898

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

{ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } باشهار ما فيهما من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسالته الى الناس كافة، وما فيهما من وجوب الايمان به، والعمل بما لم ينسخ منهما، وبما فى كتابه. { وما أنزل إليهم من ربهم } من جملة الكتب، مثل كتاب أشعياء، وكتاب أرمياء، وزبور داود، والقرآن، وقيل المراد القرآن فانه نزل الى كل من أرسل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } من للابتداء، والكلام عبارة عن توسيع الرزق، كأنه قيل لأفيض عليهم الرزق من كل جهة، وجعلوا مغمورين فيه، فان هذا مما يعبر به عن توسيعه، أو من كل ما يمكن من وجوه الرزق، وليس القصد خصوص الفوق والتحت، ونفسهما. وعن ابن عباس رضى الله عنهما من فوقهم بانزال المطر، ومن تحتهم باخراج النبات، وقيل من فوقهم من الأشجار المثمرة، ومن تحتهم من الزروع المغلة، وقيل من فوقهم من الثمار المتعلقة بالشجر، ومن تحتهم من الثمار الساقطة من الشجر، وان شئت قلت من فوقهم من الشجر، لأن الثمار متعلقة بها، ومن تحتهم من الأرض سقوطها على الأرض، فهى تحت أرجلهم، والمراد فى الأقوال الثلاثة كلها كثرة الثمار، ثم أن الحيوان يأكل ورق الشجر والنبات، ويشرب فتؤكل ويؤكل منها ويشرب، فهى أيضا من السماء والأرض ومما تحت أرجلهم. { منهم أمة } جماعة. { مقتصدة } متوسطة فى الدين لا غلو ولا تفريط، كعبد الله بن سلام وأصحابه، والثمانية والأربعين من النصارى على ما مر فى محله ونحوهم ممن آمن من أهل الكتابين برسول الله صلى الله عليه وسلم كالنجاشى. { وكثير منهم سآء } بئس. { ما يعملون } من الغلو فى أمر وتفريط فى آخر، ومن غلو تارة وتفريط أخرى، كغلو النصارى فى المسيح، وتفريطهم فى جماع الحائض، وغلو اليهود فى الايمان بموسى، بحيث لا يقرون بالنبوة لغيره، فان فيهم من يقول ذلك، وتفريطهم فى عيسى المسيح، وكلهم فرطوا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل أمة متوسطة فى عداوته صلى الله عليه وسلم، وكثير مبالغون فى عداوته صلى الله عليه وسلم.

[5.67]

{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } كله ولا تخف، ولا تراقب أحدا، قالت عائشة رضى الله عنها من زعم أن محمدا نقص شيئا من الوحى لم يخبر به فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله تبارك وتعالى يقول { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } الآية، والمراد ما أمر بتبليغه، أو من شأنه لاما هو سر بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. { وإن لم تفعل } بل بلغت بعضا فقط. { فما بلغت رسالته } فما بلغت شيئا منها، فان كتمان بعض ككتمان الكل، فيضيع تبليغ البعض بكتمان البعض الآخر، لأنه ينتقض به غرض الدعوة، فتبليغ جميع ما أنزل اليه ولو كان أشياء مفعولة بأزمنة وفروضا متعددة، هو كالصلاة فى كون ترك البعض كترك الكل، بل الفرائض كلها ولو اختلفت ترك واحدة كترك الكل، فانه فرض عليه تبليغ الكل عما فرضت الركعات الأربع كلها، ومن ترك بعضا من الصلاة لم يصح أن يقال قد أدى ما صلى منها، ألا ترى أنه لا يجزيه أن يقتصر على أن يزيد عليه ما لم يصل فقط. ودلت الآية أن الكفر بحرف من كتاب من كتب الله كفر بكتب الله كلها وأنبيائه كلهم، وبعكسه قال ابن عباس ان كتمت آية واحدة لم تبلغ رسالتى، ويجوز أن يكون المعنى فكأنك لم تبلغ شيئا، وعلى كل حال فالجواب غير متحد مع الشرط، بل خالفه، وليس كقولك، فان تفعل فما فعلت، بل يجوز اتحادهما أيضا بطريق يؤدى الى عدم الاتحاد، مثل أن يراد فان لم تفعل التبليغ كله فما فعلت التبليغ كله، فيكون { فما بلغت رسالاته } تهديدا ووعيدا، كأنه قيل فقد علمت جزاء من لم يبلغ، وقرأ غير نافع وابن عامر وأبى بجر رسالته بالافراد وفتح التاء. { والله يعصمك من الناس } لا يصلون الى قتلك أو ضربك، فلا عذر لك فى الكتم والخوف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" بعثنى الله برسالاته فضقت بها ذرعا فأوحى الله تعالى الى أن لم تبلغ رسالاتى عذبتك وضمن لى العصمة فقويت "

، وعن الحسن

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا الى ربه ما يلقى من قومه فقال " يا رب ان قومى خوفونى فأعطنى من قبلك آية أعلم أنى لا مخافة على " فأوحى الله تعالى اليه أن يأتى وداى كذا وكذا فيه شجرة، فليدع غصنا منها يأتيه، فانطلق الى الوادى فدعى غصنا منها فجاء يخط الأرض حتى انتصب بين يديه، فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال له " ارجع كما جئت " فرجع فقال علمت يا رب أن لا خوف على ".

وهذا من باب ليطمئن قلبى، أو لم يعلم مما يمنع أمن الضرب أو القتل أو كليهما أو فى كم، فطلب العلامة لذلك كله، فعلم بها، وكان المهاجرون والأنصار يحرسونه مداولة بالليل، وكان فى حراسته ليلة سعد بن أبى وقاص، وحذيفة رضى الله عنهما، فنزلت الآية

" فأخرج رأسه من قبة أدم فقال " انصرفوا أيها الناس فقد عصمنى الله من الناس "

وفى لفظ آخر

" يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فان الله قد عصمنى ".

صفحه نامشخص