هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ أفمن هو قائم } رقيب { على كل نفس بما كسبت } عملت من خير أو شر فيجازيهم، والخبر محذوف، أى كمن ليس كذلك، بل عجز عن مصالحه فضلا عن غيره وهو الصنم، كما لوح إليه بذكر الشركاء بعد، أو أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحق بالعبادة أم الجمادات، أو يقدر الخبر هكذا لم يوحدوه وعليه يكون قوله { وجعلوا لله شركاء } معطوفا عليه، ومقتضى الظاهر أن يقال لم يوحدوه جعلوا له شركاء، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر، لدلالة الظاهر وهو لفظ الجلالة، على أن الله جل جلاله هو المستحق للعبادة مختص بهذا الاسم، وإذا قدرنا الخبر كمن ليس كذلك، أوقدرناه أحق، فجملة جعلوا الخ مستأنفة ، ويجوز عطفها على كسبت بأن نجعل ما مصدرية أى بكسبها، وجعلهم له شركاء فيقدر الخبر بعد شركاء، ومن فى ذلك كله موصولة. ويجوز أن يكون الأصل اجهلوا حق الله ووحدته، وجعلوا له شركاء، وجملة من هو الخ معترضة، فتكون من استفهامية وهو قائم خبرها، كأنه قيل من هو قائم على كل نفس بما كسبت أهو أم شركاؤهم. { قل سموهم } أى ذكروا هؤلاء الشركاء من هم أى ليسوا بشئ كما ترى إنسانا يتعد بزيد فتقول له من زيد، تريد ليس شيئا يتعد به، وأنه خامل، أو المعنى اذكروهم بأسمائهم ننظر هل هم ممن يستحق العبادة كما يقول لك إنسان عندى من الجند كذا، فتقول أنت منهم؟ تريد أن يذكرهم لك لتنظر هل يقومون بالقتال والذب، أو المعنى صفوهم لننظر هل فى صفتهم ما يتأهلون به للعبادة. { أم } بمعنى بل وهمزة الإنكار { تنبئونه } تخبرونه، وقرئ بإسكان النون وتخفيف الموحد بعدها { بما لا يعلم فى الأرض } من شركاء يستحقون العبادة، أو من صفات يستحقون العبادة بها، والمراد نفى ذلك، لأنه لو كان ذلك موجودا لكان معلوما لله، لأنه لا يخفى عنه شئ فى سماء أو أرض، وأراد بنفى العلم نفى المعلوم، وهو نفى الشىء بنفى لازمة. { أم بظاهر } أى وأم تسمونهم شركاء بظاهر { من القول } من غير حقيقة موجودة، واعتبار معنى صحيح كتسمية الميت حيا، والزنجى، كافورا، والجاهل عالما، وذلك كيف تقولون الشئ بلا تفكر فى معناه وأنتم أولوا الألباب، احتجاج بليغ ينادى بلسانه أن لا مقاوم له، ويجوز أن يكون التقدير أم تنبئونه بظاهر من القول وهو المتبادر. { بل زين للذين كفروا مكرهم } أباطيلهم أنه زينها لهم الشيطان وزخرفها فظنوها حقا، أو زين لهم كيدهم للإسلام بالشرك، أو مكرهم هو نفس الكفر كما قال ابن عباس، لأن تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر، واحتيالهم فيما يضره كفر، والمزين الشيطان كما رأيت لعنه الله، بمعنى أنه وسوس لهم أو الله جل جلاله بمعنى أنه خذلهم، ولا يقدرة لغيره تعالى على الإضلال والهداية لقوله { ومن يضلل الله فماله من هاد } ونحوه.
{ وصدوا } أعرضوا بانفسهم، أو صرفوا غيرهم { عن السبيل } سبيل الحق وهو دين الإسلام، وقرأ الكوفيون بضم الصاد، أى صدهم من كان قبلهم بتشريع الباطل، أو الشيطان بالوسوسة، أو الله تعالى بالخذلان، وقرئ بكسر الصاد على البناء للمفعول كالكوفيين، لكن نقلت حركة الدال المدغمة للصاد، وقرأ ابن أبى إسحاق وصد بفتح الصاد وتنوين الدال، على أنه اسم معطوف على مكر، أى زين لهم المكر والصد لغيرهم، أو صدهم بأنفسهم. { ومن يضلل } يخذل عن السبيل { الله } باختياره عدم الاهتداء لا بالجبر من الله { فماله من هاد } موفق للسبيل.
[13.34]
{ لهم عذاب فى الحياة الدنيا } بأسر وقتل، وسلب وجوع، وغير ذلك من النقم على كفرهم، ولكون ذلك مما أوجبه كفرهم، ذكره عقب ضلالهم وبعد الصد والمكر { ولعذاب الآخرة أشق } أشد وأصعب من عذاب الدنيا لعظمه فى نفسه، وكثرته بلا عدد ودوامه، وذلك من الشق بمعنى الصدع لأنه يصدع القلب. { وما لهم من الله } أى من عذابه متعلق بواق من قوله { من } صلة للتأكيد { واق } حافط ومانع، أو ليس لهم واق من العذاب آت رحمته تعالى، وعلى هذا فالموقى عنه محذوف، أى لا راحم لهم من الله يقيهم العذاب.
