793

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

مع دلالة ذكر الطائفة الأولى عليهم، والطائفة هذه التى لم تصل، وكانت قد قابلت العدو للحراسة، أمرها الله أن تأتى وتصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال { ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } وجملة لم يصلوا نعت طائفة، وأمرها الله أن تأخذ حذرها وسلاحها، مع أنها فى الصلاة، كما أمر الأولى بأخذ السلاح، وذلك قوله { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ويجوز أن يكون الضمير فى { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } للطائفة الأولى التى صلت لتقابل العدو، أو للطائفتين معا، واذا أعيد للثانية التى لم تصل فأخذ الأولى حذرها وسلاحها معلوم الوجوب من المقام، لأنه مقام الكلام على العدو، ولأنه اذا وجب عليهم أخذ السلاح مع أن الصلاة ليست محل حمل سلاح، فأولى أن يجب أخذه خارج الصلاة. ومعنى أخذ الحذر الكون على الحذر، شبه الحذر بجسم يؤخذ ودل على ذلك باثبات الأخذ، وذلك من قبيل عموم المجاز المتخرج به عن استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، لأن أخذ السلاح حقيق، ولك أن تقدر أخذا وأخر السلاح حقيقة، وتجعل المذكور مجازا فى الأول، وللخائف أن يجعل بعض فكره فى غير الصلاة، كما دل عليه، وليأخذوا حذرهم مثل أن يتحقق بالاستماع الى شىء سمع أو رأى أمارته، أو يلتفت قليلا للضرورة اذا احتاج لذلك، ولا بد وذكر الحذر ثانيا، ولم يذكره أولا لأنه يظهر للمشركين أن للطائفة فى الصلاة فضل ظهور اذا سجدوا، أو لأنه اذا جاءت الطائفة المقابلة، وذهبت للقتال التى كانت تصلى، ظن المشركون اضطراب المسلمين واقعا، أو ظنوا الجائية هاربة، والله جل وعلا أمر الطائفتين أن تصلى كل واحدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة بعد أخرى، ومتى كانت احداهما فى الصلاة فالأخرى فى مقابلة العدو، ولم يبين كم تصلى كل واحدة، فقيل تصلى الأولى معه ركعة واحدة، والأخرى قابلت العدو، فاذا رفعوا رءوسهم من السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستووا قائمين مضوا للقتال، أو لمقابلة العدو، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قائم ساكت فتجىء الأخرى فتصلى معه الركعة الثانية، ويقرءون معه التحيات، فيسلم فتسلم التى معه، والتى عند العدو ويتفرغون جميعا الى العدو، وهذا مروى عن أبى موسى الأشعرى. ووجه آخر أن يصلى بالأولى ركعة فينتظرها قائما حتى تتم ركعة أخرى وحدها، وتذهب الى العدو، وتجىء المقابلة للعدو فيصلى بها ركعة أخرى، فيثبت قاعدا حتى تتم الركعة الثانية وحدها، فسلم بهما جميعا، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، كما روى صالح بن خوات عمن صلى معه صلى الله عليه وسلم ذلك بها، وهو سهل بن أبى حيثمة، وهذا أقرب وهو مختار الشافعى، لأنه قد أتى كل منهم بصلاة وهى ركعتان، وكل قرأ التحيات، والله جل وعلا قال فى كلتا الطائفتين انها صلت قال فى الأخيرة طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا، فأفاد بالمفهوم من طائفة أخرى لم يصلوا أن الأولى قد صلت، وقد أمر الآخرة بالصلاة، وفيه قلت الذهاب والمجىء كالوجه الأولى، ووجه آخر أن يصلى بالأولى ركعة، ثم تذهب للعدو وتأتى الأخرى التى قبالته، ويصلى بها ركعة، ويقف ساكتا فيتم صلاتها بركعة، وتذهب للعدو وترجع الأولى، فتؤدى ركعة بلا قراءة، وبه قال أبو حنيفة، وهو مروى عن ابن مسعود، وابن عمر، ووجه آخر أن يصلى بالأولى ركعة، والآخرى عند العدو فتذهب للعدو وتجىء التى عند العدو فيصلى بها ركعة، ثم تصلى كل منهما ركعة واحدة بعد أخرى لا بمرة لئلا يميل بهم العدو، فيسلم الامام بهم كما فعل أبو موسى بأصبهان وأجازه الشافعى.

