَاهُ بِمَنِّهِ
ــ
[حاشية العدوي]
حُصُولِ الْمُرَادِ مِنْهَا بِشَيْءٍ مَعْقُودٍ عَلَى مَطْلُوبٍ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فِي النَّفْسِ وَالْحَلُّ قَرِينَةٌ، وَإِضَافَةُ الْأَلْفَاظِ إلَيْهَا لِلْبَيَانِ أَيْ أَلْفَاظُ هِيَ الرِّسَالَةِ إذْ يَجُوزُ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ، إذَا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: وَذِكْرِ] مَعْطُوفٌ عَلَى حَلِّ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْقُيُودِ] بَيَانٌ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَأَلْ الْجِنْسِيَّةُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى جَمْعٍ أَبْطَلَتْ جَمْعِيَّتَهُ، فَالْمُرَادُ جِنْسُ الْقُيُودِ فَيَصْدُقُ بِقَيْدٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنَّ الْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْكِتَابِ فَتَدَبَّرْ.
تَنْبِيهٌ: أَطْلَقَ الْمَاضِي أَعْنِي اقْتَصَرْت وَذَكَرْت وَمَا وَقَعَ إلَخْ وَأَرَادَ الْمُضَارِعَ. [قَوْلُهُ: وَالتَّنْبِيهِ] يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى الْقُيُودِ وَعَلَى حَلِّ. [قَوْلُهُ: وَمَا وَقَعَ] مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ فَلِلْفَاكِهَانِيِّ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الرُّمُوزِ] الرُّمُوزُ جَمْعُ رَمْزٍ، وَهُوَ الْإِشَارَةُ بِعَيْنٍ أَوْ حَاجِبٍ أَوْ شَفَةٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَأَرَادَ بِالرَّمْزِ هُنَا الْإِشَارَةَ إلَى هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ بِأَحْرُفٍ مَخْصُوصَةٍ مُقْتَطِعَةٍ مِنْ أَسْمَائِهَا. [قَوْلُهُ: ك] أَيْ الَّذِي هُوَ مُسَمًّى كَافٍ، وَهَكَذَا فِيمَا سَيَأْتِي. [قَوْلُهُ: فَلِلْفَاكِهَانِيِّ] هُوَ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْيَمَنِ عَلِيُّ بْنُ سَالِمِ بْنِ صَدَقَةَ اللَّخْمِيُّ الْمَالِكِيُّ الشَّهِيرُ بِتَاجِ الدِّينِ الْفَاكِهَانِيِّ يُكَنَّى أَبَا حَفْصٍ الْإِسْكَنْدَرِيَّ، تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَمَوْلِدُهُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: فَلِلْأَقْفَهْسِيِّ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْدَادٍ الْأَقْفَهْسِيُّ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ، تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ خَلِيلٍ وَشَرَحَ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ، تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، ذَكَرَهُ فِي الدُّرَرِ الْكَامِنَةِ. [قَوْلُهُ: فَلِابْنِ عُمَرَ] هُوَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْفَاسِيُّ كَانَ شَيْخًا صَالِحًا عَالِمًا مُحَقِّقًا عَابِدًا، تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: إنَّ تَقْيِيدَهُ وَتَقْيِيدَ الْجُزُولِيِّ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ تَأْلِيفًا، وَإِنَّمَا هِيَ تَقَالِيدُ الطَّلَبَةِ. [قَوْلُهُ: فَلِابْنِ نَاجِي] هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عِيسَى بْنُ نَاجِي أَبُو الْفَضْلِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ شَرَحَ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ، أَخَذَ عَنْ الشَّبِيبِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
فَائِدَةٌ: مَتَى قَالَ ابْنُ نَاجِي شَيْخُنَا وَأَطْلَقَهُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْبُرْزُلِيُّ وَإِنْ قَيَّدَهُ فَأَبُو مَهْدِيٍّ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فَهُوَ ابْنُ عَرَفَةَ.
