هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
وروى أنهم قالوا يا أبانا اسأل يوسف أن يعفو عنا، قال يا أبت أشهدك أنى عفوت، قال عطاء الخراسانى طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ، ألا ترى أن يوسف قال
لا تثريب عليكم اليوم
ويعقوب قال { سوف أستغفر لكم ربى }. ولما وصل يهودا والبشير، ثم جميع الإخوة. وقيل بقى بنيامين بمصر، وتجهز يعقوب للمسير إلى مصر، فمضى بأهله وهم سبعون أو اثنان وسبعون، أو ثلاثة وسبعون إنسانا، ركبوا دوابهم، ولبسوا ثيابهم وزينتهم، ووصل رسول إلى يوسف بمجيئهم، فأمر العسكر باستقبالهم، فركب ثلاثون ألف فارس من فرسان العرب، فتلقوه فسجدوا بين يديه، فقال من هؤلاء؟ قيل من جند يوسف، فبقى متحيرا، ولما ساروا فرسخين بعد، تلقته ثلاثون ألف فارس من فرسان الروم فنزلوا وسجدوا بين يديه، فقال من هؤلاء؟ قيل من جند يوسف، فضحك من أمر الله تعالى، وسار فرسخين فإذا بأربعين ألف بغلة عليها العماريات، مع كل عمارية جاريتان، قال لمن هؤلاء؟ قيل ليوسف أرسلها لنساء إخوته، ثم سار فرسخين، فإذا هو بألف نجيب مزينة، قال لمن هؤلاء؟ قيل ليوسف أرسلهم لبنات إخوته، ثم سار فرسخين فإذا هو بأربعين ألف شيخ سجدوا بين يديه، قال من هؤلاء؟ قيل شفعاء أرسلهم يوسف لتعفوا عنه مخالفته لك فى ذكر رؤياه لإخوته. فبكى عند ذلك، ولما بقى بينهم وبين مصر ثلاثة أيام استقبله يوسف عليه السلام راجلا تواضعا لوالده نبى الله يعقوب عليه السلام، وفى مائة ألف راجل، معهم الملك الريان، ولما بقى بينهما يوم كشف الله جل جلاله عن بصره حتى رأى يوسف كالقمر ليلة البدر، فقال ليهودا، من هذا المقبل كأنه البدر؟ قال ما أرى شيئا، فإن كنت رأيت شيئا فذلك يوسف قرة عينيك، فرمى بنفسه من فوق البعير ومشى ساعة على قدميه، ورأى يوسف أباه أيضا قد أقبل، فسعى إليه والتقيا وتعانقا، فضج آل يعقوب بالبكاء، وضجت الملائكة بالبكاء. وكان أشد أولاد يعقوب بالبكاء زينة، فدنا يوسف منها وضمها إلى صدره فشهقت وخرت مغشيا عليها، وضج بنيامين والناس والجبال، وسقط يعقوب مغشيا عليه، فضمه إلى صدره، وقبل ما بين عينيه، وناداه يا أبت فلم يجبه، ورش عليه الماء فلم يفق من غشيته، وحمله فى هودج من الذهب ومشى راجلا خلفه، وكذا زينة وبنيامين وإخوته وبنوهم. وروى أنه خرج مع يوسف عشرة آلاف أمير، والملك الريان حافيا إجلالا ليوسف وأبيه، ولما وصل يوسف داره فرش لأبيه فراشا وطيئا، ولما كان نصف الليل أفاق يعقوب من غشيته، وفتح عينيه، فرأى يوسف عند رأسه يبكى ويقول يا أبت عليك السلام إلى يوم القيامة، فجلس يعقوب ومسح على وجهه، وحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال قد وادعتك يا بيت الأحزان، قد بلغ الحبيب إلى الحبيب، فعند ذلك قال يوسف عليه السلام يا أهل مصر كلكم عبيدى وقد أعتقتكم عند رؤية والدى.
