1481

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

•
مناطق
الجزایر

" من كانت هجرته لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها وامرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "

{ ولأجر الآخرة أكبر } مما يعطى الإنسان فى الدنيا من أمورها وهو الجنة وإما ما يعطاه من أمر الدين فهو أفضل من الجنة { لو كانوا يعلمون } الضميران للمشركين وجواب لو محذوف أى لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدنيا والآخرة لوافقوهم ولو كانوا يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما هم فيه من نعيم الدنيا لآمنوا والضمير أن للذين تخلفوا عن الهجرة أى لو علموا أن للمهاجرين أجر الدارين لهاجروا أو الضميران للمهاجرين أى لو علموا ذلك الأجر المعد لهم فى الآخرة لزادوا جدا واجتهادا أو صبرا على أذى المشركين.

[16.42]

{ الذين } أى هم الذين أو أعنى الذين { صبروا } على أذى المشركين فلم يفتنهم عن دين الله سبحانه وعلى مفارقة الوطن فى الله والمكاره والمصائب والطاعات وعن الشهوات واللذات والمعاصى { وعلى ربهم } لا غيره { يتوكلون } ينقطعون إليه ويفوضون الأمر إليه كله فهو كافيهم ورازقهم من حيث لا يحتسبون قيل الصبر مبتدأ السلوك إلى الله تعالى والانقطاع إليه عن الخلق منتهاه والله أعلم قالت قريش الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا بل يكون ملكا فنزل { وما أرسلنا من قبلك }.

[16.43-44]

{ وما أرسلنا من قبلك } إلى الأمم { إلا رجالا نوحى إليهم } على الألسن الملائكة وهكذا عادته لم يرسل ملكا للدعوة العامة، وأما قوله تعالى جاعل الملائكة رسلا فمعناه رسلا إلى الملائكة والأنبياء وإلى ما أراد وقيل لم يرسل ملكا على صورة للدعوة العامة ولا الخاصة وإنما بعثهم لدعوة الخاصة إلى الأنبياء على صورة الرجل، ورد بأنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته مرتين وأجيب بأنه رآه عليها فى حال لم يرسل إليه بشىء وفيه نظروا إليه نائب فاعل يوحى والآية دلت على أن الله سبحانه لم يرسل امرأة { فاسألوا أهل الذكر } علماء التوراة والإنجيل، كان كفار مكة يعتقدون أن أهل الكتاب أهل علم وكانوا يسألونهم ويستندون إليهم فلذلك أمره الله أن يسائلوهم فيطمئنوا بقولهم إذا أخبروهم أن الرسل رجال كموسى وعيسى أو أهل الذكر علماء الأخبار بالخاء المعجمة والفاء للاستئناف والجملة بعدها دليل على جواب الشرط فى قوله { إن كنتم لا تعلمون } وهذا على طريق التبكيت والإلزام كقولك إن كنت عملت لك فأعطينى أجرتى أن علق قوله { بالبينات والزبر } بقوله لا تعلمون ويجوز تعليقه بمحذوف جواب لسؤال مقدر كأنه قيل بم أرسلوا فقيل أرسلناهم بالبينات والزبر، ويجوز أن يتعلق بأرسلنا المذكور والأصل وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا فأخر كقولك ما ضربت إلا زيدا بالسوط أو بمحذوف حال من رجال الوصف بيوحى إليهم أو نعت الرجالا أو حال من هاء إليهم أو يتعلق بيوحى أو بالذكر وبمعنى العلم وجملة فاسألوا أهل الذكر معترضة على هذه الأوجه غير الذى بنيت عليه وغير الأخير والبينات المعجزات الواضحة والحجج الواضحة والزبر الكتب وقيل أهل الذكر أهل القرآن وهذا لا يصح علمه أن يتعلق بالبينات بالذكر، وإن قلت كيف يأمرهم بسؤال أهل القرآن وهم مكذبون بالقرآن مخاصمون لأهله قلت يصح بطريق التلويح إلى أن تكذيبهم به باطل لا يلتفت إليه وعناد ومكابرة ففيه شفاؤهم لو طرحوا المكابرة والجحود، فإنهم قد علموا حقا كذا ظهر لى فى توجيه هذا القول { وأنزلنا إليك } إليك يا محمد { الذكر } القرآن سمى ذكرا لأنه تذكير { لتبين للناس ما نزل إليهم } من أمر ونهى بأن تذكره لهم فيعلموه أو لتوضح لهم ما أشكل عليهم منه بإجمال أو غيره فالحديث مفسر لمجمل القرآن لا ناسخ له ولا معارض كما توهم والتبيين يطلق على النص على المقصود وعلى الإرشاد إلى ما يدل على المقصود كالقياس ودليل العقل { ولعلهم يتفكرون } أى وليتفكروا أى يتأملوا فيه فينتهوا للحقائق.

