هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
[16.9]
{ وعلى الله قصد السبيل } القصد مصدر فى الأصل يستعمل بمعنى المستقيم بإضافته إلى السبيل للتبعيض والسبيل جنس يقال طريق قصد وطريق قاصد أى مستقيم موصل إلى المراد الحسن كأنه يقصد الوجه الذى يقصده السالك لا يميل ويقدر مضاف فكأنه قيل وعلى الله بيان المستقيم من السبل وهو دين الإسلام أو على الله هداية المستقيم منها ويجوز أن لا يقدر بأن يكون المعنى من سلك المستقيم من السبل وصل إلى الله كما تقول جنان فلان على الطريق تريد من اتبع الطريق وصل إليه { ومنها } أى ومن السبيل لأن المراد بالسبيل كما مر الجنس { جائر } سبيل مائل عن الاستقامة أو عن الله وهو ما عدا دين الإسلام، ويجوز أن يراد بالسبيل سبيل الله المعهود، فتكون الإضافة للبيان أى وعلى الله بيان قصد هو سبيله فيكون الضمير فى قوله ومنها عائدا إلى السبل الكثيرة التى تفهم من الآية أو عائدا إلى السبيل المذكور على طريق الاستخدام بأن ذكر على معنى العهد وأعيد عليه الضمير على معنى الجنس وكل طريق غير طريق الإسلام يصدق عليه أنه من السبل وأنه جائر وإنما غير الأسلوب فلم يقل وعليه جائرها أو الجائر كما قال وعلى الله قصد السبيل، لأن المقصود بيان سبيله المستقيم لا تقسيم السبيل إلى مستقيم ومائل فذكر الجائر أن ما جاء بالعرض تتميما للكلام بذكر ضد المستقيم هذا ما كنت أقول ثم رأيت القاضى ذكره والحمد لله لولا أنه لم يبق الكلام محتاجا إلى ذكر المائل بعد ذكر المستقيم فإن المائل هو ما عداه، فبأى عبارة ذكر كان الكلام فصيحا بليغا إذ خلا عما يوجب زكاته أو لأنه ليس بحق على الله أن يبين طرق الضلالة لكن اقتضت رحمته ورأفته أن بينها كما بين قصد السبيل تأكيدا وإيضاحا ولو كان بيان طريق الهدى مغنيا، أما الوجوب فلا واجب على الله ولكن اقتضت الحكمة أن بين طريق الهدى ولما اقتضته صار كالواجب فكان التعبير بعلى قبل أو غير الأسلوب ليعلم بما يجوز إضافته إليه من السبيلين، وقرأ ابن مسعود ومنكم جائر أى مائل عن القصد باختياره والله منه برئ { ولو شاء } هدايتكم أجمعين هداية إيصال وتوفيق إلى قصد السبيل { لهداكم أجمعين } باختياركم فيثيبكم أو بالجبر فيثيبكم ولكن الحكمة تقتضى أن لا يجبر أحدا على إيمان ولا كفر لأن المدح والذم والثواب والعقاب يبطلن فى الجبر فهو كالعبث تعالى عنه وأما هداية البيان فقد هدى المكلفين كلهم.
[16.10]
{ هو الذى أنزل من السماء ماء } الوقف هنا ويستأنف بقوله { لكم } متعلق بمحذوف خبر { منه } متعلق بما تعلق به الأول أو بالأول لنيابته عن المحذوف حال من ضمير الاستقرار فى الأول وهى للابتداء أو للتبعيض وأجيز تعليقها بشراب { شراب } مبتدأ أو يكون الوقف على قوله لكم فيعلق بأنزل ويعلق منه بمحذوف خبر وشراب مبتدأ وقدم منه على هذا الوجه للحصر فإن الشرب ولو كان يقع أيضا من العين والبئر لكنه لا ماء فى الأرض إلا وقد نزل من السماء { ومنه شجر } هذا يقوى أن يكون لكم فيستأنف منه شراب ومنه شجر وإما على الوجه الأول وهو الوقف على ماء فإما أن يقدر ولكم منه شجر وإما أن يقال غير الأسلوب لأن الشراب أهم ومعنى كون الشجر من الماء أنه ينبت به والمراد الشجر الذى ترعاه الماشية بأفواهها أو بهش الراعى عليها ويدل لذلك ذكر الإسامة فيه عقب هذا، ويحتمل أن يريد مطلق الشجر فمعنى الإسامة فيه الإسامة فى مجموعه بعضه تأكله الماشية وبعضه لا وكذا الشراب المراد منه ما يشرب من المياه أو مجموع الماء وفائدة المجموع فى الموضعين إنما لا منفعة فيه بشربكم أو شرب دوابكم من لاماء وما لا منفعة فيه لهن من الشجر فيهما منافع لغير ذلك والشجر ما له ساق من النبات وقيل كل نبات واستدل له الزجاج بقول الشاعر
يعلفها اللحم إذا عز الشجر والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
وفى رواية اضجر أراد الشاعر أن اللائق أن تسقى اللبن إذا عز الشجر لا أن تطعم اللحم، والتحقيق عندى أن الشجر فى البيت ماله ساق لا تناله الماشية بفمها دليل قوله يعلفها، وفسر قتادة الشجر فى الآية بالحشيش. قال عكرمة لا تأكلوا من الشجرة يعنى نبات المطر فإنه سحت { فيه تسيمون } ترسلون مواشيكم للرعى فيه سامت الماشية رعت فهى سائمة وأسامها صاحبها رعاها وكذلك من السومة وهى العلامة لأنها إذا رعت بقى أثرها فى الأرض من وضع حافرها وظلفها وخفها وبعر وبول وبقى أثرها فى النبات يرى مقطوفا ومقلوعا ومكسورا وضد السائمة التى يؤتى لها بالعلف.