وفى عرائس القرآن وغيره لما دخل يعقوب ومن معه أرض مصر، كلم يوسف الملك الأكبر الذى فوقه فيما يزعم وهو الريان، أن يتلقى أياه، فخرج يوسف والملك فى أربعة آلاف من الجند والعظماء، وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب وهو يمشى يتوكأ على يهودا ، فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهودا هذا فرعون مصر. قال لا هذا ولدك يوسف، فلما دنى كل من صاحبه أراد يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام، فقال جبريل عليه السلام بل يبدأ يعقوب، فقال يعقوب السلام عليك يا مذهب الأحزان. قال سفيان الثورى لما التقيا تعانقا وتباكيا، فقال يوسف ليعقوب عليهما السلام يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك، أما علمت أن القيامة تجمعنا؟ قال بلى، ولكن خشيت أن يسلك بك غير طريقنا فيحال بينى وبينك، وفى رواية أنى خشيت أن تسلب دينك. قال وهب ابن منبه وغيره دخل يعقوب وأهله وذريته وهم اثنان وسبعون إنسانا، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الأطفال، ومن لم يبلغ القتال به والهرمى، وكانت الأطفال ومن لم يبلغه ألف ألف ومائتى ألف.
[12.99]
{ فلما دخلوا } أى يعقوب وأولاده وأهلوهم { على يوسف } أرض مصر، أو منزلا دخله خارج مصر، أو قبة ضربت له { آوى } ضم يوسف باعتناق { إليه أبويه } أباه يعقوب وخالته ليا، وسميت أما حتى غلب لفظ الأب على لفظ الأم، لأنها ربته بعد موت أمه راحيل فى نفاس بنيامين، والمربية تدعى أما لقيامها مقام الأم، ولئن زوجت تسمى أما مطلقا تجوزا، ولأن العرب تسمى الخالة أما، كما تسمى العم أبا. وقال الحسن المراد أبوه وأمه راحيل كانت حية بعد، وقيل أبوه وأمه راحيل بعثها الله القادر على كل شئ حتى تسجد ليوسف تحقيقا لرؤياه، بناء على أنها المراد بالشمس أو القمر فى رؤياه. وعن الحسن أن الله لن يبعث أمه ولكن بشرها فى قبرها وسجدت فيه لله تعالى حقيقة، فليست أحد الأبوين فى هذه الآية، وقيل المراد أبوه وجدته أم أمه، والصحيح الأول، وهو المشهور أن أمه ماتت، وأن أحد الأبوين خالته. وعن ابن إسحاق والحسن أنها أمه لم تمت، قال عياض وهو أظهر بحسب اللفظ، إلا أن يثبت بسند أن أمه ماتت. { وقال ادخلوا مصر } نفس البلد المسمى مصر، وهذا الدخول المأمور به غير الأول فى غير نفس مصر كما علمت، وقيل الأول دخول نفس مصر، والثانى استيطانها، وقيل هما دخول نفس مصر، لكن الثانى مكيف بالأمن كما ترى بعد. { إن شاء الله آمنين } من القحط وأصناف المكاره، ومنها ما كان يدخل على الناس من الخوف من ملوك مصر، فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم، واشتراط مشيئة الله سبحانه عائد إلى الدخول المكيف بالأمن على القول الثالث فى الدخول، وأما على الأول والثانى فيجوز أيضا فيها عوده إلى الدخول المكيف بالأمن، وآمنين حال من واو وادخلوا، وادخلوا دليل لجواب، أو حال من واو فى جواب محذوف، أى إن شاء الله دخلتموها آمنين. ويجوز عوده على مطلق دخولها، فإنه ولو كان لا يقال قم إن شاء من حيث إن لمخاطب لا يعلم أن الله شاء، فيمتثل القيام أو لم يشأ فلا يقوم، لكنه يجوز أن يقال باعتبار ما يئول إليه الأمر من قيام وعدمه، فتعلم منه مشيئة الله أو عدمها، ولا سيما أن يعقوب يمكن له العلم بمشيئة الله، فيجوز أن يكون المعنى ادخلوا مصر إن أذن لك الله يا يعقوب فى أن يدخلوها. ويجوز أن يكون اللفظ اشتراطا، والمراد التبرك، وهو الذى ندب القرآن إليه فيما ينفذ فى المستقبل، ومثله فى أحد الأوجه وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وقيل راجع إلى قوله
سوف أستغفر لكم ربى
إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيم. ومن طال سجنه، وكتب { ولما دخلوا على يوسف } إلى { هو الحكيم } وعلق ذلك على عضده الأيمن وأكثر قراءته تخلص بإذن الله.
