هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ والذين كذبوا بآياتنا } ما يدل علينا من آيات القرآن، وقيل القرآن ومحمد سيدنا صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، وكلما يدل على توحيده وكل خلق يدل عليه. { صم } كالرجال الذين لا يسمعون لأنهم لما لم ينتفعوا بما سمعوا من القرآن والآيات السمعية، أو لا يستمعون إليه كانوا كمن لا يسمع، وزادوا بالعقاب، وهذا يدل على ما فسرت الآيات به من أنها آيات القرآن، لأن ذكر الصم يناسب السمع. { وبكم } كالرجال الذين لا ينطقون لخرس فيهم، لأنهم لا ينطقون فنطقهم بغيره كلا نطق لعدم الفائدة، بل عليهم العقاب، وإن شئت فقل صموا عن سماع الحق سماع قبول، وبكموا عن النطق به. { فى الظلمات } خبر ثالث، والثانى بكم بواسطة العطف، أى خابطون فى ظلمات الكفر، أو ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد، ويجوز أن يكون حالا من المستتر فى بكم، وقال أبو حيان خبر لمحذوف، أى هم فى الظلمات أو نعت لبكم أو حال من الضمير المقدر فى الخبر. { من يشإ الله } إضلاله { يضلله } باختياره لا جبرا وكسبه { ومن يشأ } توفيقه { يجعله على صراط مستقيم } باختياره وتوفيقه، وذلك عدل من الله تعالى
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
[6.40]
{ قل أرأيتكم } أخبرونى أيها الكفرة العبدة الأصنام، وذلك أن الرؤية أو العلم بالشئ سبب للإخبار الاستفهامى، والكاف حرف خطاب أكدت به التاء، والميم هى التى تتصل بالتاء فى نحو ضربتم، لكن فصلت بينهما الكاف، وليست بالتى تتصل بالكاف فى نحو ضربكم، فالفاعل التاء، والميم علامة على أن المراد بها الجماعة، والكاف تأكيد للخطاب بها والفصل بها، مما يدل على أن الفاعل فى نحو ضربتم هو التاء وحدها ولواحقها علامات على المراد إذ لا يفصل بعض الضمير ولم تؤخر الكاف لئلا يكون اللفظ على صيغة غير واردة، ولم تقدم لأن المؤكد بعد المؤكد، ولأنه بصيغة ضمير النصب وهو لا يسبق فى الاتصال ضمير الرفع، وأصل هذه التاء الضم، لأنها التى تتصل مع الميم الشبيهة بالواو التى تناسب الضم فى نحو ضربتم، ولكن لما فصلت بالكاف رجعت لأصلها الأول وهو الفتح، لأنها للخطاب، هذا ما ظهر لى فى تحقيق المقام. وظهر لى وجه آخر هو أن التاء فاعل كما فى الوجه الأول المراد به الجماعة كما فى الوجه الأول، لكن ليست الميم لها، بل للكاف كميم ذلكم، استغنى بهما إذ كان الكاف للخطاب، والميم حرف للجماعة جماعة الذكور، لعدم حرف علامة الإناث عما يلحق التاء من الميم فى نحو ضربتم، والكاف أيضا فى هذا الوجه حرف خطاب، وقال الكوفيون الكاف مفعول به، والميم له لا للتاء، ويرده أنه يقال أرأيتك زيدا ما شأنه، أو أرأيت زيدا قائما، فيلزم أن يتعدى رأى إلى مفاعيل ثلاثة بلا همزة للاستفهام، ولأنه لو كان كذلك لقيل أرأيتموكم، وقد ذكر غير هذا البحث فى سورة الأسرى أو غيرها، والهمزة بعد الراء مسهلة فى أرأيتم، أو رأيت وأرأيتم وأفرأيتم ونحو ذلك مما فيه قبل الراء همزة عند نافع، ومحذوفة عند الكسائى، ومحققة عند حمزة والباقين إلا أن حمزة يسهلها فى الوقف. { إن أتاكم عذاب الله } كما أتى غيركم ممن كان قبلكم كالغرق والمسخ، والخسف والريح والصيحة، وكالضر الذى يصيب، كغرق السفينة، وهجوم القدم والمرض، وجواب إن محذوف دل عليه أرأيتكم، وجملة أغير الله تدعون مفعول به برأيتم منعتها عن العمل، وإنما نصب أرأيتكم المفعول وهو الجملة، مع أنه بمعنى أخبرونا، لأن فيه معنى أعلمونا، وباب العلم والظن ينصب الجملة ويعلق عنها بالاستفهام مثلا أودع عنك معنى أخبرونا، وقد بمعنى أعلمتم بفتح العين بعد همزة الاستفهام، والمفعول لجملة كذلك، وقامت مقام مفعولين، أو قل مفعولاه محذوفان، أى أرأيتكم آلهتكم تنفعكم، أى هل علمتم آلهتكم تنفعكم { أو أتتكم الساعة } يوم القيامة، وإذا لم تجعل قوله عز وجل { أغير الله } الاستفهام للإنكار { تدعون } مفعولا لرأيتكم فهو مستأنف أغنى عن جواب قوله { إن كنتم صادقين } وإذا جعلناه مفعولا لرأيتكم فمجموع { أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } مغن عن جوابه، وغير مفعول لتدعون على كل حال، والمعنى إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تقربكم إلى الله أو فى إن الأصنام تنفعكم، وقيل جواب إن محذوف تقديره إن كنتم صادقين فادعوه، أى فادعوا غير الله.
[6.41]
{ بل إياه تدعون } أى بل تدعون الله وحده، فالتقديم إفادة الحصر { فيكشف } يزيل { ما تدعون إليه } أى ما تدعونه إلى كشفه من الضر { إن شاء } كشفه بأن اقتضت الحكمة كشفه، وإلا لم يكشفه، ولذلك قال إن شاء { وتنسون } تتركون عند إيتان العذاب أو الساعة { ما تشركون } ما تشركونه بالله فى الألوهية، لما ركز فى العقول من أن القادر على كشف الضر هو الله، ويجوز أن يكون النسيان بمعنى الزوال عن الحافظة، أى لا يبقى عندكم فى قلوبكم ذكر الآلهة لشدة العذاب أو الساعة وهول ذلك، وفسر الحسن النسيان هنا بمعنى الترك، كما فسرته به أولا ويجوز أن تكون ما مصدرية أى تنسون الإشراك.
[6.42]
{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } رسلا فكذبوهم { فأخذناهم } لتكذيبهم { بالبأساء } الفقر والمجاعة { والضراء } المرض والوجع والخوف والذل، ولما كان المراد بالبأساء والضراء نوعا هما من المكاره، قال القاضى هما مؤنثان لا مذكر لهما، قلت لا مانع من أن يجعل الضر والبأساء مذكرهما بمعنى هما، والأكثر على أن البأساء فى المال والضراء فى البدن { لعلهم يتضرعون } يتذللون إلينا تائبين من ذنوبهم، ومع ذلك لم يتضرعوا، وهذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
[6.43]
{ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } لولا حرف توبيخ، أى لولا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ومعلوم أن التوبيخ على شئ كان من ثبوت أو نفى، وهاهنا على انتفاء التضرع، فاستدرك على هذا الانتفاء قوله { ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } كأنه قيل ما تضرعوا ولكن صرفهم عن التضرع قساوة القلب وتزيين فإن قوله { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } يتضمن أنهم لم يتضرعوا، الشيطان لهم أعمالهم، حتى أعجبتهم فأصروا عليها وقسوة القلب غلظته عن أن يتأثر فيه الحق.
صفحه نامشخص