[16.11]
{ ينبت } أى الله وقرأ أبو بكر ننبت بالنون على التعظيم وقرىء ينبت بالتحتية والتشديد والزرع وما بعده منصوبات وقرأ أبى بن كعب بتحتية مفتوحة وإسكان النون وضم الموحدة ورفع الزرع وما بعده { لكم به الزرع } ما يزرع كالبر والشعير والجزر واللفت { والزيتون والنخيل والأعناب } قدم ما يسيمون فيه من الشجر لأنه يصير غذاء حيوانيا أشرف الأغذية وهو اللبن وما يتولد منه واللحم والشحم ثم قدم ما يشتمل نحو البر والشعير لأنه به قوام بدن الإنسان ولو شمل أيضا الفواكه التى تزرع ثم قدم الزيتون لأنه إنما هو إدام للطعام ودهن ثم النخيل لأن التمر غذاء وفاكهة ثم العنب لأنه كالتمر فى التفكه والتغذية { ومن كل } أى وشيئا ثابتا من كل { الثمرات } التى تعرفونها، هذا ما ظهر لى وهو أولى من قول بعضهم المعنى وبعض كل الثمرات معللا بأنه لم ينبت فى الأرض كل ما يمكن من الثمار لأن كل الثمرات لا يكون إلا فى الجنة وذكر الثمرات إجمالا بعد تفصيل فقد يقال أراد بالزرع ما يكون طعاما فقط كالبر والشعير وكل ما فى الأرض من الثمار فإنما هو تذكير لثمار الجنة والمؤمن يعرف أن ثمار الجنة أفضل وتذكير لأهل الجنة فى الجنة ما بين ثمار الجنة وثمار الدنيا من التفاوت { إن فى ذلك } المذكور من إنزال الماء وإنبات الشجر والزرع وإخراج الثمار { لآية لقوم يتفكرون } علامة واضحة ينتفع بها المتفكرون وهم المؤمنون تدلهم على وجود الله سبحانه وإنه الفاعل لذلك باختياره لا غيره فلا يصح أن يكون غيره شريكا له وعلى كمال قدرته وحكمته وعلى قدرته على إحياء الموتى إذ كانت الحبة ميتة يابسة تقع فى الأرض وتصلها التلاوة فينشق أعلاها فيكون منها ساق وأسفلها فيكون منها عروق وتنمو وتخرج منها أوراق وأزهار وأكمام وإثمار فى اختلاف ألوان وأشكال وأطباع مع اتحاد الماء والأرض والحر والبرد والريح ولعله فضل لذلك التنبيه العظيم بقوله إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون، بين قوله ينبت لكم به إلى آخره وقوله { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم }
[16.12]
{ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } ذللها بأن هيأها لنفعكم فلم تقدروا على الامتناع ومن انتفاعهم سكونهم بالليل وابتغاؤهم من فضل الله بالنهار ومعرفتهم عدد السنين والحساب والأوقات والاهتداء فى البر والبحر بالشمس والقمر والنجوم وخروج الثمار ونموها ونضجها بحرارة الشمس والقمر بأن جعلهما الله ونحوهما وغيرها أسبابا بالافاعلات بذاتها ومن قال المؤثر فى ذلك حركات الكواكب وأوضاعها والشمس والقمر بذاتها أشرك وإنما ذلك بإيجاد الله لها وتقديره كما قال { مسخرات } لكم أو لما خلقن له من المنافع أو لكم ولغيركم مما لا تعلمون أو معنى مسخرات مجعولات كما يشاء وهو اسم مفعول حال من الجميع مؤكدة على الأول مؤسسة بعض تأسيس على الباقى أو مصدر ميمى بصيغة اسم المفعول لأنه من غير الثلاثى مفعول مطلق بمعنى تسخيرات أى أنواع من التسخير { بأمره } بإيجاده وتقديره أو بحكمه أو بإرادته فكيف يعتقد فلسفى أو منجم أن النجوم والشمس والقمر هى المتصرفات فى السفلى قبحهم الله وقرأ ابن عامر برفع الشمس على الابتداء وما بعده على العطف ورفع مسخرات على الإخبار وقرأ حفص بنصب الشمس والقمر عطفا على ما قبل ورفع النجوم ومسخرات على الابتداء والإخبار { إن فى ذلك } التسخير { لآيات لقوم يعقلون } ذكر هنا العقل دون الفكر لأن كل من له عقل صحيح يستدل به فى تلك الآيات العلوية لأنها أوضح دليل وأظهره بخلاف النبات فإنه يحتاج إلى استيفاء الفكر فى أحواله فذكر فيه التفكر والمراد مع ذلك بقوم يعقلون المؤمنون.
صفحه نامشخص