[12.100-101]
{ ورفع أبويه } بعد اشتمال داره بمصر عليهما { على العرش } السرير الذى كان يجلس عليه إكراما لهما { وخروا } أى أبواه وإخوته الأحد عشر { له سجدا } بوضع الجباه على الأرض أو غيرها تعظيما له، وكان ذلك تحية جائزة بينهم فى ذلك الزمان، لا عبادة لمخلوق. قال ابن عباس رضى الله عنهما جليس يعقوب عن يمينه، وخالته عن شماله، وإخوته بين يديه، وسجدوا وقالوا فى سجودهم سبحان من ألف بين يوسف وإخوته، ولا تعظيم فوق من عظمه الله بسجود أبيه له وهو نبى، وأى نبى، وفى سجوده إزاحة لأنفتهم عن السجود له، وذلك هو الظاهر عندى. وقيل ليس ذلك سجودا كسجود الصلاة، بل انحناه، وضعف بأنه خلاف ظاهر خرورهم سجدا، وقيل سجدوا لله إلى جهة يوسف، تعظيما له، كما يسجد إلى الكعبة. وعن الحسن الهاء فى له لله، أى وخروا لله سجدا وهو ضعيف، وقيل الهاء ليوسف كما مر، لكن على معنى انهم خروا لأجل يوسف سجدا لله وشكرا. وأجمعوا أنه ليس السجود عبادة منهم ليوسف، وظاهر الآية أن السجود كان بعد رفع أبويه على العرش، فهما سجدا له على العرش، أو نزلا، وقيل كان قبله ولكن قدم الرفع اهتماما بذكره. وروى أن يعقوب قال ليوسف بعد ما أفاق أخبرنى ما فعل بك إخوتك يا حبيبى؟ قال يا أبت كان ما كان، وقص عليه قليلا من القصة فغشى عليه، ثم أفاق فقال له يا حبيبى أخبرنى كيف صنعوا بك؟ قال له يا أبت مضى ما مضى فلا تذكر تلك أيام خلت، وقد وصل الحبيب إلى الحبيب، فلله الحمد على ذلك. { وقال يا أبت هذا } أى سجودكم { تأويل رؤياى من قبل } متعلق برؤياى، أو حال من رؤياى، أو متعلق بمحذوف معرف، أى لرؤياى الواقعة من قبل هذا الزمان فى وقت الصبا، وهى رؤيته أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. { قد جعلها ربى حقا } صدقا، وبين رؤياه وتأويلها قال بعضهم ثمانى عشرة سنة، وقال سلمان أربعون سنة، وأبو صالح، عن ابن عباس اثنتان وعشرون، وابن جبير، وعكرمة، والسدى ست وثلاثون، وقتادة خمس وثلاثون، وابن مسعود سبعون، والفضيل بن عياض ثمانون، وكذا قال الحسن، قال عمره وقت الجب سبع عشرة، وأقام العبودية والسجن والملك ثمانين، ومع أبيه وإخوته وأقاربه ثلاثا وعشرين، ومات لمائة وعشرين، وقيل لمائة وعشر. { وقد أحسن بى } أى إلى، والمعنى أوصل إلى النعم، أو الباء للإلصاق { إذ أخرجنى من السجن } لم يذكر إخراجه من الجب، مع أن إلقاءه فى الجب أصعب من دخوله } السجن، لئلا يخجلهم بعد ما قال { لا تثريب عليكم اليوم } ولأنه فى مقام تعديد النعم، ونعمة الله عليه فى الإخراج من السجن أعظم منها فى الإخراج من الجب، لأنه أخرج من الجب للرق، وأخرج من السجن للملك، ذكر الوجهين الثعالبى، وزاد الخازن وجها لكنه قول هو أن دخوله الجب كان لحسد إخوته، ودخول السجن لنزول التهمة فكان أعظم نعمة.
صفحه نامشخص