[16.45-47]

{ أفأمن } الهمزة استفهامية استفهام تعجيب وإنكار أن يكون إلا من صوابا وهى مما بعد فاء الاستئناف ولكن قدمت لتمام صدريتها ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على محذوف دخلت عليه الهمزة أى مكر هؤلاء الكفرة فأمنوا أن يخسف الله بهم الأرض ولما حذف المعطوف عليه جىء بالظاهر فاعلا إلا من { الذين مكروا السيئات } مفعول مطلق لأنه ناب عن المنعوت الذى هو مفعول مطلق والأصل مكروا المكرات السيئات ويجوز أن يكون مفعول به على تضمين مكروا معنى أخفوا الفعلات السيئات أو معنى عملوا ويصح على هذا الأخير أيضا أن يكون مفعولا مطلقا هذا ما ظهر لى من الأوجه ثم اطلعت على أن الزمخشرى والقاضى ذكر الأول ورأيت غيرهما ذكر الثالث والمراد بمكرهم السيئات اجتماعهم فى دار الندوة على أن يقيدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقتلوه أو يخرجوه أو المراد ذلك وسائر سعيهم بالفساد بتحيل وإخفاء فى رسول الله وفى المؤمنين إضرارا وصدا عن دين الله وهذا هو المتبادر عندى، وقيل المراد اشتغالهم بعبادة غير الله فإنه ولو كان أمر ظاهر لكنه عائد عليهم بالعقاب فى الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون فسماه مكرا وزعم بعض أن المراد بالماكرين نمرود ومن كان نحوه وأولى منه أن يقال المراد كل ماكر برسول من الرسل أو بمؤمن من المؤمنين { أن يخسف الله بهم الأرض } كقارون { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } بالعذاب وقد أهلكوا ببدر ولم يخطر ببالهم حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيقتلون فى حربه صلى الله عليه وسلم أو يأتيهم فجأة من جانب السماء كقوم صالح أهلكوا بصيحة من السماء وقوم لوط رفعوا إلى السماء وما دروا ثم قلبوا ورجموا. { أو يأخذهم فى تقلبهم } متعلق بيأخذ أى فى وقت تقلبهم أو بمحذوف حال أى ثابتين فى تقلبهم والمعنى يأخذهم متقلبين والمراد تقلبهم فى إشغالهم حضرا أو سفرا ليلا أو نهارا ذهابا أو رجوعا وقال قتادة المراد تقلبهم فى أسفارهم وقال الضحاك تقلبهم بالليل ولعله أراد انقلابهم إلى أهلهم للمبيت أو تقلبهم فى فرشهم وهما وقت أمان ومظنته. { فما هم بمعجزين } فائتين الله { أو يأخذهم } أى العذاب أو الله { على تخوف } حال من المفعول والمعنى يأخذهم على خوف شديد أو على توقع حضور أمر مخوف بأن يروا أهل قرية قريبة منهم نزل بهم العذاب أو حيا قريبا منهم أو نزل بطرف قريتهم أو موضع منها أو يرون آفة تنزل بهم قليلا قليلا فيظنوا أنها تأتى على آخرهم وتستقصيهم أو يروا العذاب مقبلا وعلى كل حال فذلك نوع مقابل للمنع فى قوله من حيث لا يشعرون فذلك من حيث لا يشعرون وهذا من حيث يشعرون وذلك قول الضحاك والكلبى وغيرهما وقيل إن التخوف التنقيص وهو نقصهما ونقص أموالهم شيئا فشيئا حتى يهلكوا عن آخرهم فعلى تخوف حال من الفاعل أو المفعول.

روى أن ذلك لقلة هذيل وروى أن عمر رضى الله عنه قال على المنبر ما تقولون فى قوله تعالى على تخوف فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال هذه لغتنا التخوف التنقص، قال فهل تعرف العرب ذلك فى أشعارها؟ قال نعم. قال شاعرنا أبو كثير

تخوف الرجل منها تامكا فردا كما تخوف عود النبعة السفن

صفحه نامشخص