هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
لأنهما بالاحتيال والخفاء.
[3.99]
{ قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن } كرر النداء، والاستفهام، مبالغة فى التعنيف، وقطع العذر، وإشعارا بأن الكفر بآيات الله وحده، أو الصد عن سبيل الله، لمن آمن وحده، مستقبح فى نفسه، جالب للعذاب وحده، وسبيل الله دينه الحق المأمور بالكون فيه، وهو الإسلام. ومعنى الصد عن سبيل الله أنهم كانوا لا يألون جهدا فى صرف المؤمنين عن الإيمان، جملة وأفرادا. ومن ذلك ما رواه زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله أن شاس بن قيس اليهودى وكان عظيم الكفر والطعن فى الدين والحسد مر على نفر من الأنصار فى مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألف الأوس والخزرج بعد ما بينهم من العداوة، وقال ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابا من اليهود أن يجلس إليهم، ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم من أيامهم وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار، وكن فيه الدائرة على الخزرج، ففعل الشاب فتنازع الأوس والخزرج، وتفاخروا وتواثبوا على الركب، أوس بن قبطى أحد بنى حارثة من الأوس، وحيار بن صخر، أحد بنى سلمة من الخزرج، وتقاولا وقالا إن شئتم رددناها الآن خدعة، وغضب الفريقان حتى قالوا السلاح السلاح موعدكم الحرة، فانضموا إليها كل فى جهة، فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار الذين لم يدخلوا فى التفاخر المذكور، فقال " أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم "؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وألقوا السلاح وتعانقوا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر
فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم
{ تبغونها عوجا } أى تبغون للسبيل عوجا، فمصير النصب للسبيل لأن السبيل يذكر ويؤنث، وهو فى محل نصب على حذف اللام، وعوجا مفعول لتبغون، والجملة حال من واو تصدون، أو من السبيل، أو مستأنفة والعوج الانحراف وذلك أنهم منعوا النسخ وغيروا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعلوا ما أشبه ذلك من الكفران، فيوهمون الناس، أن ذلك حق مع أنه باطل، وعوج، فيكونون قد نسبوا لسبيل الله ما هو نفسه عوج، أو ذلك أنهم ذكروا للأوس والخزرج ما يثير الفتنة بينهم. { وأنتم شهدآء } أن دين الحق هو سبيل الله، الذى عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أن الصد عنه ضلال وإضلال، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم، رسول الله بنعته وصفته، وفى التوراة ذلك كله، أو معنى شهادتهم بذلك قراءتهم إياه فى التوراة، فهم يتلونه بألسنتهم كما ينطق الشاهد بما شهد به، أو يقرون به، فيما بينهم أو معناها علمهم فإن العلم سبب الشهادة، أو معنى شهادتهم حضورهم لمعجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنتم فى أهل ملتكم أهل، لأن تكونوا شهداء لعدالتكم عندهم، وثقتهم بكم، يستشهدونكم فى القضايا، وكلما أرادوا التوثق فيه وأنتم شهداء على أنفسكم أنكم تبغونها عوجا، والجملة حال من واو تبغونها. { وما الله بغافل عما تعملون } من الكفر والصد وابتغاء العوج وغير ذلك فهو يجازيكم عليه، فهذا وعيد لهم.
[3.100]
{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } هم الفريق الذى حرش بين الأوس والخزرج، ومن معه،أو من لم يؤمن من أهل الكتاب، أى إن تطيعوهم فى الصد وابتغاء العوج والكفر أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطب أهل الكتاب، إذ قال قل يا أهل الكتاب لم تكفرون؟ وقال قل يا أهل الكتاب لم تصدون؟ وخاطب الله المؤمنين بنفسه فى قوله { يا أيها الذين آمنوا } إلى قوله { وفيكم رسوله } إظهارا لشرفهم على أهل الكتاب، وأنهم أهل لأن يكلمهم الله عز وجل. { يردوكم بعد إيمانكم كافرين } مشركين بإنكار ما يجب الإيمان به، أو منافقين بمجرد فعل الكبائر، كالقتال على الباطل، والتكلم بموجب الفتن، ويرد بمعنى يصير، له مفعولان أحدهما الكاف والآخر كافرين.
[3.101]
{ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } أى استفهام تعجيب من كفرهم، والحال أن فى آيات الله تتلى عليهم، حالا بعد حال، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، يزيل شبه الكفر، ويقرر حجج الحق، فإن الكفر مع ذلك مما يتعجب به، وينكروا معه اعتذار المعتذر وذلك علمان بينان أحدهما باق إلى قيام الساعة، وهو القرآن، أعنى إلى قرب قيامها جدا، والآخر منقطع وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال زيد بن أرقم قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوما خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتى رسول ربى، فأجيبه، وإنى تارك فيكم ثقلين أولها كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتى أكرمكم الله فى أهل بيتى. { ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم } أى ومن يمتنع عن المعاصى والمضار الدنيوية والأخروية، باتباع دين الله، أو يلتجىء إلى الله فى أموره فقد هدى إلى صراط مستقيم، أى فذلك هداية من الله له متحققة، والصراط المستقيم الدين الموصل إلى الجنة ورضى الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوما
" " أى الخلق أعجب إيمانا؟ " قالوا الملائكة فى السماء، فما لهم لا يؤمنون أى الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا النبيون. قال النبيون ينزل عليهم الوحى، فما لهم لا يؤمنون أى الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا أصحابك، قال أصحابى يروننى ويسمعون كلامى، فما لهم لا يؤمنون أعجب الخلق إيمانا قوم يأتون من بعدكم، يجدون كتابا فى رق فيؤمنون به ".
صفحه نامشخص