653

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

" قال مسروق سألنا عبد الله بن عمرو بن العاص عن هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون }. فقال أما أنا فقد سألت عن ذلك، النبى صلى الله عليه وسلم فقال " أرواحهم فى أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح فى الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل فأطلع عليهم ربهم إطلاعه، فقال هل تشتهون شيئا؟ قالوا أى شىء نشتهى ونحن نسرح فى الجنة فيما شئنا، ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا أن يسألوا، قالوا يا ربنا تردنا فى أجسادنا حتى نقتل فى سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا ".

وذكر هذا الحديث أيضا ابن مسعود الأنصارى، والذى فى صحيح مسلم أن مسروقا سأل عبد الله بن مسعود فأجابه بما مر آنفا، ولعله سأله وسأل عمرو. قال بعض المفسرين أرواح الشهداء أحياء تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة، وخرج أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حرب صاحب ابن مبارك، فى رقائقه بسنده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن الشهداء فى قباب من حرير فى رياض خضر عندهم حوت وثور، يظل الحوت يسبح فى أنهار الجنة يأكل من كل رائحة فى أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه، فيأكلون لحمه، يجدون فى لحمه طعم كل رائحة، ويبيت الثور فى فناء الجنة، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه، فيأكلون لحمه فيجدون فى لحمه طعم كل رائحة، ثم يعودون وينظرون إلى منازلهم من الجنة، ويدعون الله عز وجل أن تقوم الساعة، وعن عبد الله بن عمر

" مر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين انصرف من أحد على مصعب بن عمر، وهو مقتول، فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فوالذى نفسى بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه ".

واعلم أن فى بعض الروايات أرواح الشهداء فى أجواف طير خضر، وفى بعضها فى حواصل طير خضر، وفى بعضها أنها تكون طيرا خضرا، فيجمع بين ذلك بأن بعضا فى أجواف طير، وبعضا فى حواصلها، أو يراد بالجوف الحوصلة، وبعضا يصورها الله طيرا، وكذا ورد فى بعض الشهداء أن روحها تكون خارج الجنة، عن كعب بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه فلفظه يعم كل مؤمن "

، وقد قيل بذلك والمشهور أن ذلك فى روح الشهيد ولفظه صريح فى أن النسمة هى الروح، تكون طائرا لافيه، وتعلق بضم اللام تأكل، وبفتحها تسرح، وهو والأكثر فى الرواية، قال ابن العربى لا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلا الشهيد فى سبيل الله بإجماع من الأمة، وفى دعوى الإجماع نظر، إذ قيل بتأويل قوله { أحياء } كما يأتى إن شاء الله، وقد قيل بالتعجيل لروح المؤمن مطلقا بالأكل. قيل فى روح غير الشهداء إنما يملىء عليها قبره خضرا، ويفسح له فيه، فى أرواح غير الشهداء تارة تكون فى الأرض، على أفنية القبور، وتارة فى السماء لا فى الجنة، وقد قيل تزور قبورها كل جمعة على الدوام، ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ويكره السبت فيما ذكر العلماء، فقد يأتى الإنسان قبر آخر وفيه روحه، وقد يأتيه وليس فيه روحه.

قال صلى الله عليه وسلم

" ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه فى الدنيا وروحه فى قبره فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام "

أى والحال أن روحه فى قبره احتراز عما إذا لم تكن فيه. وعنه صلى الله عليه وسلم

" والذى نفسى بيده لو أن رجلا قتل فى سبيل ثم أحيى ثم قتل ثم أحيى ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه "

صفحه نامشخص