حصاد فلسفی
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
ژانرها
إن الإشكالية الحقيقية في علاقة الإنسان ببيئته الطبيعية هي أن نقول إن البيئة الطبيعية غير الحية يمكن أن يكون لها قيمة باطنة، وربما تقترب هذه الإشكالية من الحل عند الإقرار أو الاعتراف بأن البيئة الطبيعية الحية وغير الحية متداخلان، فكل منهما يتضمن الآخر بشكل لا مفر منه، فإذا ما اعترفنا بأن لأحدهما قيمة في ذاته ، فلا بد أن ينسحب هذا الاعتراف - بطبيعة الحال - على الآخر، فكل ما حولنا له قيمة باطنة، ينطبق هذا على الطبيعة الحية وغير الحية على السواء، ولعل هذا هو الذي جعل بول تيلور يميز بين ثلاثة أنواع من القيمة. (1) القيمة الباطنة
Intrinsic Value
وهي القيمة الإيجابية التي يضفيها البشر على حدث أو تجربة ما من حيث إمكان الاستمتاع بها في ذاتها ولذاتها. (2) القيمة الملازمة لشيء ما أو لمكان ما أو المتضمنة في طبيعة الشيء نفسه
Inherent Value ، والتي تجعلنا نعتقد أن هذا الشيء أو هذا المكان ينبغي الحفاظ عليه لا بسبب قيمته النفعية أو التجارية، بل ببساطة لأنه جميل في ذاته أو له أهمية تاريخية أو دلالة ثقافية أو حضارية. (3) الجدارة الكامنة في الشيء
Inherent Worth ، وهي التي لا تنبع فحسب من قيم يستمدها أو يضيفها عليه من يقوم بتقييمه، بل تقوم على حرية الشيء نفسه، ويكون هذا الشيء أو الكائن خيرا إذا أمكن أن يوصف بالخير بغير إحالة إلى أي شيء آخر. ومعنى هذا أن كون الشيء موجودا يعطي له الجدارة أو الخيرية، وأن أي كائن سواء كان نباتا أو حيوانا، وباعتباره فردا هو في الحقيقة يمثل غائية الحياة. وعلى هذا فإن «كل الأشخاص أو الكائنات الأخلاقية الذين لديهم وعي أخلاقي عليهم واجب أولي في تنمية الحفاظ على خيرية الشيء، وتنميتها باعتبارها خيرا في ذاته.»
27
وقد استطاع بول تيلور وفقا للتحليل السابق لأنواع القيمة أن يحسم الصراع بين ما يمكن أن نطلق عليه خير البشر، وخير ما هو غير بشري. فلكل شيء، حتى لو كان حزمة أعشاب - وفق القيمة الثالثة من التحليل السابق - جدارة كامنة فيه، ويستحق الاعتبار الأخلاقي، وكل إنسان يتخذ هذا الموقف الأخلاقي - وهو احترام الطبيعة - فإنما «يقر بمجموعة من المبادئ المعيارية، ويلزم نفسه بالتقيد بقواعد السلوك الصحيح ومستويات الخلق الطيب التي تتسق مع اتخاذ موقف الاحترام من الطبيعة.»
28
هكذا أصبح «الاحترام» هو الموقف الأخلاقي الجديد الذي ينبغي أن ينظر إليه بعين الاعتبار عندما نكون بصدد تأسيس أخلاق بيئية، وذلك بعد أن أوهمنا التقدم العلمي والتقني بأننا يمكن أن نتحكم في الطبيعة بالسيطرة عليها، مما جعل العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية تتسم لفترة طويلة من الزمن بنوع من التكبر والغطرسة من قبل الطرف الأول (الإنسان) تجاه الطرف الثاني (البيئة الطبيعية) بزعم المكانة المتميزة للنوع البشري، ولكن التطور قد أثبت - كما رأينا - عدم شرعية هيراركية (تراتبية) الموجودات. كما أن نشأة البيئة الطبيعية واستمرار وجودها وسلامة أدائها الوظيفي دون الاعتماد على البشر - كما سبقت الإشارة - يجب أن يحول موقف الإنسان منها من التكبر والغطرسة إلى التواضع والتهيب؛ لأنه في حضور الطبيعة «يجب أن تمتلئ نفوس البشر بالإجلال مع الهيبة والدهشة، الدهشة من أن ما نشاهده هو إلى حد كبير نوع من الإعجاز، والتهيب ليس فقط لأن الطبيعة معجزة، بل لأنها تملك قوة تفوقنا وعليها يعتمد وجودنا.»
29
صفحه نامشخص