990

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

ونقر فى الأرحام ما نشاء

لأن النطفة لم تبق فى الأب نطفة إلا زمانا قليلا بعد كونها نطفة، وتبقى فى رحم الأم أربعين يوما، وتبقى مستحيلة أطوارا وجنينا مدة طويلة، وهذه الرواية عن ابن عباس هى المشهورة. قال سعيد بن جبير قال لى ابن عباس رضى الله عنهما هل تزوجت؟ قلت لا، قال أما أنه كان مستودعا فى ظهرك فسيخرجه الله تعالى، وهذا قول الجمهور، قالوا مستقر فى الرحم، مستودع فى ظهور الآباء حتى يقضى الله بخروجه، قال ابن عون مشيت إلى منزل إبراهيم النخعى وهو مريض، فقالوا قد توفى فأخبرنى بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله عن مستقر ومستودع فقال مستقر فى الرحم ومستودع فى الصلب، وكان ابن عباس يقرأ فمستقر الرحم، ومستودع الصلب. وعن ابن مسعود المستقر الرحم والمستودع القبر إلى يوم يبعث، وقال الحسن المسقر ظهر الأرض فى حياته، والمستودع القبر بعد موته إلى البعث، قال الله جل وعلا

ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين

وبه قال مجاهد، وروى عن الحسن عكس هذا، وأنه كان يقول يا ابن آدم أنت مستودع فى أهلك إلى أن تلحق بأهلك يعنى القبر، وقال ابن عطية كل من الصلب والرحم والدنيا والقبر والمحشر مستودع، لأنه ينتقل من كل للآخر وكلا أيضا مستقر بالنسبة إلى ما قبله، مستودع بالنسبة لما بعده، والجنة أو النار مستقر على الإطلاق، لأنه لا انتقال منهما، وكأنه يرى الخلود فى النار كالجنة، وقيل المستقر الجنة أو النار، والمستودع القبر، وتشكل الفاء بتفسير ما يليها فى بعض هذه الأقوال بالمعنى الذى يتأخر وجوده عن معنى لفظ المستودع، لما مر من أن المتعاطفات بغير الفاء وثم بعد المعطوف بالفاء لا ترتيب بينها وبين ما عطف قبلها بالفاء، بل ترتيب بينهما بعد الفاء كله وما قبلها.

وأما لو قلت قام زيد فبكر وعمرو فالترتيب بينهما وبين زيد فقط، فكلاهما بعد زيد، وأما هما فيحتمل أن بكرا قام قبل عمرو، وأن عمرا قام قبل بكر، هذا ما ظهر لى عند التحقيق، ورأيت فى بعض الكتب غير هذا، وهو إنما يلى الفاء مقدم على ما بعدها، ولا ترتيب بين ما بعدها إذ لم يعطف بحرف مرتب لو قرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مستقر ومستودع بكسر القاف، فيكون اسم فاعل، ومستودع على هذا اسم فاعل، أى فمنكم إنسان مستقر، ومنكم إنسان مستودع، والاستقرار والاستيداع محلهما على الخلاف السابق، ولا يجوز أن يكون مستقر بفتح القاف اسم مفعول، لأنه لازم لا مفعول له ينوب عن الفاعل، ولا ظرف أو مجرور أو مصدر ينوب، اللهم إلا أن يقال الأصل مستقر به فيه، أو الهاء نائب فحذف الجار واتصل الضمير به واستتر نائبا على الحذف والإيصال، فيكون كقولك زيد ممرور به، فحينئذ يجوز أن يكونا اسمى مفعول أى منكم إنسان مستقر به، ومنكم إنسان مستودع. { قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } قال هنالك يعلمون، وهنا يفقهون، لأن العلم يقوم بما يدقق فيه النظر وما يظهر، والفقه مختص بما يخفى ويدق فيه النظر كما سمى علم الشرع فقها، لأنه بدلائل دقيقة، وأمر النجوم ظاهرا وبعضه يخفى فذكر فيه يعلمون لصلوحه لذلك، وأنشأ الناس من نفس واحدة مع كثرتهم وكثرة أحوال نشأتهم وتصرفاتها غامض فذكر فيه يقهون.

[6.99]

{ وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ } السماء السحاب، لأن كل ما كان فوقك منفصلا عنك فهو سماء كسقف وأعلى الخيمة والمظلة التى لم تلتصق برأسك، أو هى السماء الدنيا، قال الجبائى من المعتزلة يخلق الله الماء فى السماء ثم يرسله إلى السحاب، وحمل السماء على المتبادر هو المتعين عنده لعدم دليل على التأويل، وقيل المراد بالسماء جهة السماء، والله قادر أن ينزل الماء من السماء مسيرة عشرين سنة فى ساعة أو لحظة، ولكن المتبادر السحاب أو جهة السماء، وجاء أخرجنا على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم والنبات الأغصان والأوراق الخشب والأعواد، وكل شئ بمعنى كل شئ من الثمار التى خلقها الله، فنبات التمر الجذع والجريدة، ونبات الشعير ساقه وأوراقه، ونبات التين أوراقها وأعوادها ونبات القرع غصنه المنبطح على الأرض وورقه. وقيل كل شئ هو النبات أيضا لكنه أخص باعتبار أفراده، فيكون نبات أعم، وإضافته إضافة عام لخاص، لأنه بمنزلة نبات النخل وشجر العنب وشجر التين وهكذا، والمعنى أخرجنا نبات كل شئ مما اعتيد أنه ينبت سواء حملنا كل شئ على الثمار أو على الغصن والورق، ودخل فى ذلك الكمأة، وخرج ما لا يكون له نبات، والآية دليل القدرة، إذ قدر على إخراج أنواع مختلفة بماء واحد، وذلك اختلاف فى الغصن والورق كما يذكر الاختلاف فى الثمار، إذ قال

تسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل

وقيل النبات الغذاء الذى ينبت به الجسم وهو الثمار، وكل شئ هو الحيوان الذى يأكل نبات الأرض وثماره، والهاء عائدة إلى الماء. وأما الهاء فى قوله { فأخرجنا منه خضرا } فللماء أيضا أو للنبات، والخضر الشئ الأخضر، والمراد الأغصان والورق الخارجة من أبزارها ، وقيل المراد بالخضر ما حسن منظره بلا اعتبار لون الخضرة { نخرج منه حبا متراكبا } وقرأ الأعمش وابن محيصن يخرج منه حب متراكب بالبناء للمفعول، ورفع حب متراكب وعلى القراءتين الجملة نعت خضرا، وهاء منه عائدة إليه، ومعنى متراكبا، متراكبا بعضه على بعض كما ترى السنبلة والرمانة حبة على حبة، وقدم الحب على التمر لأنه قوت مألوف فى كل بلد يغنى عن التمر عاليا، وحاجة الناس إليه أكثر، والتمر كالفاكهة، وإنما يكتفى بها أهل الشدة، وربما اكتفى به أعراب الحجاز. { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } الواو عاطفة لأخرجنا محذوفا يتعلق به، من النخل ناصبا لمحذوف، والمحذوف منعوت بقوله { من طلعها قنوان } أى وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان، ومعنى إخراج النخل من النخل إخراج نخل تكون من نوع النخل، أو إخراج نخلة من أصل نخلة، أو من جذعها، فتكون هذه ذات قنوان دانية، فما حال أصلها، والمعطوف عليه أخرجنا الأول، وإن شئت فقل ذلك من العطف على معمولى عامل واحد، ويجوز أن يكون من النخل خبرا مقدما، ومن طلعها بدل بعض، وقنوان مبتدأ موجز، فتعطف الجملة الاسمية على الفعلية، ويجوز تعليق من النخل يكون خاص، أى ومخرجة من النخل، من طلعها قنوان، والطلع الكفرى، والقنوان جمع قنور وهو العذق أعنى الشماريخ مع ثمارها، وقرئ بضم القاف جمعا أيضا كذيب وذوبان، وقرئ بفتحها على أنه اسم جمع، لأن فعلان بفتح الفاء لا يكون جمعا، ودانية قريبة للتناول لقربها من الأرض لصغر النخل، فيتناول المضطجع والقاعد والقائم.

وخص ما كان هكذا بالذكر، لأن النعمة فيه أعظم، ولدلالتها على الجبار وهى التى فاتت اليد إلا بطلوع فالتقدير فى هذا دانية وغير دانية، وهو قول ابن عباس، أو قال الحسن دانية قريب بعضها من بعض، بأن تطلع قنوانا كثيرة متجاورة، وقيل متدلية، ولو كانت فى الجبار وبه قال مجاهد، وخص المتدلية والكثيرة فى القولين لعظم النعمة، ولدلالتها على غيرها كذلك، والمتدلية أشهى إلى النفس. { وجنات من أعناب } عطف على نبات خاص على عام لمزيته، ومن أعناب نعت جنات، والمراد بالأعناب شجر العنب، وقرئ بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أى ولكم جنات، أو ثم جنات، أى مع النجل أو من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على قنوان، لأن جنات الأعناب لا تكون من طلع النخل، ولعل صاحب الكشاف أراد بعطفه على قنوان عطف جملة على شبهها، هكذا، ومن النخل من طلعها قنوان ومن الكرم جنات من أعناب. { والزيتون والرمان } لم يقرأهما أحد بالرفع، بل بالنصب عطفا على نبات، سواء نصبت جنات أو رفعت، ويجوز نصبهما على الاختصاص إذا رفعت جنات، وكذا يجوز نصب الثلاثة على الاختصاص، وذلك لشرفهن، ويجوز عطف جنات على خضر ويرجح القرب، ولأن الإخراج الجنات عبد إخراج النبات، كما أن إخراج الخضر بعده، ويجوز أن يعطف الزيتون والرمان على حبا ويقويه، قيل إن الحب هو نفس ما أخرج بالأكل، وكذلك الزيتون والرمان، وليس كذلك، بل المتبادر أن يراد بهما شجر الزيتون والرمان، وإنما قدم النخلة لأنها قد تكون غذاء، وفيها من المنافع والخواص ما ليس فى غيرها، وقدم العنب لأنه أشرف الفواكه ثم الزيتون، لأنه يؤكل فى الطعام ويدهن به ويسرح به وهو مبارك. { مشتبها وغير متشابه } ردهما قتادة إلى الزيتون والرمان، أى مشتبها ورقها مختلفا ثمرها، لأن ورقهما مشتبها وحب الرمان ليس كحب الزيتون لونا ولا طعما، ولا مقدارا ولا هيئة، فمتشابها حال من الرمان، أى مشتبها بالزيتون، أو غير متشابه، ويجوز أن يكون حال من خضرا وحبا، وحبات الزيتون والرمان، وأفرد لتأويل ما ذكر أى مشتبها ما ذكر بعضه ببعض، وغير متشابه، ووجه الشبه عام أى مشتبها لونا وطعما ومقدارا وهيئة ورائحة، أو فى عدم الرائحة أو فى بعض ذلك أو فى الورق، وبعض ذلك أو فى الورق وحده، أو حال من نبات أو نعته، ومشتبها بمعنى متشابه وخولف تغليبا فى اللفظ.

صفحه نامشخص