1471

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

•
مناطق
الجزایر

وسبقها بمثل ما فضلت الوسطى على السبابة وبعثه من علامات الساعة ولما مر جبريل بأهل السماوات مبعوثا إليه صلى الله عليه وسلم قالوا الله أكبر أقامت الساعة وذلك قول الجمهور. وقال الحسن وغيره أمر الله عذاب الكفار فى الدنيا ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل ببدر فذلك جواب لقولهم أتينا بعذاب الله وقولهم اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتينا بعذاب أليم وممن قال هذا النضر بن الحارث وقيل يوم بدر أسيرا وكانوا يقولون إن صح ما يقوله فالأصنام تشفع لنا، والخطاب للكفار كما علمت فقوله بعد ذلك يشركون جاء على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة ويصح أن يكون الخطاب للمؤمنين أو لهم وللكفار كما مر أنهم جميعا رفعوا رءوسهم عند نزول أتى أمر الله حتى نزل فلا تستعجلوه وعلى ذلك فلا التفات ثم { سبحانه } نزهوه عن الشرك الذى من جملته استعجال الكفرة الأمر تكذيبا واستهزاء واتخاذ الأصنام { وتعالى } عظم وجل { عما يشركون } ما مصدرية أى عن الإشراك بمثل ذلك الاستعجال الصادر منهم تكذيبا واستهزاء واسم أى عن الأصنام التى يشركونها به ويزعمون أنها تدفع عندهم ما أراد بهم بالشفاعة وتنازع سبحانه وتعالى فيما بعدهما وقرأ حمزة والكسائى عما تشركون بالتاء الفوقية ليطابق فلا تستعجلوه على أن الخطاب فى تستعجلوه للكفار ومن قرأ أى بالتحتية فيهما.

[16.2]

{ ينزل } الله { الملآئكة } وقرأ ابن كثير وأبو عمر بإسكان النون وتخفيف الزاى من إنزال وهو رواية عن يعقوب وروى عنه تنزل بتاء فنون فزاى مفتوحات أى تنزيل وحذفت إحدى التاءين وقرأ أبو بكر تنزل بضم التاء وفتح النون والزاى وتشديد الزاى وعليهما فالملائكة بالرفع والملائكة جماعة من جملة الملائكة ولو فسرنا الروح بالوحى أو القرآن أو كليهما وبسائر كتب الله ووحيه لأن الملائكة فى ذلك مدخل فبعض ينسخ من اللوح وبعض ينقل إلى بعض وبعض يشيع الوحى وما نزل من كتاب وربما كان الوحى بدون جبريل كإسرافيل وقيل المراد جبريل عبر عنه بالجمع تعظيما وإن الروح هو ما ذكر { بالروح } بالوحى أو القرآن أو كليهما وبسائر كتب الله ووحيه وسمى ذلك روحا لأن به حياة القلب الميت بالجهل، كما قال الزجاج أو لأنه يقوم فى الدين مقام الروح فى الجسد وقال عطاء الروح النبوة وكذا عن مجاهد وعن ابن عباس الوحى وقال قتادة الرحمة وهى أيضا الوحى وما نزل من الكتب فإنهما رحمة قال الربيع بن أنس كل كلام الله روح وإن منه وأوحينا إليك روحا من أمرنا والياء بمعنى مع فى ذلك كله، كما فى قول بعض إن الروح جبريل وكما فى رواية عن ابن عباس أن الروح خلق الله لا ينزل ملك إلا ومعه روح كفيل حفيظ لا يتكلم ولا يراه ملك ولا غيره وكما فى رواية عن مجاهد أنه خلق لهم أيد وأرجل { من أمره } من للتعليل أى من أجله أو بمعنى الباء أى بأمره أى بإرادته { على من يشآء من عباده } وهم الرسل أى على من يشاء اتخاذه رسولا واصطفاه للرسالة وإنما ذكر تنزيل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده بعد ذكر إتيان أمر الله والتهديد به والنهى عن الاستعجال والتنزيه عن الشركة إشارة إلى ما به علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق موعدهم وقربه وما به علم بطلان الشركة وبطلان استبعادهم اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالعلم بذلك فإن يتكلم بما نزلت به الملائكة صادق قطعا { أن أنذروا } أى أعلموا الناس أو خوفوهم والخطاب لمن يشاء من عباده وإن مصدرية والباء مقدرة قبلها عند من أجاز دخول المصدرية على الأمر والمصدر والجار بدل من قوله بالروح أو لا يقدر الجار فيكون المصدر بدلا من الروح وإن قدر منصوبا على نزع الخافض فهو والخافض المنزوع بدل من قوله بالروح أو معسرة فإن فى الروح معنى القول دون حرفه إذا فسر بالوحى أو القرآن أو نحوهما مما مر فإن تنزيل الملائكة بالروح مطلقا مشعر بالوحى المطلق والوحى كلام وأجيز أن تكون مخففة من الثقيلة فهى أيضا مصدرية والكلام فيها كالكلام المذكور فى المصدرية الخفيفة وكل من التفسير والإبدال قربة على أن الروح ليس على حقيقته وهو الروح الجسد فإنه مستعار للوحى وما ذكر استعارة أصلية تحقيقية تصريحية، { أنه لا إله إلا أنا } مفعول لأنذروا أى أعلموا الناس أن الشأن لا مستحق للعبادة غيرى أو على تقدير الباء أى خوفوهم بأنه لا إله إلا أنا فإن الإنذار يأتى بمعنى الإعلام المطلق وبمعنى التخويف.

