هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
[15.55-56]
{ قالوا بشرناك بالحق } أى بما هو واقع قطعا أو باليقين الذى لا لبس فيه أو بطريق هو حق وهو قول الله ووعده أنك تلد غلاما عليما اسمه إسحاق { فلا تكن من القانطين } الآيسين من ذلك ولا تستبعد أن يكون ولد من شيخ فان وامرأة عاقر عجوز فان الله جلت قدرته قادر أن يخلق بشرا من غير أبوين وقرىء من المقنطين من أقنط بمعنى قنط وإنما تعجب إبراهيم من خرق العادة ولم ينكر القدرة حاشاه ولذلك { قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } وهذا الاستفهام إنكار ونفى ولذلك أوجب بإلا والضالون بدل من الضمير فى يقنط وقرىء بكسر النون وضمها والكسر قراءة أبى عمرو والكسائى وكذا قرىء يقنطون فى الروم ولا تقنطوا فى الزمر بالكسر والباقون بالفتح وماضيهما قنط بالفتح وأما يقنط بالفتح فماضيه قنط بالكسر والضالون المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله وكمال علمه وقدرته وهم كافرون كما قال لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقيل ظنت الملائكة به قنوطا إذ قال بشرتمونى الخ. فقالوا بشرناك الخ. فأجابهم بقوله ومن يقنت الخ. وفى الآية دليل على أن القنوط من رحمة الدنيا كبيرة كما أن القنوط برحمة الآخرة كبيرة إذ رتب الضلال على القنوط فى جواب العام القنوط من الولد.
[15.57]
{ قال فما خطبكم أيها المرسلون } ما أمركم الذى أرسلتم لأجله وهذا يدل على أن إبراهيم عليه السلام قد علم أنهم لم يجيئوا للتبشير بالولد مجيئا مقصودا بالذات بل مجيئا عارضا فسألهم عما قصدوه بالذات فيحتمل أنه علم ذلك من كونهم عددا والتبشير بالولد لا يحتاج للعدد وقد اكتفى فى تبشير زكريا ومريم عليهما السلام بالواحد ويحتمل أنه علم ذلك من كونهم ابتدءوا بغير التبشير ثم بشروه فى وصف الكلام لإزالة الوجل بعدما قال أنكم وجلون ولو كان المقصود الذات التبشير لا تبدءوا به فلعل المقصود بالذات إخباره بالإرسال إلى قوم لوط ثم ما بينوا له إلا بعدما سألهم ويحتمل أن يريد فما خطبكم بعد هذا الخطب إلى الذى هو التبشير بالولد.
[15.58]
{ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } بالإهلاك وهو قوم لوط كما يظهر بالاستثناء فى قوله.
[15.59]
{ إلا آل لوط } لكنه استثناء منقطع من حيث أن المستثنى منه موصوفون بالإجرام وهو الشرك والكباير وآل لوط غير موصوفين بذلك وهم أتباعه فى الدين فلا يشملهم لفظ المستثنى منه كما أنه منقطع فى قولك جاء بنو زيد إلا بنى عمرو وجاء الحجازيون إلا بنى تميم فالمعنى لكن آل لوط لم نرسل إليهم بالإهلاك ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا والمستثنى منه الضمير المستتر فى مجرمين فالمعنى أرسلنا إلى قوم أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم غير مجرمين بالاهلاك للمجرمين والتنجية لغير المجرمين وهم آل لوط فالإرسال يعم الجميع ولو اختلف بالإهلاك والتنجية بخلاف ما إذا جعلنا الاستثناء منقطعا فإن الإرسال حينئذ مختص بالإهلاك مقيد به أى أرسلنا بالإهلاك أو هو فى نفسه إهلاك كقولك أرسلت إليه حجرا أو سهما قال سيبويه آل فلان القوم الذين أمرهم إلى فلان وظاهر عبارته هذه من آل يؤول بمعنى رجع وإنه ليس أصله أهلا ويدل على أن الإرسال للقوم المجرمين بالإهلاك ولآل لوط بالتنجية قوله { إنا لمنجوهم } أى آل لوط مما يهلك به القوم { أجمعين } وهذه الجملة مستأنفة إذ جعلنا الاستثناء متصلا ومتصلة بآل لوط جارية مجرى الخبر بعد لكن إذا جعلناه منقطعا وقرأ حمزة والكسائى لمنجوهم بإسكان النون وتخفيف الجيم.
[15.60]
{ إلا امرأته } استثناء من الهاء فى منجوهم أى ننجيهم إلا امرأته منهم فلا ننجيها واستثناء من آل لوط المستثنون من الإجرام أى إلى قوم أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا إلا امرأته من آله فإنها أجرمت أو استثناء من آل لوط مستثنين من القوم أى أرسلنا بالإهلاك إلى قوم مجرمين لكن آل لوط لا نهلكهم بل ننجيهم إلا امرأته من آله فإنها ممن أرسلنا بالإهلاك إليه فلا ننجيها واستثنى المرأة من آل لوط أو من الهاء متصل أن قلنا آله قرابته ومن يحويه بينه ولم يؤمن معه إلا هم وإن آمن معه سواهم فقاله إما بمعنى القرابة ومن يحويه بيته أيضا تغليبا فمتصل أو بمعنى مطلق متبعيه فى الدين فمنقطع وذكر القاضى أن الاستثناء من الهاء إذا جعلنا الاستثناء الأول متصلا وإنا لمنجوهم أجمعين مستأنف وإنه لا يجوز من آل لوط لاختلاف الحكمين لأن آل لوط متعلق بأرسلنا أو المجرمين وإلا امرأته متعلق بمنجوهم إلا أن يجعل إنا لمنجوهم أجمعين اعتراضا بإيضاح { قدرنا } وقرأ أبو بكر هنا وفى النمل بتخفيف الدال والتقدير هنا القضاء أو الحكم وأصله جعل الشىء على مقدار غيره، وإنما علق باللام فى خبر أن مع أنه ليس فعل قلب لأنه ملاحظ فيه معنى الفعل القلبى فإن المراد بالقضاء أو الحكم القضاء بالقلب أو الحكم به أو لأنه بمعنى القول والقول يسلط على جملة إن المكسورة ومعموليها أو لتضمنه معنى العلم وقد فسر كثير منهم تقدير الله أعمال العباد بعلمها وإنما أسند الملائكة التقدير لأنفسهم وهو لله وحده لأنهم أرسلهم الله فى شأن ذلك التقدير وجار على أيديهم ذلك التقدير ولما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما قول خاصة الملك أمرنا بكذا ودبرنا كذا والآمر والمدبر الملك لا هم { إنها لمن الغابرين } الباقين للهلاك مع سائر الكفرة لا الناجين لكفرها.
صفحه نامشخص