[13.35]
{ مثل الجنة } أى صفتها العجيبة البالغة مبلغا يضرب بها المثل فى الغرابة، وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه، أى مما قصصنا عليك، أو فيما ققصنا عليك، أو خبر لمحذوف، أى هذا مثل الجنة أشير إليه قبل ذكره تعظيما له، وتنبيها وإيقاظا لمن يصغى إليه، وقيل مبتدأ خبره تجرى الخ ولم يحتج لأنه نفس المبتدأ، فإن جريان الأنهار من تحتها، وما ذكر بعدهما نفس المثل، وتقدير موصوف أى جنة تجرى تمثيلا لما غاب بما نشاهد، لكن بزيادة قيد دوام الأكل والظل لو دام فى ما نشاهده، وعلى زيادة مثل وهذا فى مذهب مجيز زيادة الأسماء، ونسبه فى الآية بعضهم لسيبويه، والمشهور أنه مذهب الكوفيين، والمانع يئول ما تعين للزيادة بأنه نادر فلا يحمل الآية عليه وعلى الزيادة، فكأنه قيل الجنة. { التى وعد المتقون } على اتقاهم { تجرى من تحتها الأنهار } وإذ لم تجعل جملة، وتجرى خبرا، ولا نعت الخبر كانت مستأنفة أو حالا من رابط الصلة المحذوف، أى التى وعدها المتقون جارية أنهارها من تحتها، على أن الوعد فى كتب الله، وأن الجنة مخلوقة اليوم. وإن قلنا المراد بالوعد الوعد الأزلى، أو أنها ستخلف، فالحال مقدرة، والمتقون نائب الفاعل، وهو المفعول الأول نائب عن الفاعل، وها مفعول ثان يقدر مقدما على النائب، وقرأ على أمثال الجنة بالجمع أى صفتها. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أن أنهار الجنة من ماء وعسل ولبن وخمر، تجرى فى غير شق فى الأرض، ولا بناء، ويصعد الماء فى جريانه عن الأرض اثنى عشر ذراعا "
{ أكلها } أى المأكول فيها وهو الفواكه والثمار، أو جميع ما يؤكل فيها { دائم } لا ينقطع ولا يفنى، ولا يختص بحين دون حين. روى أن ولى الله إذا تناول ثمرة لم تصل فاه إلا وقد بدل الله سبحانه مكانها أخرى، والجذع من ذهب، وسعفها حلل، وكربها زبرجد أخضر، وشماريخها در أبيض، وطول العرجون اثنا عشر ذراعا، مركب من أعلاه إلى أسفله، ليس لثمره نوى، أحلى من العسل، وأبيض من الثلج وألين من الزبد، والرمانة كالبعير بقتبه. { وظلها } مبتدأ محذوف الخبر، أى دائم، أو كذلك لا تنسخه شمس كما تنسخ الظل فى الدنيا، إذ لا شمس فى الجنة. وإن قلت إذا جعلنا ذلك ذكرا للجنة بصفتها فلا إشكال، وإذا جعلناه تمثيلا بجنة الدنيا أشكل الفهم عنا، إذ لا جنة فى الدنيا دائمة الأكل والظل؟ قلت ساغ ذلك على شريطة الدوام، كأنه قيل الجنة الموعودة للمتقين كجنة فى الدنيا جارية الأنهار، دائمة الأكل والظل، لو دام أكلها وظلها كما مرت الإشارة إليه، أو قوله { أكلها دائم وظلها } ليس داخل فى التمثيل بجنة الدنيا، بل يعود إلى جنة الآخرة، والتحقيق عندى إنما المراد دوام أكل الجنة وظلها بعد دخولهم فيها، سواء قلنا إنها مخلوقة اليوم وهو الصحيح لما مر فى مواضعه ، أو قلنا إنها ستخلق، وسواء قلنا بفنائها عند قيام الساعة لظاهر قوله
كل شئ هالك إلا وجهه
أو قلنا بأنها لا تفنى، وإنما المراد موت كل حى سواه تعالى، فلم يصح قول بعضهم كعبد الجبار المعتزلى أنها لو كانت مخلوقة اليوم لفنيت عند قيام الساعة فينافى الدوام للذكور فى هذه الآية. { تلك } الجنة الموصوفة الرفيعة الشأن { عقبى الذين اتقوا } ما عاقبة غضب الله سبحانه وتعالى من الكفر ومعاصى { وعقبى الكافرين النار } الدائمة الجوع والايجاع بالحرارة والزمهرير، وتعريف الطرفين فى الجملتين مفيد للقصر، قصر موصوف على صفة فى الأولى، وقصر صفة على موصوف فى الثانية، كأنه قيل تكون الجنة عاقبة للمتقين لا غير عاقبة، وأما الكافرون فلا عقبى لهم إلا النار، كقولك السمن واللحم غداك، وجزاء زيد الضرب والسجن، ولا يخفى ما فى ذلك الذى قررت من الترغيب للمتقين وإقناط الكافرين.
صفحه نامشخص