{ فاتقون } خطاب لمن يشاء من عباده أيضا ويجوز أن يكون من جملة ما به الإنذار على طريق الالتفات والأصل فاتقوه وإنما كان من الالتفات مع تقدم التكلم فى قوله إلا أنا لأنهم إنما يقولون لا معهم قولوا واعتقدوا أنه لا إله إلا الله والآية تدل على أن الوحى ينزل بواسطة الملك وأن حاصل الوحى الأمر بالتوحيد وهو منتهى كمال القوة العلمية وبه ينتفع بسائر العلم، والأمر بالتقوى وهى غاية كمال القوة العملية وقدم التوحيد لأن التقوى مبنية عليه ولأنه يختلف على كثرة الأمم بخلاف الأعمال، فقد يكون عمل تقوى فى أمة ومعصية فى أخرى وكذا الترك وتدل الآية أيضا على أن الرسالة اضطرارية وإنها هبة من الله ودل الله سبحانه على وحدانيته بايجاز أصول المخلوقات وفروعها على وفق الحكمة والمصلحة إذ قال { خلق السموات والأرض بالحق }.

[16.3]

{ خلق السموات والأرض بالحق } إلى آخر الآيات فإنه لو كان له شريك لمنع أحدهما الآخر من كل ما يريد أو من بعضه فمن ذلك إيجاده السماوات والأرض على كمية فى كل منهن وكيفية مخصوصة لحكمة وهى المراد بالحق وفسره بعض بالبعث والجزاء. { تعالى عما يشركون } عن إشراكهم أو عما يشركونه به وقرأ حمزة والكسائى بالفوقية وإنما ذكر هذا بعد ذكر خلق السماوات والأرض إزراء بهم وتشنيعا عليهم إذ أشركوا به ما هو ومن السماء أو الأرض وهن وما فيهن مخلوقة له ويفتقر فى وجوده وبفاءه إلى السماوات أو الأرض المخلوقات له تعالى ولا يقدر على خلقهن، وفى الآية دليل على أنه تعالى ليس بجسم وإلا احتاج إلى أن يتحيز موضعا منهم أو من غيرهن كالأصنام التى اتخذوها شركاء كما أنه ليس بعرض لأن العرض لا يوجد سواه.