[قَوْلُهُ: لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ زَرُّوقٍ] جَمَعَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَلِذَا وَصَفَهُ الشَّارِحُ بِالشَّيْخِ، أَخَذَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَيْخِ عَصْرِهِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ السَّنْهُورِيِّ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: وَإِنَّمَا جَاءَنِي زَرُّوقٌ مِنْ جِهَةِ الْجَدِّ ﵀ كَانَ أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ وَاكْتَسَبَ ذَلِكَ مِنْ أُمِّهِ، لَهُ تَآلِيفُ كَثِيرَةٌ كَشَرْحِ الْإِرْشَادِ وَشَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقِطْعَةٌ عَلَى مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ، تُوُفِّيَ بِبِلَادِ طَرَابُلُسَ فِي صَفَرٍ عَامَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ. [قَوْلُهُ: وَسَمَّيْته] مَعْطُوفٌ عَلَى لَخَّصْته أَيْ سَمَّيْت ذَلِكَ التَّعْلِيقَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ [قَوْلُهُ: الرَّبَّانِيُّ] نِسْبَةً لِلرَّبِّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ بِزِيَادَةِ الْأَلْفِ وَالنُّونِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِ الصِّفَةِ كَمَا يُقَالُ لِكَثِيرِ الشَّعْرِ شَعْرَانِيٌّ وَالرَّبَّانِيُّ هُوَ شَدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ.
قَالَهُ فِي الْكَشَّافِ، وَأَرَادَ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِيمَا يَظْهَرُ، الْقَاصِدَ بِطَلَبِهِ الْعِلْمَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ يَكْفِي مَنْ كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. [قَوْلُهُ: لِرِسَالَةِ] مُتَعَلِّقٌ بِالطَّالِبِ أَيْ الطَّالِبِ لِفَهْمِ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ [قَوْلُهُ: غَيْرَ الصَّوَابِ] وَهُوَ الْخَطَأُ [قَوْلُهُ: وَأَصْلَحَهُ] أَيْ بِالْكِتَابَةِ فِي أَوْرَاقٍ أَوْ عَلَى الطُّرَّةِ لَا يَمْحُوهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ الصَّوَابَ بَدَلَهُ لِاحْتِمَالِ

1 / 7

وَكَرَمِهِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
فَأَقُولُ: وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: افْتَتَحَ الْمُصَنِّفُ ﵀ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ: بِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْوَارِدِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَعَمَلًا بِقَوْلِ
ــ
[حاشية العدوي]
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَمْحُوُّ صَوَابًا. [قَوْلُهُ: وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ] أَيْ بِعَيْنِ الرِّضَا لَا بِعَيْنِ السُّخْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَدَعَا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: لِمُؤَلِّفِهِ إلَخْ] كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَدَعَا لِي؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِظْهَارَ لِنُكْتَةِ أَنَّ عِلَّةَ الدُّعَاءِ التَّأْلِيفُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ الْمَأْخَذِ، وَهُوَ الْمَصْدَرُ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَغْفِرَةِ] هِيَ سَتْرُ الذَّنْبِ. [قَوْلُهُ: وَالرَّحْمَةِ] هِيَ الْإِنْعَامُ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لِيُفِيدَ أَنَّ مَنْ دَعَا بِأَحَدِهِمَا يَدْخُلُ فِي الدُّعَاءِ مِنْ الْمُؤَلِّفِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا، فَتُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ دَعَا بِهِمَا مَعًا. [قَوْلُهُ: وَاَللَّهَ أَسْأَلُ إلَخْ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأً وَأَسْأَلُ خَبَرًا وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَسْأَلُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ إثْبَاتُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ. [قَوْلُهُ: الْمَعُونَةَ] اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَهَلْ الْمِيمُ زَائِدَةٌ فَوَزْنُهَا مَفْعَلَةٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَوْ أَصْلِيَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَاعُونِ فَوَزْنُهَا فَعُولَةٌ؟ قَوْلَانِ أَفَادَهُمَا صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي أَمَّلْنَاهُ] أَيْ رَجَوْنَاهُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ مُلَخَّصًا تَلْخِيصًا حَسَنًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: بِمَنِّهِ إلَخْ] الْمَنُّ يُطْلَقُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ: الْإِنْعَامُ، وَالِامْتِنَانُ، وَالْقَطْعُ، وَإِذْهَابُ الْقُوَّةِ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْأَوَّلُ وَعَطْفُ الْكَرَمِ عَلَيْهِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، فَأَرَادَ بِالْكَرَمِ صِفَةَ الْفِعْلِ الَّتِي هِيَ الْإِنْعَامُ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ حَالٌ مِنْ الْمَعُونَةِ أَيْ أَسْأَلُهُ الْإِعَانَةَ حَالَةَ كَوْنِ تِلْكَ الْإِعَانَةِ مِنْ إنْعَامِهِ وَكَرَمِهِ، أَيْ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ فِعْلَ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ.
