1427

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

•
مناطق
الجزایر

" يقوم يوم القيامة خطيبان أحدهما إبليس يقوم فى الكفرة بهذه الألفاظ والثانى عيسى ابن مريم عليه السلام يقوم بقوله ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به "

الآية إنه يقول تلك الألفاظ قبل دخول النار ويجمع بينهما بأن المراد بيوم القيامة ما يعم قبل الدخول وما بعده وزعم مقاتل أنه يوضع منبر فيجتمع له أهل النار فيقول ما ذكر الله جل وعلا عنه بقوله { إن الله وعدكم وعد الحق } وعدا صادقا حقيقا بالوفاء وهو الوعد بالبعث والجزاء فيوفى به { ووعدتكم } وعدا باطلا كاذبا وهو أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار وإن كانا شفعت لكم الأصنام { فأخلفتكم } سمى ظهور خلاف ما وعدهم اختلافا منه على طريق التجوز أو أرهم فى هذا الوقت أنه فى وقت الوعد فمعتقد للوفاء وقادر عليه لكنه أخلفهم وهذا على طريق الكذب فإنه فى وقت الوعد عالم بأنه لا طاقة له بالوفاء { وما كان لى } وفتح الياء حفص { عليكم من سلطان } قوة قهرتكم بها على الكفر والمعاصى كالعصى والسيف والإحراق والسجن فالاستثناء فى قوله { إلا أن دعوتكم } منقطع وإن مصدرية أى الادعاء فى إياكم أو الكفر والمعاصى بالوسوسة والتزيين ويجوز أن يكون متصلا بطريق الادعاء وإن دعاءك إياه جملة فى مكان السلطان وكأنه من جنسه أى إن كان الدعاء من جنس السلطان فقد اقتصرت عليه كقولك قرى الكافر رمح وتحيته ضرب عنقه بالسيف والأول أظهر فكأنه قال لكن دعوتكم إلى الكفر والمعاصى { فاستجبتم } أجبتم { لى } دعائى قبل أن تنظروا فى دلائل الرسل بلا مهلة { فلا تلومونى } على دعائى إياكم فإن من أظهر العداوة لا يلام على مثل ذلك وقرئ فلا يلومونى بالتحتية على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة { ولوموا أنفسكم } إذا اتبعتمونى تقليدا أو عصيتم ربكم مع دلائله وبراهينه والحق عندنا معشر الاباضية والشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى مكسوبة لنا فمن حيث أنها مكسوبة لنا قال إبليس لعنه الله تعالى للأشقياء لوموا أنفسكم أى إذ كسبتم باختياركم ما يوجب الشقاوة فبكل قول المعتزلة أن الآية دليل على أن العبد مستقل بأفعاله وليس قولنا بأنها مخلوقة لله تعالى قولا بالجبر، بل هى كسب لنا وليس كلام الزمخشرى نصا فى الاستقلال فإن حاصله أن الإنسان يختار الشقاوة والسعادة ويحصلها لنفسه أى يختار موجبها ويحصله وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين وأنه لو كان مجتبرا لقال فلا تلومونى ولأنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر، وأجبركم عليه وأنه لو كان قول الشيطان فى ذلك باطلا لبينه الله تعالى وأنكره بل لا طائل له فى النطق بالباطل فى ذلك المقام ألا تروا أنه حذف فى قوله أن الله وعدكم وعد الحق الخ انتهى بل يحتمل مذهبنا { ما أنا بمصرخكم } مغيثكم من العذاب { ومآ أنتم بمصرخى } قال أبو عمرو الدانى قول حمزة بكسر الباء وهو لغة حكاها الفراء وقطرب وأجاز عمرو والباقون بفتحها انتهى وكذا قال أبو حيان أنه لغة وبها قرأ يحيى بن وثاب والأعمش، ووجه الكسر أنه قدر أن باء الإضافة ساكنة وقبلها ياء الجمع ساكنة فكسر ياء الإضافة على أصل التخلص من التقاء الساكنين وذلك ضعيف لأن حركة ياء الإضافة الفتح ولو بعد الألف على الأفصح فكيف بعد الباء والاجتماع ياءين وثلاث كسرات وليس الساكن الذى هو حرف صحيح واقع قبل ياء الإضافة بأولى من ياء ساكنة قبلها فى ذلك فضلا عما قد يقال إن الباء الأولى جارية مجرى الجر والصحيح الساكن لإدغامها فساغ كسر الياء بعدها على الأصل، ويجوز أن يكون ذلك على لغة من يزيد ياء بعد ياء الإضافة فحذفت لئلا تجتمع ثلاث ياءات ودلت عليها الكسر كما تزاد ياء بعد كاف المؤنث وتاء وألف بعد كاف المذكر فى لغة { إنى كفرت بما أشركتمون من قبل } ما مصدرية ومن متعلقة بأشرك أى كفرت بإشراككم إياى بالله فى الطاعة من قبل هذا اليوم فى الدنيا ومعنى الكفر بإشراكهم التبرؤ منه واستنكاره أو ما اسم موصول مستعمل للعالم كما قيل فى والسماء وما بناها ومن متعلقه بكفر أى كفرت بالله الذى أشركتمونيه بطاعتكم إياى فيما أدعوكم إليه من عبادة غير الله من قبل إشراككم حين أمرنى بالسجود لآدم فامتنعت، وعليه فالرابط محذوف هو هاء كما رأيت وتعدى أشرك لاثنين بإدخال همزة التعدية، تقول شرك زيد خالدا وأشركته إياى أى جعلته شريكا له وأثبت أبو عمرو الياء فى أشركتمونى فى الوصل { إن الظالمين } المشركين والمنافقين { لهم عذاب أليم } هذا من كلام الله جل جلاله ويحتمل أن يكون تتمة لكلام اللعين إبليس وإنما حكى الله سبحانه وتعالى كلامه الذى سيقوله لتقشعر عنه قلوب الناس فيستعدوا لذلك الوقت ويحاسبوا أنفسهم.

روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

" أنه إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق قال المؤمنون قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا إلى ربنا قالوا انطلقوا إلى آدم فذكر أن كل من آتوه من الأنبياء ردهم للآخر قال ويأتون عيسى فيقول أدلكم على النبى الأمى فيأتونى فيأذن الله لى أفأثنى عليه فأقوم فيفور من مجلسى أطيب ريح شمها أحد وأسأل ربى الشفاعة فيشفعنى ويجعل لى نورا من شعر رأسى إلى ظهر قدمى ويقول الكافرون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذى أضلنا فيأتونه فيقولون قد وجد المؤمنون من شفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا، فيقوم فيفور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم تعظم جهنم ويقول عند ذلك إن الله وعدكم وعد الحق "

الآية ذكره الشيخ هود رحمه الله مبسوطا بلا مسند وذكره البغوى بسند عن عقبة بن عامر ويأتى كلام فى ذلك إن شاء الله فى تفسير المقام المحمود.

[14.23]

{ وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أى أدخلهم الملائكة أو أدخلهم الله كما قرأ الحسن وعمرو بن عبيد وأدخل بهمزة التكلم والرفع هو دليل على أن هذا من كلام الله تعالى { جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين } حال مقدرة { فيها بإذن ربهم } بأمره متعلق بادخل وإما على قراءة الحسن وعمر وفقيل متعلق بما بعده من الجملة أى بنسبة الخبر إلى المبتدأ، قلت هذا عندى ضعيف لأن نسبة الخير إلى المبتدأ عامل معنوى فلا يتقدم معمولها عليهما بل يتعلق بادخل والأصل أدخلهم بإذنى أى بمشيئتى وإرادتى ووضع الظاهر وهو اسم الرب موضع المضمر وهو ياء إذنى بكسر الهمزة فلزم من ذلك الالتفات من التكلم للغيبة لأن الظاهر من قبيل الغيبة { تحيتهم } من الله ومن الملائكة وفيما بينهم { فيها سلام } أى تهنئة بالسلامة من الآفات ويحتمل أن يكون المعنى أن تحيتهم فيها السلامة منها، وليس بكلام من غيرهم لهم ولا من بعض لبعض، كما تقول لحبيبك تحيتك لحم وسمن تريدان له ذلك والأول أظهر وأشهر ويدل له ما روى أنه بينما هم فى ظل شجرة طوبى يتحدثون تحتها إذ أتتهم الملائكة بنوق مزمومة بسلاسل الذهب كأن وجوهها المصابيح من حسنها منقادة عليها رحائل الذهب المكسوة بسندس وإستبرق وتدفع إليهم ثم يسلمون عليهم ويقولون إن ربكم بعث إليكم بهذه الرواحل لتركبوها وتتفسحون فى الجنة وتنظرون إلى ما وعد لكم فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد فيركبونها ويسيرون صفا لا تجاوز ناقة أخرى بإذنها ويمرون بالشجرة فتتأخر عن مكانها فيرسل إليهم ربهم السلام فيقولون ربنا أنت السلام ومن عندك السلام ولك حق الجلال والإكرام فيقول لهم وعليكم السلام منى وعليكم رحمتى ومحبتى مرحبا بعبادى الذين أطاعونى بالغيب وحفظوا وصيتى ويقولون لا وعزتك ما قدرناك حق قدرك وما أدينا إليك كل حقك ائذن لنا يا ربنا أن نسجد لك فيقول إنى وضعت عنكم مؤنة العبادة وقد أفضيتم إلى كرامتى وبلغ الوعد الذى وعدتكم تمنوا فإن لكل إنسان منكم ما تمنى.

[14.24-25]

{ ألم تر } وقرئ بإسكان الراء وهو ضعيف لأن جزمه بالحذف لا بالإسكان ولعله أجرى للوصل مجرى الوقف والمعنى ألم تعلم يا محمد أو يا أيها الإنسان { كيف ضرب الله مثلا } كيف وضعه، { كلمة } بدل من مثلا، { طيبة } قال ابن عباس والجمهور هى قول لا إله إلا الله، وقيل لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل دعوة الإسلام والقرآن عموما، وقيل كل كلمة حسنة وأوامر المعروف أو نهيا عن منكر وتسبيحه كشجرة نعت ثانى لكلمة أو خبر لمحذوف والجملة مستأنفة أى هى كشجرة ويجوز أن يجعل كلمة مفعولا أولا مؤخرا ومثلا مفعولا ثانيا مقدما تنزيلا لضرف منزلة جعل، كما قال ابن مالك إن ضرب فى المثل يتعدى لاثنين ويجوز كون كلمة مفعولا لمحذوف وكشجرة مفعولا ثانيا أى جعل كلمة طيبة { كشجرة } الخ، فيكون ذلك تفسيرا لضرب الله مثلا كقولك اكرم الله جل جلاله فلانا أعطاه المال وعلمه العلم ويدل له قراءة بعضهم برفع كلمة طيبة فيكون كشجرة خبرا لكلمة، { طيبة } هى النخلة أخرج الترمذى موقوفا مرفوعا وصحح الموقف والنسائى والحاكم وابن حبان وصححه وغيرهم عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

" أن الشجرة الطيبة هي النخلة "

صفحه نامشخص