ووجه آخر أن يصلى بالأولى ركعة فتقابل العدو، وبالأخرى ركعة فتقابل، ثم ترجع الأولى فيصلى بها ركعة، فتقابل فترجع الأخرى ويصلى به ركعة، فيسلم بهم. ووجه آخر أن يصلى بطائفة ركعتين، والأخرى تقابل، ثم بأخرى ركعتين والأولى تقابل، كما فعله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة، وجميع تلك الأوجه قد فعلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كله فى صلاة أربع ركعات، وفى صلاة ركعتين. وقيل الوجه الأخير قبل أن تقصر الصلاة، واذا كان العدو أمامهم فقد قال جابر بن عبد الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف، وذلك فى عسفان، قال بعض والعدو وبينه وبين القبلة، فصفوا كلهم خلفه، فكبر بهم جميعا، وركع بهم جميعا، ورفع بهم جميعا، فسجد الذين يلون، والآخرون قيام فسجدوا بعد أن رفع الذين يلونه رءوسهم من السجود، كذا روى الشيخ هود، وزاد مسلم ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر المتقدم، عن جابر أنه قال ثم ركعنا جميعا، ورفعنا جميعا، وسجد الذين يلونه ورفعوا، وسجد المؤخرون وهم الذين تقدموا أولا فسلم بهم جميعا. وقيل فى صلاة المغرب يصلى بالأولى ركعتين فيتأخر، وتتقدم الأخرى فيصلى بهم ركعة، ثم يسلم، ثم يتأخرون الى مقام أصحابهم ثم يجىء أصحابهم، فيصلون الركعة التى بقيت عليهم، ثم يرجعون الى مقام أصحابهم، ويتقدم الآخرون فيصلون ركعتين، ثم يسلمون. واذا اشتد القتال صلوا رجالا وركبانا، يؤمون بالركوع والسجود الى أى جهة كما أمكنهم، وقد نووا الاستقبال، هذا مذهبنا ومذهب الشافعى، وقال أبو حنيفة لا يصلون فى هذه الحالة، واذا أمنوا صلوا ما لزمهم، وقرىء وأمتعاتكم جمع الجمع، ولو تغفلون فى تأويل المصدر مفعول لود ولو مصدرية، قال ابن عباس رضى الله عنهما كان عبدالرحمن بن عوف مريضا لجرح أصيبت به رضى الله عنه، فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس اذا أخذوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، وهو كذلك، فنزل قوله تعالى { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } دل هذا على أن أخذه واجب الا حال المرض أو المطر، فلا يجب لثقل أخذها مع المطر او المرض، ولكن يجب مع المطر أو المرض أخذ الحذر كما قال عز وجل { وخذوا حذركم } مع المطر أو المرض أيضا، لئلا يهجم عليكم العدو، وعن ابن عباس رضى الله عنهما،نزلت فى النبى صلى الله عليه سلم، وذلك

" أنه غزا بنى محارب وبنى أنمار، فنزلوا ولا يرون من العد أحدا، فوضع الناس السلاح، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة حتى قطع الوادى، والسماء ترش بالمطر، فسال الوادى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربى فقال قتلنى الله ان لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف، ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الا وهو قائم على رأسه، وقد سل السيف من غمده، وقال يا محمد من يمنعك منى الآن؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعنى الله، ثم قال اللهم اكفنى غورث ابن الحارث بما شئت، فأهوى غورث بالسيف ليضرب رسول الله صلى الله عليه سلم به، فأكب لوجهه من زلجة زلجها، فوقع السيف من يده، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف، ثم قال يا غورث من يمنعك منى الآن؟ فقال لا أحد، فقال أتشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وعبده؟ فقال لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث لأنت خير منى. قال النبى صلى الله عليه وسلم أجل أنا أحق منك بذلك فرجع غورث الى أصحابه فقالوا له ويلك يا غورث ما منعك منه، فقال والله لقد هويت اليه بالسيف لأضربه، فوالله ما أدرى من زلخنى بين كتفى، فخررت لوجهى، وذكر لهم حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكن الوادى، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادى الى أصحابه، وأخبرهم الخبر، وقرأ هذه الآية { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى } الآية ".

وفى البخارى ومسلم، عن جابر بن عبد الله

" أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة فى واد كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فعلق بها سيفه، قال جابر فنمنا نومة، ثم اذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئناه، فاذا عنده أعرابى جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان هذا اخترط سيفى وأنا نائم فاستيقظت وهو فى يده صلتا فقال لى من يمنعك منى؟ قلت الله، فها هو ذا جالس " ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وفى رواية فى البخارى عن جابر بن عبد الله،

" كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فاذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبى صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من المشركين، وسيف النبى صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة، فاخترطه فقال تخافنى؟ قال لا، قال فمن يمنعك منى؟ قال الله عز وجل، فتهدده أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ".

وقال ابن اسحاق فى غزوة ذات الرقاع، حدثنى عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله

" أن رجلا من بنى محارب يقال له غورث، قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا! قالوا بلى! وكيف تقتله؟ قال أفتك به، فأقبل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجره، فقال يا محمد انظر الى سيفك هذا، وكان محلى بفضة، قال بن هشام صاحب السيرة قال نعم فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فيكتبه الله، ثم قال يا محمد أما تخافنى وفى يدى السيف؟ قال لا، يمنعنى الله منك انى لا أخافك، ثم عمد الى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرده عليه "

، قال عياض غورث بن الحارث صاحب هذه القصة، وأن النبى صلى الله عليه وسلم عفى عنه، فرجع الى قومه، وقال جئتكم من عند خير الناس، وجرى له مثل هذا يوم بدر مع منافق، وقد انفرد. قال وفى غطفان بذى أحد مع رجل أسمه دعثور بن الحارث، وأن الرجل أسلم، فلما رجع الى قومه الذين أعزوه، وكان سيدهم وأشجعهم قالوا له أينما كنت تقول، وقد أمكنك، قال انى نظرت الى رجل أبيض طويل، دفع فى صدرى، فوقعت لظهرى، وسقط السيف، فعرفت أنه ملك، فأسلمت. وفى رواية الخطابى

صفحه نامشخص