[قَوْلُهُ: إنَّهُ إلَخْ] بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافًا لَفْظًا تَعْلِيلًا مَعْنًى وَبِالْفَتْحِ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَشَاءُ] يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مَا مَوْصُولَةً أَيْ الَّذِي يَشَاؤُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَشِيئَتَهُ، مُتَعَلِّقُ قُدْرَتِهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْقُدْرَةُ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَشَاءُ] مُتَعَلِّقٌ بِقَدِيرٍ، وَقَوْلُهُ: وَبِالْإِجَابَةِ مُتَعَلِّقٌ بِجَدِيرٍ، أَيْ حَقِيقٍ. وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ ﷾ مُتَّصِفًا بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ نَاسَبَ أَنْ يُسْأَلَ إذْ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِمَا مَعًا لَا يُسْأَلُ، وَقَدَّمَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُتَفَرِّعَةٌ مَعْنًى عَلَى الْأُولَى إذْ الْإِجَابَةُ فَرْعُ الْقُدْرَةِ. [قَوْلُهُ: فَأَقُولُ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَاَللَّهَ أَسْأَلُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ حَسْبِي]: أَيْ مُحْتَسَبِي أَيْ كَافِيَّ وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أَقْوَالٍ، وَمَعْمُولُهُ الَّذِي هُوَ افْتَتَحَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ أَيْ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ هُوَ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ نِعْمَ الْوَكِيلُ جُمْلَةٌ إنْشَائِيَّةٌ وَهِيَ لَا تُعْطَفُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: وَهُوَ حَسْبِي، فَيُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ لِلْخُلُوصِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَى مِثْلِهَا أَيْ وَهُوَ نِعْمَ الْوَكِيلُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ مَقُولٌ فِي حَقِّهِ نِعْمَ الْوَكِيلُ، فَتَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُتَعَلِّقُ خَبَرِهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ إنْشَائِيَّةٌ، وَإِنْ أَرَدْت تَمَامَ مَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَرَاجِعْ حَفِيدَ السَّعْدِ.
١ -
[قَوْلُهُ: افْتَتَحَ إلَخْ] مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ خَطًّا وَيَحْتَمِلُ وَلَفْظًا أَيْضًا. [قَوْلُهُ: كَغَيْرِهِ] حَالٌ مِنْ فَاعِلِ افْتَتَحَ أَيْ افْتَتَحَ الْمُصَنِّفُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُمَاثِلًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْحَالِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الِافْتِتَاحَ الْمَذْكُورَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَيْ الْفِعْلِيِّ. [قَوْلُهُ: اقْتِدَاءً] مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ عَامِلُهُ افْتَتَحَ.
تَنْبِيهٌ: قَصَدَ بِقَوْلِهِ: اقْتِدَاءً أَنَّهُ مَبْدُوءٌ بِهَا لَفْظًا وَخَطًّا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْجَوَابِ بِأَنَّهُ مَبْدُوءٌ بِكِتَابَتِهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا تُنْدَبُ لَفْظًا أَيْضًا فِي أَوَّلِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ كَمَا أَفَادَهُ ح.
[قَوْلُهُ: بِكِتَابِ اللَّهِ] مَصْدَرُ كَتَبَ سَمَاعِيٌّ إلَّا أَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ بِمَكْتُوبِ اللَّهِ، أَوْ أَنَّ الْكِتَابَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ، وَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ أَيْ الْمَعْهُودُ عِنْدَنَا مَعْشَرَ الْأُمَّةِ وَهُوَ الْقُرْآنُ. [قَوْلُهُ: الْعَزِيزِ] أَيْ عَدِيمِ الْمِثَالِ، وَقِيلَ:

1 / 8

النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَال لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» . وَثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ) لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ عَلَى
ــ
[حاشية العدوي]
هُوَ الَّذِي يَتَعَذَّرُ الْإِحَاطَةُ بِوَصْفِهِ وَيَعْسُرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ تَشْتَدُّ إلَيْهِ، وَحَيْثُ جُعِلَتْ الْإِضَافَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ لَفْظُ الْعَزِيزِ وَصْفًا مُؤَكِّدًا، وَيَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ إضَافَةُ كِتَابٍ لِلْجِنْسِ فَيَكُونُ الْعَزِيزُ وَصْفًا مُقَيَّدًا إذْ هُوَ وَصْفٌ خَاصٌّ بِالْقُرْآنِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كِتَابَ اسْمٌ جَامِدٌ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ التُّونُسِيُّ مِنْ إجْمَاعِ عُلَمَاءِ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ افْتَتَحَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِبَسْمِ اللَّهِ.
