702

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل

وقيل من عاين الموت وأمر الآخرة تقبل توبته، إلا المشرك، فعن ابن عباس فى قوله تعالى { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } يريد المشركين، وعن سعيد بن جبير إنما التوبة على الله فى المؤمنين وليست التوبة فى الذين اعتقدوا الشرك وأظهروا التوحيد، ولا الذين يموتون فى المشركين نطقا ونية. { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } هيأنا لهم عذابا أليما، من الآن بعد توبة يعذبونه بعد موته، أى أعتدنا لهم ما يعذبون به، وكان أهل المدينة فى الجاهلية وأول الإسلام إذا مات الرجل منهم وله امرأة جاء ابنه من غيرها، أو قريبه العصبة كأب أو أخ ما لم يكن أباها أو ابنها أو عمها فألقى ثوبه على تلك المرأة أو على خبائه. وقال ورثت امرأته كما ورثت ماله، يفعل ذلك الأقرب، وإن تعدد مع استواء، فالسابق فيصير أحق بها من سائر الناس، ومن أوليائها ومن نفسها، فإن شاء زوجها من غير صداق، إلا الصداق الأول الذى أصدقها الميت إن أعطاها الميت كفى، وإلا أعطاها إياه من التركة، أو من ماله، وإن شاء زوجها من إنسان آخر، وأخذ صداقها الأول الذى أصدقها هذا الزوج الأخير، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عطلها إذا لم يحب تزوجها لكونها عجوزا أو ذميمة، وكره فراقها لما لها، وأساء عشرتها ومنعها من الأزواج حتى تفتدى منه بما ورثت من الميت، إن ورثت أو بغيره أو حتى تموت فيرثها، وإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقى عليه ثوبه، فهى أحق بنفسها فكانوا على هذا حتى توفى أبو قيس بن الأسلت الأنصارى، وترك امرأته كبيشه بنت معز الأنصارية، مقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقيل يقال له قيس بن أبى قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها لا ينفق عليها لتفتدى منه،

" فأتت كبيشة رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا قيس ورثنى ابنه، فلا هو ينفق على، ولا هو يدخل بى ولا يخلى سبيلى. فقال " اقعدى فى بيتك حتى يأتى أمر الله فيك " فأنزل الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } ".

[4.19]

{ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم، فتتزوجوا بهن أو تزوجوهن بحسب ما أردتم ولو كارهات، كما ورثتم مال أزواجهن، وقيل المعنى لا يحل لكم تزوجهن كارهات، كان الرجل إذا مات قريبه الذى هو عصبته تزوج امرأته، ولو كرهت. وقيل أن ترثوا مالهن بأن يمسكوهن، لا يتزوجون بهن، ولا يزوجوهن حتى يفتدين بما ورثنن و { كرها } مفعول مطلق، أى إرث كره أو حال من النساء، أى كارهات، أو ذوات كره، ويضعف أن يكون اسم مصدر كره، فهو بمعنى إكراه، فحينئذ يكون بمعنى اسم مفعولا، كره حالا من النساء، أى مكرهات، أو بمعنى اسم فاعل أكره حالا من واو { ترثوا } أى مكرهين. وقرأ حمزة والكسائى كرها بضم الكاف فى جميع القرآن، والمعنى واحد، وهو نفار القلب عن الشىء، وقيل بالضم المشقة، وبالفتح ما يكره عليه، وليس كذلك. { ولا تعضلوهن } لا تعضلوهن عن الزواج، ولا صلة لتأكيد النفى السابق، وليست ناهية، والفعل منصوب بحذف النون، لا مجزوم، والعطف على { ترثوا } أى لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها وتعضلوهن. زعم بعض أن الخطاب لأقارب الزوج الذى يرمى أحدهم ثوبه على امرأته، فيرث ماله وأمر زوجته فيعطلها حتى يرث مالها، أو تفتدى كما مر، كما قال { لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن } أى ببعض ما آتاهن، أمثالكم من جنبكم، وهم الأزواج الأقربون إليكم قبلكم، الذين ماتوا، وذلك أنه يعضلها حتى تفتدى ببعض ما أعطاها الزوج الأول، وإن أعطته كل ما أعطاها الأول أخذه، ويرد ذلك الزعم قوله تعالى { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } لأنها إذا أتت بفاحشة مبينة، ليس يسوغ له أن يعضلها ليذهب ببعض ما أصدقها الأول، ولا أن يرثها كرها، وكذا يرده ما بعد إلى غليظا، إلا أن يدعى أن قوله { وعاشروهن.. } إلخ راجع معنى إلى قوله { وآتوا النساء صدقاتهن } أو إلى الأزواج هكذا عموما أزواجهن التى لم يطلقوهن ولم يموتوا عنهن، فالحق فى تعضلوا جواز أن يكون منصوب بأن على حد ما مر، وأن يكون مجزوما على أن { لا } ناهية، والحق أن الخطاب إما للأزواج الأحياء الذين يعطلون أزواجهن حتى يمتن فيرثوهن، أو يفتدين منهم ببعض ما أصدقوا لهن، ولا سيما بكله، فإنه أشد نهيا يكونون معهن بإساءة العشرة، وترك جماعهن كراهة عنهم لصحبتهن، وضيقا بمهرهن فلا هن واصلات حقوقهن، ولا هن مطلقات يتزوجن غيرهم، كما قاله ابن عباس، وأما لأزواجهن المطلقين لهن يطلقوهن لم يراجعونهن ثم يطلقونهن مضارة لهن، كما هو قول بعض، والقولان مناسبان لقوله { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ، وقوله { وعاشروهن بالمعروف } إلى قوله { ميثاقا غليظا }.

وقول ابن عباس أنسب فهو المعتمد فى تفسير الآية لأن القول بعده يكون المعنى عليه أمسكوهن على معروف وإن طلقتم وراجعتم فأمسكوهن بلا قصد إضرار، وإن أردتم الزوج الأخرى وطلاق هذه فليعط الزوج صداقها بلا نقص، والقولان مناسبان لقوله { ما آتيتموهن } وأما على القول بأن الخطاب لأولياء الزوج المتوفى فل يناسب إلا بتكلف التاويل، بأن المعنى ما أتى جنسكم وهم الأزواج لقرابة الموتى - كما مر - والفاحشة المبينة النشوز وسوء المعاشرة، والزنى وعدم التعفف ونحو ذلك كمضرة أقاربه، وكإيذاء باللسان. وقال الحسن الفاحشة الزنى. وعن ابن عباس البغض والنشوز فإن كان بعض ذلك فله أن يمسكها، ولا حق لها لتضيعها حقه حتى يرثها، أو تفتدى منه. قال أبو قلابة إذا زنت امرأة الرجل جاز أن يشق عليها حتى تفتدى منه، وكذلك يضعف القول بأن الخطاب لأولياء المرأة، وأن { يأتين } تعليل والاستثناء مفرغ، أى ولا تعضلوهن الا لأن يأتين أو ظرف، أى إلا إتيانهن إلى إلا وقت إتيانهن، أو الاستثناء منقطع منظور فيه إلى قوله قوله { لتذهبوا } أى لن إن أتين بفاحشة فلكم العضل، والمرأة إذا زنت عمدا غير مكرهة أبطلت صداقها ولا يرجع إليها، ولو تابت على الصحيح ولا بينة لزوجها فقد يكون بطلب الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء المثناة تحت هنا فى الأحزاب والطلاق، ومعنى مبينة بالكسر عظيمة الظهور، أو بالفتح لم تخف بل أظهرت أوأقيمت بالبينة عليها، قال الشيخ هود رحمه الله، قال الحسن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أى الزنى إلا أن تقوم عليها البينة، وهن منسوخة، انتهى. يعنى أنه كانت المرأة إذا زنت أخذ منها زوجها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ الله ذلك بالحدود. { وعاشروهن بالمعروف } الإنصاف فى المبيت معها، والنفقة والقول الجميل، والفعل الجميل، وقيل أن تصنع لها كما تحب أن تصنع لك. { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } هذا إغراء بإمساك المرأة ما لم تتبين منها فاحشة ونحوها من سوء الخلق الذى لا يحمل مثله ما ورد فى الحديث،