[16.4]

{ خلق الإنسان } جنس ذرية آدم. { من نطفة } لا حياة بها ولا تنمو كما ينمو الشجر سائلة كالماء لا تطيق أن تضع نفسها فى موضع بالانتقال من الموضع الموضوعة انتقالا كليا والتشكل وغذاه وقواه حتى صار قويا شديدا. { فإذا هو خصيم } شديد الخصومة بنطق وجدال فى مصالحه ومنافعه وغير ذلك. { مبين } ظاهر الخصومة أو مظهر لحجته مفصح عما فى ضميره وذلك على العموم. وقال الحسن البصرى المعنى فإذا هم مجادلون أى جنس الإنسان فى آيات الله جدالا ظاهرا، كما روى أن أبى بن خلف جاء بعظم رميم إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال له أتزعم أن الله يحيى هذا العظم بعدما رم، فنزل فيه ذلك وقوله، قال من يحيى العظام وهى رميم، والوجه الأول أولى لعمومه كل خصومة نافعة أو ضارة فى الدنيا أو فى الدين ولا تشمل الآية الخصومة يوم القيامة إلا من حيث أن الأصل بقاؤه على الخصومة فى الآخرة كما فى الدنيا وتضمنت الآية إثبات البعث فكما خلق الإنسان يقدر على بعثه وتعديد النعم والتشنيع على من كفر به وقد أنعم عليه بهذه النعمة وتعريفه للإنسان قدره بأنه من نطفة قذرة منتنة كى يتضع ولا يترفع.

[16.5]

{ والأنعام } الإبل والبقر والغنم والنصب على الاشتغال واختير لتوافق الجملة قوله خلق الإنسان أو بالعطف على الإنسان وعليه فقوله. { خلقها لكم } بيان ما خلق الأجل الإنسان ونفعا له واللام للتعليل أو للملك وما بعد ذلك تفصيل لما خلق لأجل الإنسان فيها من المنافع ويجوز كون الوقف على خلقها ويستأنف بقوله لكم، { فيها دفء } ويناسب قوله ولكم فيها جمال واختاره بعض وعليه فاللام للملك ونحوه لا للتعليل وتعلق بمحذوف خبر دفء وفيها يتلق بما تغلق به أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فيه وعلى هذا الوجه الذى هو أن الوقف على خلقها بكون الأنعام منصوبا على الاشتغال لا معطوفا على الإنسان والدفء ما يدفأ به كالذبح بمعنى ما يذبح والنقض بمعنى المنقوض بكسر الأوائل والمراد اللباس المتخذ من الصوف والوبر والشعر وما يفرش وما يغطى به من ذلك، وقيل الدفى النسل وقيل نسل الإبل فقط فالحكم على هذا القول حكم على المجموع فى جانب الدفء والصحيح الأول وقرأ دف بإسقاط الهمزة والإعراب على الفاء. { ومنافع } كالركاب والحرث فى ما يحتملهما منها وهو الإبل والبقر كاللبن فى الإبل والبقر والغنم وكالنسل إذا لم نفسر به الدفء وكأثمان ما بيع منها أو من أوبارها وأشعارها وأصوافها أو لبنها أو سمنها أو جبنها أو قطنها، وأثمان اكتراء ظهور ما يركب منها، وعبر بالمنافع ليشمل الأثمان، { ومنها تأكلون } ما يؤكل كاللحم والشحم والسمن والزبد والجبن والأقط وتقديم الظرف للمحافظة على رءوس الآى أن يكون آخرها نونا أو للحصر الإضافى أى لا تأكلون إلا منها بالنسبة إلى الأكل من الحيوان فى الغالب فإن صيد البر والبحر والدجاج والأوز وبيضهما ونحو ذلك مما يؤكل أيضا لكن غير غالب وجاز مجرى التفكه، والتفكه أو التقديم للاهتمام فى كلام العرب أو لذلك كله ويجوز أن يكون المراد بالأكل منها أيكم ما تحرثون عليها وتسقون من الثمار ومن أثمانها وأثمان ما يتولد منها كصوف ولبن وأثمان كراء ظهورها وذلك بحسب ما يصلح فى كل فإن الغنم لا يحمل عليها ولا يحرث ولا يسقى عليها وفيها سائر المنافع وقد يحمل عليها ما خف عنها كخرج الراعى، وقيل قدم منفعة اللباس على منفعة الأكل لأنها أكثر وأعظم.

صفحه نامشخص