وَيَشْهَدُ لَهُ خَبَرُ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَاتِحَةُ كُلِّ كِتَابٍ " وَحِينَئِذٍ فَنُكْتَةُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ أَشْرَفُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ. [قَوْلُهُ: الْوَارِدُ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَرَدَ زَيْدٌ الْمَاءَ فَهُوَ وَارِدٌ، وَوَرَدَ زَيْدُ عَلَيْنَا وُرُودًا حَضَرَ، وَوَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ اهـ.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ شَبَّهَ وُصُولَ الْقُرْآنِ إلَيْنَا بِالْوُرُودِ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْوُرُودِ لِلْوُصُولِ، وَاشْتُقَّ مِنْ الْوُرُودِ بِمَعْنَى الْوُصُولِ، وَارِدٌ بِمَعْنَى وَاصِلٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ] أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ. [قَوْلُهُ: وَعَمَلًا] عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْكِتَابِ بِالِاقْتِدَاءِ، وَفِي جَانِبِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَمْرٌ بِالِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ، فَفِيهِ أَمْرٌ ضِمْنًا [قَوْلُهُ: بِقَوْلِ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ، فَقَوْلُهُ: كُلُّ أَمْرٍ إلَخْ مَعْمُولُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَقُولُهُ فَقَوْلُهُ كُلُّ أَمْرٍ إلَخْ بَدَلٌ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: النَّبِيُّ ﷺ] هُوَ إنْسَانٌ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَإِنْ أُمِرَ بِذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا فَالنَّبِيُّ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ.
[قَوْلُهُ: كُلُّ أَمْرٍ] أَيْ كُلُّ فَرْدٍ مَنْسُوبٍ لِلْأَمْرِ ذِي الْبَالِ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْئِيِّ لِكُلِّيِّهِ فَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ. [قَوْلُهُ: ذِي بَالٍ] أَيْ حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا فَيَخْرُجُ الْمَكْرُوهُ وَالْمُحَرَّمُ فَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ وَتَحْرُمُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَالِ الْقَلْبُ إمَّا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِشَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ قَدْ مَلَكَ قَلْبَ صَاحِبِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِهِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ شُبِّهَ بِذِي قَلْبٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ تَقُولَ: شَبَّهَ الْأَمْرَ ذُو الْبَالِ بِإِنْسَانٍ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فِي النَّفْسِ وَأُثْبِتَ لِلْمُشَبَّهِ شَيْءٌ مِنْ لَوَازِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، وَفِي ذَلِكَ الْوَصْفِ فَائِدَةٌ وَهِيَ رِعَايَةُ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ حَيْثُ لَا يُبْدَأُ بِهِ إلَّا فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَهَا بَالٌ.
[قَوْلُهُ: لَا يُبْدَأُ فِيهِ] مَعْنَى بَدَأَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ تَصَدَّرَهُ بِذِكْرِهِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي وَهُوَ الْأَوْلَى لَا ضَمِيرَ مُسْتَتِرٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى بَدَأَ الشَّيْءَ أَنْشَأَهُ بِخِلَافِ بَدَأَ بِهِ بِمَعْنَى جَعَلَهُ أَوَّلًا كَمَا قَالَهُ الْجَعْبَرِيُّ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ أَقْطَعُ] مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ فَهُوَ كَالْأَقْطَعِ وَالْأَقْطَعُ هُوَ الَّذِي قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ إحْدَاهُمَا، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ كَمَا فِي: زَيْدٌ أَسَدٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ سَعْدِ الدِّينِ وَالْمُشَابَهَةُ مِنْ حَيْثُ قِلَّةِ الْبَرَكَةِ أَوْ عَدَمِهَا.
تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِكُبْرَى قِيَاسٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى طَلَبِ الِابْتِدَاءِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ، فَنَقُولُ: هَذَا التَّأْلِيفُ أَمْرٌ ذُو بَالٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يُطْلَبُ فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ يُنْتِجُ هَذَا التَّأْلِيفُ تُطْلَبُ فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ، أَمَّا الصُّغْرَى فَظَاهِرَةٌ وَأَمَّا الْكُبْرَى فَدَلِيلُهَا هَذَا الْحَدِيثُ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ] دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الثُّبُوتَ قَبْلَ الْبَسْمَلَةِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْمُصَنِّفِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَصَلَّى اللَّهُ إلَخْ] الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، أَيْ وَأَمَّا مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَكِ فَهِيَ الدُّعَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالسَّلَامُ مَعْنَاهُ التَّحِيَّةُ وَالْإِكْرَامُ وَالسَّيِّدُ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا نَصَّ إلَخْ] عِلَّةٌ لِثَبَتَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ تَعْلِيلًا لِلثُّبُوتِ الْمَذْكُورِ بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ لِلْإِثْبَاتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُعَلَّلَ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ هُنَا الْإِثْبَاتُ، وَخُلَاصَةُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْبُدَاءَةِ بِالصَّلَاةِ يَتَحَقَّقُ بِالْكَتْبِ وَبِاللَّفْظِ وَعَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ يَكُونُ تَحَقَّقَ بِالْكَتْبِ وَلَا مَانِعَ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِ فَقَدْ تَحَقَّقَ بِاللَّفْظِ فَقَطْ، فَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ

1 / 9

النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَثَبَتَ فِي بَعْضِهَا أَيْضًا.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ) ﵁ وَأَرْضَاهُ وَهِيَ رِوَايَتُنَا وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَدَمُ ثُبُوتِهَا وَعَلَى ثُبُوتِهَا سُؤَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَالَ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ يَحْكِي بِهِ مَا وَقَعَ، وَتَأْلِيفُ الْكِتَابِ مُسْتَقْبَلٌ لَمْ يَقَعْ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَبِّرَ بِيَقُولُ. أُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا: أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ تَنْزِيلًا لَهُ
ــ
[حاشية العدوي]
إنَّ الْمُصَنِّفَ صَلَّى وَسَلَّمَ بَلْ وَتَشَهَّدَ لَفْظًا قَائِلًا إذْ حَالُهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اهـ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. [قَوْلُهُ: بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَعْضَ لَا يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تت: قِيلَ: لَمْ تَثْبُتْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهَا بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كِتَابَتِهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ إلَخْ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ] أَيْ كَالْحَمْدِ لِلَّهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ الْجَارِّ: أَيْ مِنْ أَنَّ بَيَانًا لِمَا نَصَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَا. [قَوْلُهُ: وَبَيْنَ يَدَيْ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ] أَيْ قُدَّامَ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَمِنْهُ خَاطِبٌ وَمُتَزَوِّجٌ وَمُزَوِّجٌ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْفَاكِهَانِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ بِذِي بِذِكْرِ الْبُدَاءَةِ أَوَّلًا، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَفِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِكُلِّ مُصَنِّفٍ، أَيْ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ.
تَنْبِيهٌ: زَادَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَبَيْنَ يَدَيْ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ مَا نَصُّهُ: وَيَتَأَكَّدُ الْحَثُّ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعِنْدَ ذِكْرِهِ وَعِنْدَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِ الْكِتَابِ وَفِي آخِرِ الدُّعَاءِ اهـ.
وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنَّ الْبُدَاءَةَ مُسْتَحَبَّةٌ أَيْ اسْتِحْبَابًا غَيْرَ أَكِيدٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي آخِرِ الدَّرْسِ وَفِي آخِرِ الْخُطْبَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ آخِرِ الْكِتَابِ آخِرُ الدَّرْسِ مِنْ حَيْثُ تَأْكِيدُ الِاسْتِحْبَابِ، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: وَبَيْنَ يَدَيْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ تَذْكُرْ الْعُلَمَاءُ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
قَالَ عج مَا نَصُّهُ: ثُمَّ إنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ عِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا عِنْدَهَا خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِالصَّلَاةِ أَفْضَلُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَثَبَتَ فِي بَعْضِهَا أَيْضًا] فِي تت التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي غَالِبِ النُّسَخِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْغَلَبَةِ فِي الْأَوَّلِ بَلْ قَالَ فِي الْأَوَّلِ مِثْلَ مَا قَالَ شَارِحُنَا.
[قَوْلُهُ: ﵁ إلَخْ] إمَّا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ أَوْ صِفَةُ ذَاتٍ بِمَعْنَى إرَادَةِ الْإِنْعَامِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ تَجَدُّدُهُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الدُّعَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بِمُسْتَقْبَلٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْحَالِ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ يَسْتَحِيلُ تَجَدُّدُهَا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهَا الدُّعَاءُ فَيَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَأَرْضَاهُ] أَيْ فَعَلَ بِهِ مَا يُصَيِّرُهُ رَاضِيًا وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ ﵁؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللَّهُمَّ أَنْعِمْ عَلَيْهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ حَتَّى يَرْضَى وَلَا يَلْتَفِتَ لِسِوَاهَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ رِوَايَتُنَا] أَيْ الَّتِي تَلَقَّيْنَاهَا عَنْ الْأَشْيَاخِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ [قَوْلُهُ: وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ شَارِحِنَا.
