هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
" من أصدق امرأة صداقا وهو مجمع على أن لا يوافيها إياه ثم مات ولم يعطها إياه، لقى الله عز وجل زانيا "
وقيل الآية نهى عن نكاح الشغار، أى اثبتوا للنساء صدقات، ولا يزوج أحدكم وليته لآخر بلا صداق على أن يزوج له الآخر وليته بلا صداق، فإنه إذا لم يف عنهما الصداق لم يؤتهما وإذا عقد لهما أو ثبتاه.
{ فإن طبن لكم } فإن طابت النساء المتزوجات لكم يا معشر الأزواج. { عن شىء منه } أى من الصداق المدلول عليه، بقوله صدقاتهن فى حوز عود الضمير للصدقات، فتأويل المذكور وعوده على الإيتاء المدلول عليه بآتوا، والمراد جنس الصداق ولأن كل واحدة بصداقها، ومن للبيان، أى عن شىء هو الصداق كله فيفهم منه بالأولى أنه يسوغ أن تهب بعضه أيضا كما يسوغ أن تهبه كله، ويصح للزوج، ويجوز أن تكون للتبعيض، فيفهم بالمساواة أنه يصح أن تهبه كله للزوج فيصح له، لأنه شرط طيب النفس، ومعلوم أنه مع طيبها يصح له. { نفسا } تمييز محول عن الفاعل، لأن المراد بيان الجنس. { فكلوه } أى تصرفوا فيه بالإنفاق فى مصالحكم، استعمل لفظ الخصوص فىالعموم. { هنيئا } غير مكدر بعقاب فى الدنيا ولا فى الآخرة ولا رد. { مريئا } شبيها بالطعام اللائق بالمعدة والقلب فى مطلق الحسن والقبول ويجوز أن يكونا بمعنى أولها أو ثانيهما تأكيدا، وقيل هنيئا طيبا مساغا لا يكدره شىء كما تكدر اللقمة بالغص، ومريئا محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم فى الآخرة، وقيل الهنىء ما يلذه الإنسان، والمرىء ما تحمد عاقبته نزلت الآية ردا على من كره هبة المرأة صداقها أو بعضه لزوجها، أو تخرج عن هبتها، فإذا وهبته بطيب نفس لزوجها صح له، ولو طلبت منه رده بعد ذلك، لم يكن لها به، وكذا ما وهبت له من مالها، ولو غير صداق وإن تبين أنه لم تطب، ثم طلبته رده إليها، وحكم عليه بالرد، وكذا لو وهبت له على شرط، ولم يف لها به مثل أن تهب له على أن لا يطلقها، صرحت أو علم ذلك بإمارة، أو تهب له لأنه يهددها، أو يسىء عشرتها، فإنه يرده إليها. قال ابن عباس رضى الله عنهما
" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن هذه الآية فقال " إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم به فى الآخرة "
. وعن عمر بن عبد العزيز أيما امرأة تصدقت على زوجها بطيب نفسها، فهو جائز، قال يقول ما طابت به نفسها فى غير كره أو هوان، فقد أجل الله له ذلك. واختلف فيما إذا وهبت لزوجها، ولم تتبين إمارة الطيب ولا إمارة غيره، أو شىء مما يوجب الرد، فقيل تحمل على الطيب، فلا يرد إليها. وقيل على غيره فيرد إليها. روى أن عمرا رضى الله عنه كتب إلى عماله أن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك. وروى أن رجلا من آل أبى معيط أعطته امرأة ألف دينار صداقا كان لها عليه فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك ابن مروان، فقال الرجل أعطتى طيبة بها نفسها.
فقال عبد الملك فاين الآية التى بعدها فلا تأخذوا منه شيئا؟ اردده عليها. وروى عن الشعبى أتى مع امرأته شريحا فى عطية أعطتها إياه، وهى تطلب أن ترجع، فقال شريح رد عليها. فقال الرجل ألم يقل الله تعالى { فإن طبن لكم عن شىء منه } فقال لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه قبلها وهبت ولا أقبله، لأنهن يخدعن. و { هنيئا مريئا } حالان من هاء كلوه، العائد إلى الشىء أو مفعولان مطلقان نعتان لمصدر محذوف، أى فكلوه أكلا هنيئا مريئا، وإسناد الهناءة والمراءة إلى الأكل بإسكان الكاف مجاز عقلى لأن حقيقتها للمأكول، أو مفعولان مطلقان، بمعنى المصدر على حذف مضاف، أى أكل هناءة ومراءة وناصبهما كلوه، أعنى فعل الأمر أو مفعولان مطلقان على طريق العرب، فى الدعاء لأن الله لا يوصف بالدعاء على التضرع كسقيا، كأنه قيل هناءة ومراءة ففاعلهما محذوف من لفظهما، أو مفعولان مطلقان، كذلك لكن على تقدير القول، والقول حال من واو كلوه، أى مفعولا لكم هناءة ومراءة.
