والواجب القصد، ولا عبرة باللفظ، (1) بل يكره؛ لأنه كلام لغير حاجة بعد الإقامة.
فلمنافاته الاستدامة الحكمية. ومثله ما لو تردد في القطع، أو شك فيه. هذا إذا لم يكن من خواطر النفس التي يبتلى بها الموسوسون، فإن ذلك لا عبرة به. ولا فرق في البطلان بنية القطع بين نيته في الحال، أو بعده في أثناء الصلاة.
وأما الثاني؛ فلأن إرادة أحد الضدين تنافي إرادة الآخر، وذلك يستلزم قطع الاستدامة الحكمية أيضا. ولا فرق في المنافي بين المنافي بالذات كالحدث والكلام والاستدبار، والمنافي بالعرض كالذكر رياء، فإنه بحسب الذات من أفعال الصلاة أو مكملاتها، وإنما صار منافيا بعروض قصد الرياء وحكايته قولا هنا يشعر بتوقفه فيه، وقد اختاره في باقي كتبه (1).
قوله: «والواجب القصد، ولا عبرة باللفظ». لما تقدم من أن النية عبارة عن القصد المحض (2)، فلا مدخل للفظ فيه، فيكون كالكلام الأجنبي بعد الإقامة، وهو مكروه كما ورد به النقل. (3)
وأشار بذلك إلى الرد على ما يخطر لأهل الوساوس الشيطانية والحماقة النفسانية، من توهم صعوبة استحضار النية بدون تجشم المشاق القوية وتكرار الألفاظ المعدة للنية، حتى صير الشيطان بعضهم هجنة (4) للعقلاء، بل ضحكة للأغبياء الجهلاء.
وكيف يتوهم العاقل المختار- الذي يصدر عنه في آناء الليل وأطراف النهار أفعال كثيرة، مختلفة المقاصد، متباينة الغايات والفوائد، وكلها لا يوقعها إلا بعزيمة حازمة ونية جازمة- أن القصد إلى فعل من الأفعال أو سبب من الأسباب يتوقف على هذا التكلف والاضطراب، وإنما النية أمر مركوز في جبلة العقلاء، بل كثير من المجانين الأغبياء
صفحه ۵۲۴