" أبغض الحلال عند الله الطلاق "

والمعنى لا تطلقون لكراهتكم لهن، فلعل صلاحكم الدينى والأخروى أو الدنيوى، أو كل ذلك فيهن، ومضرتكم فى فراقهن كما يشاهد الإنسان أنه كثيرا ما يحب ما هو شر له، ويكره ما هو خير له، وليكن نظركم إلى صلاح الذين وأدنى إلى الخير، فأمسكوهن بمعروف، ولو كرهتموهن فيكون لكم الثناء فى الدنيا والثواب رلجزيل فى العقبى بإخلاص ذلك لله تعالى، وعن ابن عباس والسدى الخير الكثير المستعمل فى مطلق الشىء مثله فى خصوص المرأة وهو الولد الصالح، وقيل الآية تسلية للنساء المطلقات، أى فإن كرهتمون وتطلقتموهن فليرضين لقضاء الله، ولا يشتد عليهن ذلك، لأنه ربما كان ذلك الطلاق خيرا لهن ولو كرهته، مثل أن تستريح فمن كرهها وتتزوج خيرا منه.

[4.20]

{ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا } أى سميتم لإحداهن قنطارا، فإيتاؤه إثباته، وصلها أو لم يصلها، وذلك من عموم المجاز، فإن الإثبات واقع فى وصوله وعدم وصوله. { فلا تأخذوا منه شيئا } أى إن أردتم تزوج امرأة بدل المرأة التى عندكم، وقد أتيتم إحداهن وهى التى عندكم قنطارا فطلقوها بدون أن تأخذوا من القنطار الذى أعطيتموه شيئا، ولو قليلا، إلا أن ردت وحدها شيئا بطيب أو طلبت فسامحت بشىء طيبا سواء كان أخذ الشىء قهرا أو سرقة أو خيانة فى الحساب أو إنكار له، وسواء وصلها الصداق أو لم يصلها، فأمسك منه كذلك ودخل فى ذلك ما إذا نشر عنها أو ساء إليها حتى أعطته، و " الزوج " امرأة الرجل لأنها فى الفصيح بلا تاء، وأما الزوجة بالتاء فغير فصيح، لكنه وارد، والمراد بالزوج الجنس بدليل الجمع فى أردتم لأن جماعة الرجال يشتركون فى امرأة وكذا الاثنان وبدليل جمعهن فى قوله { إحداهن }. والقنطار المال الكثير أو ألف أو مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفا من الفضة، ومن الخلاف فى ذلك. والمراد التمثيل، لما فوق القنطار ولما تحته مع أن ما تحته مفهوم بالأولى، فإن المنع من الأخذ من القليل أشد. قال العلماء دلت الآية على جواز المغالاة فى المهور، ورى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه قام خطيبا على المنبر فقال إلا لا تغالوا فى مهور نسائكم، فلو كانت مكرمة فى الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتى عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة، فقالت له يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا، والله يقول { وآتيتم إحداهن قنطارا }؟ فقال عمر كل الناس أفقه منك يا عمر حتى النساء، ورجع عن ذلك. وروى أنه قال امرأة أصابت وأمير رجل أخطأ، ثم قال لأصحابه تسمعوننى أقول مثل هذا فلا تنكرونه على حتى ترد على امرأة ليست من أعلم النساء ، ويجاب من جانب عمر رضى الله عنه بأن ذكر القنطار لا يوجب جوازه لأن جعل الشىء شرطا لا بدل على جوازه كما قال الله جل وعلا

صفحه نامشخص