[4.5]
{ ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التى جعل الله لكم قياما } السفهاء اليتامى الأطفال ومن كان يتيما ثم بلغ، ولما يؤنس رشده، والنساء اللاتى لا يحفظن المال، والرجال الذين يضيعون أموالهم، والسفه فى ذلك قلة العقل مع تضييع المال، ومن تضيعه صرفه فى المعاصى وصارفه فيها لا عقل كسبى له، وإيتائه تمكينهم منه بأن يجعل فى أيدهم ولم يك فيها قبل، أو كان فيها فيترك فيها، وذلك على طريق عموم المجاز، نهوا عن ذلك كله، والخطاب لأولياء هؤلاء، والمال لهؤلاء لا للأولياء، وإنما أضيف للأولياء المخاطبين، لأنه بأيديهم يتصرفون فيه، وأموال هؤلاء ولو لم تكن قياما لأوليائهم لكن سماها الله فيما لهم لأنها من جنس ما يكون فيما لهم " وحكمة هذه التسمية التنبيه على أنه كما تحافظون على ما يكون قيما لكم من أموالكم، حافظوا على أموال هؤلاء ليكون لهم قيما، والقيم بمعنى القيام، من قام يقوم عند الكسائى، أو مخفف من القيام، لحذف ألفه عند غيره، أى جعلها الله يقومون بها، ويعيشون بها، ويدل له قراءة غير نافع قياما، وذلك كعوذ فى عياذ، وسمى ما به القيام قيما او قياما مبالغة فى التعمد عليه فى المعاش، حتى كان نفس القيام. وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص أيضا قواما وهو ما يقوم به أو مصدر قاوم كلاو ذلواذا على المبالغة، وقيل القيم جمع قيمة لأن الأموال تجعل قيمة بعضها البعض، وأجرة والأجرة قيمة فى المعنى وهذا على أن المال كله يكون ثمنا مثمنا، وما ذكرت فى تفسير السفهاء، وأصحاب الأموال وهو ما عندى. وقال سعيد بن جبير السفهاء اليتامى ورجح لأن الكلام قبل وبعد فيه لهم من الأولياء بحفظها حتى يؤنسوا. وقيل السفهاء النساء، والأولاد، والمال للمخاطبين، وقاله الكلبى، وأبو موسى الأشعرى وابن عباس والحسن نهانا الله أن نجعل أموالنا فى أيدى عيالنا، من نسائنا وأولادنا، يضيعونه ويسوفون، ولو كانوا بلغا، فيصيرون بهم المنفقين لنا، فلا نجد فيها من أمر الآخرة أو الدنيا إلا ما رضوا به ولا نفعل بأمر الخير إلا اطلعوا عليه، والمرء ينبغى له إلا يطلعهم على كمية ماله لئلا يكونوا لا يرضيهم إلا كثير، أو يكونوا مستحقرين له، فكيف يجعله بأيديهم، فيكونوا كالسائل لهم، وذلك تفسير للإيتاء، بالإيصال للأموال بأيديهم، وإن فسر بالتمليك والإعطاء فأولى بالنهى بينهما هو غنى مسئول، إذا صار فقيرا سائلا، وفسره بعض النساء والأولاد الصغار، واعترض بعضهم التعبير بالنساء والأولاد بوجهيه أن النهى للتحريم، وقد أجمعوا أنه لا يحرم أن يهب لهم ماله، وفيه أن هذا فى هبة البعض وأما الكل فلا إجماع فيه، وبقوله تعالى { وقولوا لهم قولا معروفا } فإنه أنسب باليتيم لأن ولدك قد طبعك الله على أن تلين له، ورجح يكون المال لمن أضيف إليه حقيقة، وقيل السفهاء النساء، ويضعفه ضمير التذكير، والجمع فى قوله { وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } { فى } بمعنى من الابتدائية، أى ارزقوهم منها، أى اجروا عليهم نفقتهم منها، أو للظرفية، أى اثبتوا لهم فيها نفقتهم، فلهم فيها حق سواء بإبقائها أو بالتجر فيها، لتحظوا منها ما يكون فيها نفقة، لئلا تفنى بالإنفاق، فالمال لما كان ظرفا لربحه، كان ظرفا لرزق الأيتام، وأخر الكسوة لأن قيام البينة بالأكل.
والقول المعروف الدعاء لهم بما يجوز من أمر الدنيا والآخرة بحسب المدعو له، ويطيب قلوبهم، أو الوعد لهم بأن يقول لمن المال له إذا رشدت أعطيتكه، والآن أعطيتك ما تحتاج إليه، ويقول لعياله إنى أنفقكم وأحفظ لكم وإذا ربحت أو غنمت فى غزوتى ردت لكم. وقيل القول المعروف تعليم أمر الدين لهم، وهو قول الزجاج، وقيل أن يعلم اليتيم أمر دينه وما يصلح له من دنياه، كحفظ المال، والتوسط فى النفقة، ويقول إن المال مالك وإنى خازن لك، وإذا أحسنت القيام له أعطيته لك.
[4.6]
صفحه نامشخص