وَفِي تت التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ. ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا اطَّلَعْت عَلَى كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ فَوَجَدْته مِنْ كَلَامِهِ إلَى قَوْلِهِ: وَمَنَاقِبُهُ إلَخْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: يَحْكِي بِهِ مَا وَقَعَ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَكَيْت الشَّيْءَ أَحْكِيهِ حِكَايَةً إذَا أَتَيْت بِمِثْلِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَتَى بِهَا غَيْرُك، فَأَنْتَ كَالنَّاقِلِ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَبِّرَ بِيَقُولُ] لَمْ يَقُلْ الصَّوَابُ إشَارَةً إلَى إمْكَانِ الْجَوَابِ، فَإِنْ قُلْت: أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلٌ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ فَالْجَوَابُ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ فَقَطْ تَتَحَصَّلُ بِالْقَرِينَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
[قَوْلُهُ: بِأَجْوِبَةٍ] جَمْعُ قِلَّةٍ [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا أَنَّهُ صَوَّرَ فِي ذِهْنِهِ مَا يَقُولُهُ حَتَّى صَارَ كَالْمَوْجُودِ الْخَارِجِيِّ، أَوْ أَنَّ هَذَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ. [قَوْلُهُ: اسْتَعْمَلَ الْمَاضِيَ] أَيْ لَفْظَ الْمَاضِي،

1 / 10

مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ، لِأَنَّهُ لَمَّا وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِإِيجَادِ هَذَا التَّأْلِيفِ صَارَ كَالْمُحَقَّقِ الْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ فِي مَوَاطِنَ مِنْ الشَّرْعِ. ثَانِيهَا: لِأَيِّ شَيْءٍ زَكَّى نَفْسَهُ وَفِيهَا تَزْكِيَةٌ وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنْهَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ التَّأْلِيفِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ، وَمَنَاقِبُ الشَّيْخِ وَسِيرَتُهُ مَعْرُوفَةٌ نَقَلْنَا مِنْهَا جُمْلَةً فِي الْأَصْلِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَلَمَّا كَانَ تَأْلِيفُ هَذَا الْكِتَابِ وَالْإِقْدَارُ
ــ
[حاشية العدوي]
وَقَوْلُهُ: مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ أَيْ مَوْضِعَ الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْقَرِينَةِ، وَهُوَ لَفْظُ الْمُضَارِعِ. [قَوْلُهُ: تَنْزِيلًا لَهُ] أَيْ لِلْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى الْحَدَثِ، فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ أَوْ أَنَّ الْعِبَارَةَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لِمَدْلُولِهِ الَّذِي هُوَ الْحَدَثُ الِاسْتِقْبَالِيُّ وَهُوَ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ تَنْزِيلِهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَخْ] عِلَّةٌ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ إذْ هُوَ إنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا مُسْتَقِلًّا لِلِاسْتِعْمَالِ الْمَذْكُورِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَلِّلَ التَّنْزِيلَ بِقَوْلِهِ: لِرَغْبَتِهِ فِي حُصُولِهِ أَوْ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي تَعْلِيلِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَثِقَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: بِإِيجَادِ هَذَا التَّأْلِيفِ] أَيْ الْمُؤَلَّفِ وَأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ، وَالْأَصْلُ بِإِيجَادِهِ أَيْ إيجَادِ اللَّهِ إيَّاهُ أَوْ إيجَادِهِ هُوَ بِمَعْنَى اكْتِسَابِهِ.
[قَوْلُهُ: كَالْمُحَقَّقِ الْمَوْجُودِ إلَخْ] يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْمَوْجُودِ، تَفْسِيرًا لِلْمُحَقَّقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَيْ كَالْمَوْجُودِ بِالْفِعْلِ الْمُحَقَّقِ، أَيْ الَّذِي لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ، أَيْ وَإِذَا صَارَ كَالْمُحَقَّقِ الْمَوْجُودِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ] أَيْ الظَّنُّ الْغَالِبُ أَيْ الْقَوِيُّ بَلْ الظَّنُّ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ يُجْعَلُ كَالْيَقِينِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرْعِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ صَارَ كَالْمُحَقَّقِ. [قَوْلُهُ: فِي مَوَاطِنَ إلَخْ] أَيْ كَالْوُضُوءِ لَا كَالصَّلَاةِ، أَيْ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ وُضُوءَهُ بَاقٍ وَتَوَهَّمَ عَدَمَ بَقَائِهِ فَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، وَإِذَا ظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً فَقَطْ فَيَعْمَلُ عَلَى رَكْعَةٍ فَقَطْ، وَأَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَرْجِعُهُ عِلْمُ الْبَيَانِ لَا الشَّرْعُ، فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ] أَيْ الشَّارِعُ الَّذِي هُوَ اللَّهُ حَقِيقَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَجَازًا أَيْ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْجَابِ أَوْ الرِّيَاءِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: جَائِزٌ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ إذَا انْتَفَى قَصْدُ كُلٍّ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْإِعْجَابِ وَالِاعْتِرَافِ تَرْجِيحًا لِجَانِبٍ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ.
وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إمَّا تَحْرِيمٌ أَوْ كَرَاهَةٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ. [قَوْلُهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ إلَخْ] أَيْ بِأَنَّ التَّكْنِيَةَ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا أَوْ التَّزْكِيَةَ الْمُتَحَقِّقَةَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا وَهُوَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَعَاظَمْ بِالْعِلْمِ» . وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ عَظَّمَهُ لَا الْفَخْرَ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ الْمُجَامِعُ لِلنَّدْبِ، وَإِضَافَةُ دَرَجَةٍ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ أَيْ سَوَاءٌ أَلَّفَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ دَرَجَةَ التَّدْرِيسِ عَلَى وَجْهِهَا الْمَرَضِيِّ تَسْتَلْزِمُ دَرَجَةَ التَّأْلِيفِ وَأَنَّ مَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَالْكَرَمِ يَجُوزُ لَهُ التَّكْنِيَةُ
[قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الَّذِي كَنَّاهُ إنَّمَا هُوَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَكَتَبُوهَا كَذَلِكَ لِاسْتِحْبَابِ مُخَاطَبَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ بِهَا كَمَا فِي تت، وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ التَّكْنِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ صَدَرَتْ مِنْ الْمَشَايِخِ أَوْ مِنْ التَّلَامِذَةِ، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ يَمْنَعْ أَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ عَلَى عُمُومِهَا وَالثَّانِي بِالتَّسْلِيمِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ صُنْعِ] مِنْ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ نَاشِئًا مِنْ صُنْعِ لَا أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ. [قَوْلُهُ: وَمَنَاقِبُ الشَّيْخِ] جَمْعُ مَنْقَبَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْفِعْلِ الْكَرِيمِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: وَسِيرَتُهُ] أَيْ طَرِيقَتُهُ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْقَبَةِ لِانْفِرَادِهَا بِتَلْقِيبِهِ بِمَالِكٍ الْأَصْغَرِ مَثَلًا إذْ لَا يُقَالُ فِيهِ مَنْقَبَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَعْرُوفَةٌ] أَيْ فَلَا يَتَأَتَّى الطَّعْنُ فِيهَا. [قَوْلُهُ: نَقَلْنَا مِنْهَا جُمْلَةً إلَخْ] مِنْهَا كَثْرَةُ حِفْظِهِ. وَدِيَانَتِهِ وَكَمَالُ وَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَصَلَهُ اللَّهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: صِحَّةُ

1 / 11

عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ شُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبًا قَالَ:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» . وَلَا يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ، حَدِيثُ الْبَسْمَلَةِ الْمُتَقَدِّمِ. فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ حُمِلَ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُهُ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ، وَحَدِيثُ التَّحْمِيدِ عَلَى ابْتِدَاءِ مَا عَدَا التَّسْمِيَةَ، وَآثَرَ الِابْتِدَاءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ
ــ
[حاشية العدوي]
الْبَدَنِ وَالسَّعَةُ فِي الْعِلْمِ وَالْمَالِ، وَمَنْ قَرَأَ كِتَابَهُ هَذَا وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ بَعْضُهَا، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِخَلِيفَةِ مَالِكٍ وَبِمَالِكٍ الْأَصْغَرِ، وَكَانَ يُقَالُ فِيهِ: قُطْبُ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ صَاحِبَ فِرَاسَةٍ فَرُبَّمَا قَالَ: حَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنَّ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ كَذَا وَكَذَا سُؤَالًا فَأَيُّكُمْ صَاحِبُ سُؤَالِ كَذَا فَيَقُولُ: أَنَا فَيُجِيبُهُ. [قَوْلُهُ: فِي الْأَصْلِ] تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَخَّصَهُ مِنْ شَرْحَيْنِ الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ، فَهُمَا الْأَصْلُ ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كُلًّا مِنْهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا يُعْلَمُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِمُرَاجَعَتِهِمَا.
[قَوْلُهُ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ] أَيْ عَلَى نَقْلِنَا جُمْلَةً مِنْ مَنَاقِبِهِ؛ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ حَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ أَوْ لِشَرْحِهِ الْبَرَكَةُ، أَوْ لِكَوْنِهِ تَحْصِيلَ عِلْمٍ وَهُوَ نِعْمَةٌ فَيَنْبَغِي الْحَمْدُ عَلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ، أَوْ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى تِلْكَ الْمَنَاقِبِ وَالسِّيرَةِ فَيَكُونُ حَمْدًا عَلَى نِعْمَةٍ وَاصِلَةٍ لِلْغَيْرِ. [قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ تَأْلِيفُ هَذَا الْكِتَابِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى مُنْعَمٍ بِهِ. [قَوْلُهُ: وَالْإِقْدَارُ عَلَيْهِ] أَيْ جَعَلَ لَهُ قُدْرَةً عَلَيْهِ، وَالْجَعْلُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ بِوُجُودِ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، فَهُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ جَمْعِ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى إنْعَامٍ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنِّعَمِ مَا يَشْمَلُ الْمُنْعَمَ بِهِ، وَيَكُونُ نَاظِرًا إلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ التَّأْلِيفُ وَنَفْسُ الْإِنْعَامِ، وَيَكُونُ نَاظِرًا إلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْإِقْدَارُ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ شُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبًا] أَيْ مُتَأَكِّدًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الشُّكْرُ اللِّسَانِيُّ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
[قَوْلُهُ: أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ] أَيْ تَأَكَّدَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: كُلُّ أَمْرٍ إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَعْمُولِيَّةِ أَوْ الْبَدَلِيَّةِ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ أَجْذَمُ] أَيْ كَالرَّجُلِ الْأَجْذَمِ أَيْ الْأَقْطَعِ، كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، أَوْ مَنْ قَامَ بِهِ الْجُذَامُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَمَا قِيلَ فِي أَقْطَعَ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ يُقَالُ فِي أَجْذَمَ.
[قَوْلُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعَارَضَةَ مُفَاعَلَةٌ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثُ فَاعِلًا وَحَدِيثَ مَفْعُولًا وَالْعَكْسُ، إلَّا أَنَّ الْأَنْسَبَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ مُتَقَدِّمٌ اعْتِبَارًا فَتُسْنَدُ الْمُعَارَضَةُ لِلْمُتَأَخِّرِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ حَدِيثَ إلَخْ] أَيْ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَيْنِ إذَا كَانَ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضَ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ إعْمَالُهُمَا أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِمَا، أَوْ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: بِحَيْثُ إلَخْ] حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ أَيْ بِقَيْدٍ وَإِضَافَةِ قَيْدٍ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ. [قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ التَّحْمِيدِ] التَّحْمِيدُ مَصْدَرُ حَمَّدَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَكْثَرَ مِنْ الْحَمْدِ، وَلَيْسَ مُرَادًا فَالْأَنْسَبُ وَحَدِيثُ الْحَمْدِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْحَمْدِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى ابْتِدَاءِ مَا عَدَا التَّسْمِيَةَ] أَيْ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ خَلَا جُمْلَةَ الْبَسْمَلَةِ فَإِنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ أَيْ وَمَا عَدَا قَوْلَهُ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حُمِلَ عَلَى الِابْتِدَاءِ مَا عَدَا التَّسْمِيَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ حُمِلَ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَالْحَمْدَلَةُ عَلَى الْإِضَافِيِّ وَبَيْنَهُمَا التَّبَايُنُ عَلَى تَقْرِيرِهِ، فَإِنْ قُلْت هَلَّا عُكِسَ الْأَمْرُ بِحَمْلِ حَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَالْبَسْمَلَةِ عَلَى الْإِضَافِيِّ؟ قُلْت: إنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ صَحِيحٌ وَحَدِيثَ الْحَمْدَلَةِ حَسَنٌ كَذَا بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلِمُوَافَقَةِ كِتَابِ اللَّهِ الْوَارِدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ سَمَّى إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، فَالْمُرَادُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَكَأَنَّهَا أَيْ التَّسْمِيَةُ صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهَا فَلَا اعْتِرَاضَ.
[قَوْلُهُ: وَآثَرَ] أَيْ فَضَّلَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: آثَرْته بِالْمَدِّ فَضَّلْتُهُ اهـ. أَيْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَضَّلَهُ حَيْثُ تَلَبَّسَ بِهِ وَاتَّصَفَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: دَلَالَةً] أَيْ لِأَجْلِ الدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِهَا فَهِيَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّلَالَةَ

1 / 12